التاريخ : الجمعة 11 مارس 2022 . القسم : رسالة الأسبوع

رسالة إلى الصف في ذكرى التأسيس الرابعة والتسعين " اعتزاز بالمنهج و تجديد للعهد"


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه 

يقول الله عز وجل ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ سورة يونس الآية 58  
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه : فضل الله : الإسلام ، ورحمته : تزيينه في القلب .

إن من الفرح بفضل الله عز وجل علينا بالإسلام اعتزازنا بالانتماء لدعوة الإخوان المسلمين - التي انطلقت في مثل هذا الشهر من أربعة وتسعين عاما في 22 مارس 1928م - واعتزازنا هذا ليس تفضلاً على أحد، ولا انتظاراً للجزاء من أحد، ولكنه شكر لنعمة الله عز وجل علينا بحمل المشروع الحضاري للإسلام، الذي لا نقول أنه يصلح لكل زمان ومكان؛ بل نجزم بأن لا الزمان ولا المكان يصلح بغير الإسلام.

إننا في جماعة (الإخوان المسلمون) نعتز بالفهم النقي الوسطي الشامل للإسلام كما جاء به رسول الله ، ولايسعنا أن ننقص منه تفريطاً، ولا يشرفنا أن نزيد عليه إفراطاً، ونعتز بالسعي لإقامته في أنفسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا، والدعوة إلي إقامته في كل جوانب الحياة ولكل البشر، إرضاءً لله عز وجل، وإبراء للذمة أمامه سبحانه حين يسألنا عن المهمة التي خلَقنا لها، وعن النعمة التي أنعم بها علينا؛ هل أدينا شكرها؟ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ سورة المائدة الآية 3

ومما يدفعنا إلى تأكيد اعتزازنا بالانتماء لدعوة الإخوان المسلمين خاصة في هذه الأيام، اقتفاء هدي النبي الأعظم  في الأوقات العصيبة كما في غزوة حنين حين ولى المسلمون مدبرين من هول المفاجأة بالكمين الذي نُصب لهم فيها؛ فتقدم صلى الله عليه وسلم ورفع صوته مرتجزاً (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)، تأكيداً للثوابت، ودعوةً للصمود وافتخارا بالانتماء، آمراً عمه العباس أن ينادي على أصحاب بيعة الرضوان - كما ننادي الآن على أهل الصدق والوفاء - الذين لا يصلح غيرهم إذا جد الجد واشتد البأس وحمي الوطيس.


 

وفي مطلع القرن الماضي لما اشتد البأس على أمتنا، ومزقت وحدتنا، واحتُلت بلادنا، وتعالت دعوات العزلة وحَصر الإسلام في زاوية الطقوس بعيدا عن إدارة الحياة؛ تعجب الإمام البنا رحمه الله في رسالته إلى طلبة الإخوان المسلمين قائلاً: حدثوني بربكم أيها الإخوان: إذا كان الإسلام شيئًا غير السياسة، وغير الاجتماع، وغير الاقتصاد، وغير الثقافة.. فما هو إذن؟! أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر؟! لهذا أيها الإخوان نزل القرآن نظامًا كاملاً محكمًا مفصلاً ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ سورة النحل الآية 89. 

فصارح الدنيا برسالتنا ومنهاجنا على طريق رسول الله  بضرورة بناء جيل جديد يفهم الإسلام فهما صحيحاً ويعمل به والسعي لإقامة نظام الحياة على منهاجه، من خلال منهج متدرج يبدأ بإصلاح النفس، ومروراً بتكوين البيت المسلم، وإرشاد المجتمع، وتحرير الوطن، وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق، وصولاً لاستعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية وتحقيق الوحدة المنشودة، وحشد جهود المخلصين من أنصار العدل والحرية في العالم؛ من أجل جعله مكانًا أفضل للتعايش بين الناس كل الناس.

أيها الإخوان.. في هذه المناسبة أريد مصارحتكم كما علمنا الإمام البنا رحمه الله في واجبات الأخ العامل (وأفضل الشجاعة الصراحة في الحق، وكتمان السر، والاعتراف بالخطأ، والإنصاف من النفس وملكها عند الغضب) .

