التاريخ : الخميس 10 مايو 2007 . القسم : رسالة الأسبوع

الديمقراطية بين الإسلام والدعوات المعاصرة


 

رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين

نحمد اللهَ ربَّ العالمين، ونصلِّي ونسلِّم على النَّبيِّ الهادي الأمين، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد..

 

يمر على الأمة في هذه الأيام- ضمن ما يمرُّ عليها من أحداثٍ وخطوبٍ- بعضُ الأمور التي توضِّح المزيد من الحقائق حول استهداف هذا الدين، ومحاولات بعض القوى النَّيلَ من مرجعيَّات هذه الأمة وهويَّتها، وتُثبت هذه الأمور في الوقت ذاته زيفَ شعارات كافة دعاة الأيديولوجيات الوضعية، وليس أدلَّ على ذلك من الأزمة السياسية التركية التي أشعل نارَها غلاةُ العلمانية هناك بعد أن سعى حزب العدالة والتنمية إلى ممارسة حقه الدستوري في ترشيح أحد رموزه لمنصب رئاسة الجمهورية التركية، ولكن أبت القوى الظلامية إلا أن تجرِّد كل أسلحتها لمجرد أنَّ مرشح الرئاسة كان هو عبد الله جول أحد أقطاب حزب ذي مرجعية إسلامية.

 

إن الأزمة الراهنة التي تمر بها تركيا، والتي حالت دون استكمال خيارات الشعب التركي التي كفلها له الدستور، وكفلتها له مختلف الشرائع السماوية والوضعية تبرز الوجهَ الحقيقيَّ للديمقراطيات المزعومة والنظريات والأيديولوجيات الوضعية، مثل العلمانية والاشتراكية والليبرالية، التي لم تصدُق مع نفسها حتى تصدُق مع غيرها.

 

قيم إسلامية أصيلة

لقد سبق الإسلامُ- الذي يدَّعون عليه الآن بغير الحق- غيرَه من النَّظريَّات والأيديولوجياتِ الوضعيَّة؛ حيث جاءت الرسالة السماوية الخاتمة حاملةً مختلف القيم التي يزعم العلمانيون وأشباههم أنهم آباؤها، بل إن الإسلام يتميز عن غيره من هذه المسميات بعنصرَي السبْق الزَّمني والثَّبات على ما يدعو إليه دون تفرقةٍ بين البشر على أيِّ أساسٍ؛ ديني أو عرقي أو نوعي.

 

فالإسلام بقيمه سبَق الغربَ في الدعوةِ إلى لُبِّ الدِّيمقراطيَّةِ الحقيقيَّة؛ وهي الشورى والمساواة واحترام الرأي الآخر قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)﴾ (الشورى)، ويقول المصطفى- صلى الله عليه وسلم- في خطبة الوداع: "يا أيُّها النَّاس، ألا ‏‏إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكُم واحدٌ، ألا لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا ‏لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى.. أبلغت؟!.. قالوا بلّغ رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم" (رواه الإمام أحمد بن حنبل في باقي مسند الأنصار)، وقال تعالى في محكمِ كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾ (النساء).

 

وفي الحريَّة وصل الإسلامُ إلى شأوٍ لم يكن دعاةُ العلمانيَّة ببالغيه، فالحرية التي كفلها الإسلام هي حريَّة حقيقيَّة في كلِّ شيءٍ حتى في العقيدة والدين.. قال تعالى: ﴿وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: من الآية 29)، وقال تعالى أيضًا: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾ (البقرة).

 

أما ما يزعمونه من أن الإسلام لا يعرف الحكم المدني، وأن الحكم فيه حكم ديني ثيوقراطي بالمعنى الذي اخترعوه فإن القرآن الكريم يكذبهم فيه، فالرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- كانت كل مهمته الدعوة إلى ما أنزل الله سبحانه وتعالى ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾ (الغاشية).

 

وها هو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين يستمع للرعية، ويقول "أصابت امرأة وأخطأ عمر"، ويستمع لآخر وهو يستوقفه في المسجد ليقول له: "اعدل يا عمر"، فيستجيب له عمر، و"يقنعه" أن السنتيمترات القليلة التي كانت زائدةً في ثوبه عن باقي أثواب المسلمين إنما هي مقتطعة من نصيب ابنه عبد الله- رضي الله عنهما- وليست اقتناصًا من أمير المؤمنين لقطعةِ قماشٍ زائدةٍ من بيت مالِ المسلمين!!

 

ومن قبله أبو بكر الصديق قال لرعيته: "أطيعوني ما أطعتُ اللهَ ورسولَه، فإنْ عصيت اللهَ ورسولَه فلا طاعةِ لي عليكم".

 

هذه هي الحريَّة الحقيقيَّة، والدِّيمقراطيَّة الحقَّة، والمساواة الفعليَّة والشَّفافية التي لا تظلم أحدًا ولا تعتدي على حقوق أحد.

