التاريخ : الخميس 19 ابريل 2007 . القسم : رسالة الأسبوع

المشروع الأمريكي الصهيوني والبيئة الخصبة لأعمال العنف


 

رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله رب العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ المُرسلين، سيدنا محمدٍ النَّبيِّ الهادي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد..

تمرُّ الإنسانيَّةُ في عالمِ اليومِ بمرحلةٍ لم تمرَّ بها في تاريخِها الطَّويل، ولم تعرف لها من قبلُ مثيلاً في الظُّلمِ وغياب العدالة، ونشرِ الدَّمار، وإهدار الدِّماءِ، في ظلِّ المحاولات المحمومة لقوةٍ واحدةٍ غاشمةٍ تسعى لتحقيق السيطرة الكاملة لها على مصائر الإنسانية وتوطيد أركان مشروعها الامبريالي العالمي الجديد.

 

فمع تفاعل أجندة الامبريالية العالمية الجديدة في مرحلة ما بعد الحربِ الباردةِ وزوال الكُتلةِ الشرقيَّةِ، وانفراد الولايات المتحدة والتَّحالُف الغربي الذي تقوده بالشَّأنِ الإنساني والسِّياسي العالمي.. تحوَّل النَّظام العالمي إلى نظامٍ جديدٍ، أحادي القطبيَّة، تسيطر عليه قوَّةٌ واحدةٌ ترى أنه من حقِّها فرض أجندة أهدافها وقِيَمِها على العالم بأسْره لمجرد أنها خرجت منتصرةً من الحربِ الباردة مع "امبراطورية الشر" السُّوفيتيَّة كما دأبت الأدبيات السياسية والإعلامية الغربية على وصف الكتلة الشرقية خلال عقود الحرب الباردة.

 

وقد تزامن هذا "الانتصار" الأمريكي- الغربي في الحرب الباردة مع مولد تيار المحافظين الجُدُد، الذين تولَّوا الحكم في البيت الأبيض؛ حيث جاءوا حاملين رايات الحرب الصليبية الجديدة كما قالها جورج بوش الابن ذات مرة بعد أحداث سبتمبر 2001م، محاولين فرضَ قِيَمِهِم وعقائدهم وأفكارهم على العالم بأسره، وسط حالةٍ من النَّفي المُطلق والإقصاء الكامل للآخر، أيًّا كان هذا الآخر.

 

وتجيء محاولات فرض الهيمنة وفق أحادية النظرة الإقصائية هذه دون مراعاةٍ لأبسط قواعد الخصوصيَّةِ العقائديَّةِ والثَّقافيَّةِ والاجتماعيَّةِ للشُّعوبِ الأخرى، ودونما أيضًا الوضع في الاعتبار حقائق السُّننِ الإلهية في الخلاف والاختلاف البنّاءَيْن بين مختلف المجموعات البشرية التي خلقها الله- سبحانه وتعالى- متباينةً ومختلفةً فيما بينها؛ لكي تتكامل فيما بينها وتتفاعل فيما فيه خيرُ ومصلحةُ الإنسان الذي كرَّمه الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً(70)﴾ (الإسراء).

 

وسعيًا من فرعون النِّظام العالمي الجديد إلى الاستيلاء على ثروات الآخرين وخيراتهم، وتطبيق نظرية النهايات- نهاية التاريخ ونهاية الأيديولوجية ونهاية الدين!!- ونفْي الآخرين، وفرض قِيَمِه عليهم عملاً بمبدأ ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى﴾- (غافر: من الآية 29)- رَفَعَ هذا الفرعون في حربه قِيَمًا وشعاراتٍ برَّاقةً جميلةً بما يملكه من قنابلَ نوويةٍ وصواريخَ فتَّاكةٍ وأسلحةٍ حارقةٍ، زاعمًا أنَّه أتى لدعمِ قيمِ حقوقِ الإنسانِ ونشْرِ الدِّيمقراطيَّةِ، رافعًا شعار "الفوضى البنَّاءة" التي تستهدف استنساخ "الحلم" الأمريكي في أنحاء العالم!!

 

ولكن الحقائق تقول بعكس ذلك، فالصور الواردة من العراق وفلسطين وأفغانستان تُظهِر تصفيةً وإبادةً ومجازرَ وحشيةً واعتداءاتٍ صارخةً على البُنى التحتيةِ للأوطانِ، كما أن الصور التي جاءت من سجون عوفر وأبو غريب ومجدُّو وجوانتنامو وغيرها.. تكشف عن فضائح التعذيب وانتهاكات بشعة لحقوق الإنسان.

 

ولقد أدت هذه السِّياسة الأمريكيَّة إلى ردَّة فعل سلبيَّة من جانب العديدِ من الشُّعوبِ، وإلى حالة من السّخط الشعبي العام، مع تحلُّل عناصر الدولة المركزية في العديد من البقاع التي وضعت أقدامها فيها.