أولا: يجب أن نعتز بأن هذه رسالتنا، وهذا منهاجنا، نعم أصابتنا في السنوات الأخير إصاباتٌ بالغة، لن تكسرنا بإذن الله، ما دمنا بدعوتنا مستمسكين، وعلى الحق ظاهرين، تحدونا بُشريات الوعود النبوية الكريمة لهذه الأمة؛ فلا تشغلوا أنفسكم بانتصار الإسلام فهو منصور إن شاء الله -بكم أو بغيركم- ولكن اهتموا بثباتكم أنتم عليه وانتصاركم أنتم على أنفسكم وقيامكم بواجباتكم نحوه أمام الله عز وجل.

 ثانيا: لابد لنجاح أي فكرة من تجرد أصحابها لها، وحمايتهم لها من أهواء أنفسهم أولا ثم من التذبذب والتشكك والتأرجح بين الأفكار والدعوات ثانياً. 

كما قال القائل: ومُشتَّتُ العزماتِ ينفق عمره  …  حيرانَ ! لا ظفرٌ ولا إخفاقُ

أيها الشباب: تعرفوا على مبادئ دعوتكم ومواقفها وإنجازاتها وتاريخها ورجالاتها جيدا، ليزداد اعتزازكم بها ولا تنخدعوا عنها بغيرها، اسمعوا للجميع ولكن لا تصدقوا كل مايقال، فليس كل متكلم صادقاً في نصحه، ولا تحزنوا كثيراً لتخذيل أو سخرية تصدر من غافل أو قاعد أو حاقد ، فلا يصح أن نكون ألعوبة في يد كل متكلم نميل معه حيث مال..  فقد أنضجتنا التجارب والتضحيات؛ واعلموا أن من ينتقدنا ببرهانٍ يقوينا ويُبصِّرنا بأخطائنا وعيوبنا وبما غاب عنا فلسنا معصومين وله منا كل الاحترام، حتى لو جرَّح في نقده، فننتفع بنصحه ولن يضرَّنا تجريحه؛ بشرط أن نكون واثقين من طريقنا نمضي فيه على بصيرة ونحمل دعوتنا بكل قوة واعتزاز.

ثالثاً: وبهذه المناسبة أرجو أن يتقبل مني الناقدون المكثرون في نقدهم من أبناء الدعوة أو من غيرهم من الغيورين المخلصين هذا العتاب: كيف يحمل الجيل الجديد النقي دعوة لا يفتخرون بها ولم تنجح في شئ كما يُصوَّر لهم؛ بسبب كثرة ما يوجه إليها من نقد بحق وبغير حق؟ إن المؤمن كيس فطن يفرق بين النقد (النصح البناء) والنقض (الهدم من الأساس) فلا تطلقوا الرصاص على أقدامكم ولا السهام على دعوتكم؛ ففي الحديث الصحيح: (إذا قال الرجلُ: هلك الناسُ فهو أهلَكُهم) أو (أهلكَهم) وإلا فماذا بقى للداعية إذا فقد ثقته في نفسه ودعوته وأضل طريقه؟ إن كثيرين من الذين طال بهم أمد البلاء، وتسلط عليهم الأعداء، يتحولون شيئا فشيئا لفقد ثقتهم في أنفسهم والكفر بطريقهم؛ بسبب الإخفاقات، أو تعاظم التضحيات،  أو صدمات في بعض القيادات، نعم في أوقات البلاء لحظات عنيفة يُختبر فيها الإيمان ذاته، وتتزلزل فيها النفوس، و تطعن الفكرة؛ حتى لدى بعض الذين آمنوا بها وضحَّوا لأجلها، يقول الواحد منهم لنفسه أو لأخيه: لو أننا على الحق ما وقع لنا ما وقع !وادعاء الحكمة بأثر رجعي سهل على الجميع أو يتألى بعضهم على الله فيقول إنها سنة الاستبدال!! والعياذ بالله .. 