 

ومن هنا ومن هذه القيم انطلقت دعوة الإخوان المسلمين تدعو إلى العدالةِ والمساواةِ والحريَّةِ، والمطَّلع على رسائل الإمام الشهيد حسن البنا- رضي الله عنه- يعلم تمامًا أنَّ أساس دعوةِ الإخوان المسلمين هو تحقيق مجموعة من الأهداف والغايات السامية، من بينها تحرير الأمة من كلِّ شبهاتِ الاستعمار الفكري والمادي والمعنوي، وفي رسائله كافةً لم تخلُ واحدةٌ منها من دعوة الحريَّة، فهو يريد وطنيَّة الحرية وقوميَّة وأمميَّة الحريَّة في رسالة (دعوتنا)، وفي رسالة (ين الأمسِ واليوم) يؤكد على أن دعوة النبي- صلى الله عليه وسلم- هي دعوة الحريَّة والنَّقاء، وفي حديثه عن منهاج القرآن الكريم في الإصلاح الاجتماعي في نفس الرسالة يحدِّد الإمام البنا الحريَّةَ كأحد الأصول الرَّئيسيَّة للإصلاح الاجتماعي الذي هو مفتاح كل إصلاح آخر.

 

بل إنه في خلالِ شرحه لـ"مَن هم الإخوان المسلمون" يقول: إن الجهاد في سبيل الحرية يوازي تمامًا الجهاد في سبيل الحق والعدل، ويقول إن الحرية السياسية ركنٌ ركينٌ من أركان الإسلام.

 

هذا نحنُ.. فماذا هم يفعلون؟!

هذه هي قيمُ الإسلامِ الحقيقيَّة، فعن أي ديمقراطية يتحدثون؟!
أولاً: إن أبسط مبادئ الديمقراطيَّة هي المساواة وتكافؤ الفرص والتَّداول السِّلمي للسُّلطة، وأن الأمة مصدر السلطات.. هذه هي الديمقراطيَّة كما يقولون، ولكنهم في الحقيقة يضعون شرطًا عجيبًا، وهو أنَّ القواعد الديمقراطيَّة محترمة "ما لم تسمح للإسلاميِّين بالوصولِ للحكم".

 

ولعل التَّاريخ القريب يوضِّح لنا حقيقة ازدواجيَّة معايير مُدَّعي العلمانيَّة، فالمساواة كانت في بلدان الكتلة الشرقيَّة السابقة للشيوعيين فقط، وكان المسلمون استثناءً من هذه المساواة، فاضطُّهِدوا وقُمعوا وهُجِّروا من ديارهم، والحرية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية قيمةٌ مقدَّسةٌ إلا بالنسبة للإسلام وللعرب والمسلمين.

 

ويخبرنا الواقع الإنساني العربي والإسلامي والعالمي الحالي أن ازدواجيَّة المعايير هذه كانت لها آثار كارثية على الأمم والشعوب، فإلغاء القوى العلمانية في الجزائر لنتائج الانتخابات العامة والمحلية في العام 1991م لأنَّها جاءت بالتيار الإسلامي إلى الحكم- استجابةً لمصالح بعض الفئات الضيقة، واستجابةً لضغوطٍ من بلدانٍ غربيَّة تزعم أنها ديمقراطية- قاد الوطن الجزائري الحبيب إلى حمام دم لا يزال يُعاني منه.

 

وفي فلسطين يُجَوَّع الشَّعب الفلسطيني ويُشرَّد ويُحاصَر بسبب خياره الدِّيمقراطي الذي أتى بحماسِ المقاومة والتحرير إلى الحكم، لمجرَّد أنَّ اسم حماس ومرجعيتها تحمل كلمة "الإسلام".

 

والآن يتكرَّر الأمر في تركيا؛ فعلمانيُّو تركيا أخذتهم العزةُ بالإثم، ورفضوا الخيار الديمقراطي الذي أتى بحزبِ العدالة والتَّنمية إلى حكمِ البلاد، بحجة أنَّ ذلك يُهدِّد القيم العلمانيَّة للدَّولةِ التُّركيَّة، بالرغمِ من أنَّ الهويَّة الأصليَّة لتركيا هي الإسلام.

 

والمؤسف أنَّ علمانيِّي تركيا أخذوا موقفهم هذا ليزيدوا بذلك من جراح الشعب التركي الذي عانى ذات الظلم وازدواجية المعايير من أوروبا التي تزعم العلمانية والديمقراطية، بينما ترفض ألمانيا- زعيمة الاتحاد الأوروبي- انضمام تركيا إليها حتى لا تفسد هوية الاتحاد كـ"نادٍ مسيحي"!!

 

ولكن يبقى الخيار النهائي للشعوب التي كافحت طويلاً لنَيل حريتها واستقلالها، وتحارب الآن من أجلِ هويتها، في فلسطين وفي العراق وفي تركيا وفي أفغانستان والسودان، وغيرها من بقاعِ العالم العربي والإسلامي، ولا نملك لهم إلا دعوة الله تعالى للمؤمنين من عباده ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)﴾ (آل عمران)، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.

وصلى اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.