 

كما أدَّت سياسات الظُّلمِ والكَيلِ بمكيالَيْن والانحياز للعدو الصهيوني- على حساب الحقوق الفلسطينيَّة والعربيَّة والإسلاميَّة من جانب فراعنة النِّظام العالمي الجديد- إلى سيادةِ شعورٍ بفقدان الأمل في الحصولِ على الحُرِيَّة، وفقدان الثَّقة في إمكان سيادة قيمة العدالة، ومع نسْف المشروعات والسِّياسات الأمريكيَّة والصُّهيونيَّة لأركانِ الأمن والسِّلم العالمي فَقَدَ العالم أمنَه وأمانَه؛ ممَّا أفرزَ بيئةً خصبةً للأفكار المتطرفة، وباتت الفرصة مُتاحةً لأعمال العنف والإرهاب لكي تضرب من جديد في المغرب والجزائر، وفي غيرها من بقاع العالم.

 

كما أدَّت حالة الفوضى وسياسة "فرِّق تسُد" وإشعال نار الفتن التي تبنَّتها الولايات المتحدة إلى تعضيد العنف والاقتتال الداخلي في العراق وفلسطين والصُّومال ومن قبل في أفغانستان والسُّودان وبلدانٍ أخرى نُكِبَت بالدَّاءِ الأمريكي الذي لم يكتفِ بذلك، بل عَمَدَ إلى التَّخلِّي علنًا حتى عن تبنِّيه الزَّائف لقيم الدِّيمقراطيَّة، ودعَم بعضَ أسوأ الأنظمة الدِّيكتاتوريَّة القمعيَّة في العالم.

 

خياراتنا

ولعل الصور الأجدر بالانتباه والبحث في هذا الموضوع هي تلك التي طرحتْها مَشَاهد التفجيرات الأخيرة في المغرب والجزائر، هذه الصُّور تطرح مجموعةً من القضايا الواجب على كلِّ عربي ومسلم مخلص لهويته العربية والإسلامية الالتفاتُ إليها، ولعلَّ أبرز الدروس هي تلك المتعلقة بالتَّوجيه الخاطئ لبوصلة بعض الشباب العربي والمسلم.

 

هذا الشَّباب الذي قام بتفجير نفسه دونَ هدفٍ محدَّدٍ أو غاية سامية يشير إلى حالةٍ مِن فقدان الرؤية وغياب الفهم وضياع الهدف، ومن هنا يخاطب الإخوان المسلمون هؤلاء وغيرهم بضرورة اتباع العلماء الثقات في تحديد الفكرة الصحيحة والمنهج السليم في التعامل مع التَّحديات الداخلية التي تواجه أوطانهم وأمتهم بالشكل السلمي والحضاري بعيدًا عن إهدار حياتهم هباءً من ناحية، وحفاظًا على الأنفس والدماء التي شدَّد الإسلام على حرمتها من ناحية أخرى ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنعام: من الآية 151)، بل إن ذلك من صور الفساد والإفساد في الأرض، والتي جاء الإسلام ليحاربها ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾ (الأعراف).

 

كما يناشد الإخوان المسلمون هؤلاء أن يوجِّهوا طاقة المقاومة- بكل الوسائل المتاحة- إلى العدو الحقيقي للأمة.. العدو الذي يحتل ويقتل وينتهك وينهب الخيرات.. ذلك العدو القابع في القدسِ وبغدادِ وكابول.. العدو الذي ينظر لنفسه على أنه البشر الوحيد الذي من حقِّه أن يَحيا ولو على حساب استباحة الآخرين.

 

أيضًا مطلوبٌ من شبابنا توجيهُ طاقاتهم نحو البناء والإصلاح، ومواجهة الاستبداد والقمع والديكتاتورية والفساد المتغلغل في أوطاننا بالإصلاح السِّلمي المُتدرِّج الأعمق أثرًا من كل التفجيرات والدماء التي تسيل بأيدي أبناء الوطن الواحد؛ لتفويت الفرصة على الفرعون الجديد لشقِّ الصفِّ وإضعافِ الجبهة لكي يتوافر له المزيد من عوامل نجاح مشروعه الامبريالي الأسود، وقال عز وجل: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: من الآية 88).

 

ولعل تعاليم الإسلام الحنيف التي رسَّخها القرآن الكريم وصحيح السُّنة النبويَّة الشريفة هي العلاج الناجح لمشكلات العصر الجديد الذي بات فرعون متحكِّمًا فيه بالحديدِ والنارِ، ناشرًا الدماء في كلِّ صوبٍ، فالإسلام كما أنه دينُ المقاومة للمحتل هو أيضًا دينُ البناءِ والعدالةِ.. قال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النَّحل: من الآية 90)، وقال تعالى أيضًا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)﴾ (الأنعام).

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

القاهرة في: 2 من ربيع الآخر 1428هـ الموافق 19 من أبريل 2007م.