أيها الناقدون الغيورون رفقاً بأنفسكم وبدعوتكم تُرى، ما آخر طريق التشكيك بغير وعي في النفس والمنهج والثوابت؟! هل يأتي يوم نستغفر فيه الطغاةَ على ما عملناه؟! وننقض بأيدينا صرحا بنيناه بدافع النصح والتقويم؟! أيها الإخوان يجب أن ننأى عن جلد الذات وأن نتبرأ كذلك من تورم الذات، فكلاهما مذموم! فالأول يؤدي إلى الهزيمة النفسية ثم القعود بالكلية لا قدر الله، والثاني يؤدي إلى الانتصار للذات والاستعصاء على النصح والتصلب في الرأي و تبرير القصور والتذرع بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان؛ فكما لا ينبغي أن يدع المؤمن نفسه في مهب الريح فترفعه كلمة وتخفضه أخرى! لا ينبغي أن يستكبر ويستعصى على النصح والتوجيه فاحذروا الوقوع في كليهما فهما آفتان لا تليقان برجل العقيدة وحامل أعظم رسالة، فاللهم اصنعنا على عينك وأقمنا فيما يرضيك وعافيتك هي أوسع لنا.

رابعًا: أيها الإخوان، لستم فكرة نظرية تحت الاختبار أو حركة محدودة بقطر من الأقطار ،أنتم حقيقة ودعوة وحركة وبنيان مُشيَّدٌ في أقطار الأرض أخرج للدنيا رجالاً ونساءً تزدان بمثلهم أعناق الدعوات، ويزهو بهم جبين الزمان، سواء وهم في مقاعد السلطة وبأيديهم مقاليد الحكم، أو وهم في أقبية السجون وتكبِّل أيديهم أغلال الظالمين يدفعون عن الأمة ضريبة الجهر بكلمة الحق، والدنيا كلها تشهد أن شهداءنا والذين صبروا معهم علي المحن التي مرت بها الجماعة في مسيرتها خلال التسعين عاماً الماضية إعلاءً لكلمة الحق ظلوا ثابتين عليه رغم مانزل بهم من بلاء، لم يذهب صبرهم سدي فإن الحق هو الذي يبقي والباطل هو الذي يذهب جفاءً، ولو كانت أجيالنا السابقة قد وهنوا أو إستكانوا أو باعوا أو آثروا الحياة الدنيا وبرروا كما يبرر المبررون؛ ما إرتفع صوتٌ الآن يقول ( الله غايتنا) قولاً وعملاً ويصدق في الصدع به رجالٌ ونساءٌ يقول عنهم العلامة المجاهد الدكتور يوسف القرضاوي:


يا سيد الرسل طب نفسًا بطائفة                    باعوا إلى الله أرواحًا وأبدانا

قادوا السفين فما ضلوا ولا وقفوا                 وكيف لا وقد اختاروك ربَّانا؟!

أعطوا ضريبتهم للدين من دمهم                 والناس تزعم نصر الدين مجانا

أعطوا ضريبتهم صبرًا على محنٍ                    صاغت بلالاً وعمارًا وسلمانا

عاشوا على الحب أفواهًا وأفئدةً                 باتوا على البؤس والنعماء إخوانا

الله يعرفهم أنصار دعوته                        والناس تعرفهم للخير أعوانا

فاشكروا نعمة العافية.. وواصلوا سَيرهم وسدوا ثغورهم وتقدموا ولا تتأخروا عن حمل أعباء دعوتكم، فتلكم والله غاية المنى لأعدائكم إذ لم يستطيعوا تقييد الأجساد بالاعتقال أن يقيدوا الهمم بالأغلال، ويجعلوكم موجودين كمفقودين أو على الأقل يتملككم اليأس، و يكبلكم الفتور وإن استمريتم  بالسير في الطريق.  

خامساً: أيها الإخوان.. كنتم دائما حملة لواء الوسطية في زمن التطرف ولواء التجرد في زمن التخليط ولواء المبادرة والإقدام في زمن التراجع والإحجام ولواء البذل في زمن الشح والادعاء .. فدوموا على ما كنتم عليه وقدروا قيمة الأوقات فإنما هي الأعمار الغالية، وأشفقوا على من يتكلم كثيرا ويجادل انتصاراً لنفسه كثيراً، ولا يقدم لنفسه هو عملاً يبرئ به عنقه بين يدي الله عز وجل، رغم أن الأعمار لاتتسع لكل هذا التضييع والإهدار وفي ساحة العمل متسع للجميع والواجبات أكثر من الأوقات كما أوصانا الإمام؛ وإنكم اليوم بين مهاجرين في أرض الله الواسعة يبتغون فضلا من ربهم وينصرون الله ورسوله، ومقيمين في داخل بلادهم صابرين مرابطين.. وكلمتي إلى المهاجرين بالعمل دائما لخير البلاد التي انتقلوا إليها. وأن يبذروا فيها بذور الخير. وكلمتي إلى المرابطين في أوطانهم أن يواصلوا ثباتهم على الحق المر قابضين على الجمر في زمن الفتنة والمحنة وأن لا يغفلوا عن دعم إخوانهم خلف سجون الظالمين، وتفقد أحوال عائلاتهم، والدعاء لهم.

سادساً: أيها الإخوان إن الابتلاء في هذه الحياة عموما وفي طريق الدعوة خصوصا لم يجعله الله عز وجل عقوبة للمؤمنين ولا العافية مكافأة للظالمين أو القاعدين؛ فما علينا هو الاستقامة والثبات كما أمرنا الله عز وجل: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ سورة هود الآية 112 ثم يأتي النصر وتأتي البشريات بإذن الله عز وجل.

سأل رجل الإمام الشافعي رحمه الله فقال: يا أبا عبد الله، أيُّما أفضل للرجل: أن يمكن أو أن يبتلى؟ فقال الشافعي :- " لا يمكَّن حتى يبتلى ، فإن الله ابتلى نوحاً وإبراهيم  وموسى وعيسى ومحمداً، صلوات الله وسلامه عليهم، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة".

سابعاً: أيها الإخوان، كلنا مسئولون عن الدعوة، ولما كان الكثيرون يحسنون لعن الظلام والقليلون يحسنون إضاءة الأنوار فكونوا من أهل الأنوار قوما عمليين كما كنتم دائماً:

جدد العهد وجنبني الكلام              إنما الإسلام دين العاملين

وانشر الحق ولا تخش الطغاة         فبصدق العهد يعلو كل دين

  1. بالاعتزاز وتجديد العهد على حمل المشروع الحضاري الإسلامي بأصالته وواقعيته.
  2. بالتجرد للفكرة وحمايتها من الانحراف أو التميع أو المساومة مع الترحيب بالنصح والتزام أدب الاختلاف.
  3. بالاستفادة القصوى من الأوقات وإعلاء شأن العمل والانخراط فيه بجدية والإعراض عن الفارغين والمثبطين.
  4. بحسن الاستجابة للتكاليف الدعوية والتنافس والإبداع فيها.
  5. بالتسابق في احتواء الاشبال والشباب ومواجهة استهدافهم الماكر بالتشكيك والإفساد.
  6. بالمحافظة على الصف ربانيا مترابطا واعيا منضبطا قيميا مؤثرا.
  7. أخيراً بإطلاق طاقاتكم الفردية في بناء ذواتكم واستكمال مهاراتكم والتجهز لوقت قريب تحتاجكم فيه الأمة للمشاركة في إنهاضها من كبواتها ، وعماد ذلك كله إحسان صلتكم بربكم الكريم خاصة في هذه الأيام المباركات ونحن في شهر شعبان الذي يغفل عنه كثير من الناس وفيه ترفع (الأعمال) وبين يدي شهر رمضان المبارك فأروا الله من أنفسكم خيراً.

" والله معكم ولن يتركم أعمالكم"  (محمد:35) .

والله أكبر ولله الحمد

أخوكم 

إبراهيم منير 

نائب المرشد العام لجماعة "الإخوان المسلمون" والقائم بالأعمال

الجمعة 8 شعبان 1443 هـ ؛ الموافق 11 مارس 2022 مـ