التاريخ : السبت 07 مارس 2026 . القسم : الأخبار
حوار الدكتور حلمي الجزار عضو مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين مع “ميدل إيست آي” البريطانية
أجرت ميدل إيست آي (Middle East Eye) البريطانية حوارا مع الدكتور حلمي الجزار، عضو مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين، تحدث فيه باللغة العربية، ضمن برنامج Unapologetic (بلا اعتذار) الذي يقدمه الإعلامي أشراق كريم (Ashraaq Carim)، ونُشر في 2 مارس الجاري. وتناول الحوار مستقبل الجماعة بعد أكثر من عقد على إقصائها من الحكم في مصر، والجدل المتجدد حول تصنيفها كمنظمة “إرهابية”، إلى جانب موقعها في التحولات السياسية التي تشهدها المنطقة.
الحوار الكامل باللغة العربية:
وقال الجزار خلال المقابلة إن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب هو قرار سياسي وليس قضائيا، متطرقا إلى تجربة الجماعة في العمل السياسي والاجتماعي في مصر، وتداعيات الانقلاب العسكري عام 2013. كما ناقش الحوار مستقبل الجماعة بعد سنوات السجون والمنفى، وإمكان الحوار مع النظام المصري والقوى السياسية المختلفة، إضافة إلى موقفها من
التحولات الإقليمية والعلاقة مع دول مثل الإمارات والسعودية. وتناول الحديث أيضا تداعيات الحرب على غزة، وعلاقة الإخوان بحركة حماس، إلى جانب رؤيتها لقضايا الديمقراطية والتحالفات السياسية ومشاركة المرأة داخل مؤسسات الجماعة.
إليكم النص الكامل للحوار:
ميدل إيست آي: أهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج "UNAPOLOGETIC" (بلا اعتذار) على يوتيوب. معكم أشفق كريم، مقدم البرنامج، وأتحدث إليكم اليوم من إسطنبول، مع د. حلمي الجزار. د. حلمي، أهلاً بك في البرنامج.
د. حلمي الجزار: أشكركم على هذه الاستضافة وأنا سعيد بلقائكم في ميدل إيست آي.
ميدل إيست آي: الدكتور حلمي الجزار هو أحد كبار أعضاء مجلس شورى الإخوان المسلمين ونتحدث إليه اليوم لأسباب عديدة، أعتقد أنه قد مر اثنا عشر عاماً منذ الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين من السلطة في مصر، بقيادة الرئيس مرسي، الذي كان رأس السلطة في البلاد آنذاك، ولكن أيضاً في الآونة الأخيرة برزت الجماعة إلى دائرة الضوء لأن الرئيس دونالد ترامب صنفها رسمياً كمنظمة إرهابية، وكان قد تم تصنيفها بالفعل بهذا الشكل من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة ومن قِبل الجنرال عبد الفتاح السيسي نفسه في مصر.. د. حلمي دعنا نبدأ بهذا السؤال أولاً: هل أنت إرهابي؟
د. حلمي الجزار: بالطبع لا. أحب في البداية أن أقدم نفسي أولاً حتى يستطيع الناس أن يحكموا بأنفسهم هل أنا إرهابي أم لا؟ أنا رجل طبيب تعلمت في كلية الطب للحفاظ على حياة الناس، هذه مهنتي في الحياة، والتحقت بالعمل السياسي والاجتماعي كي أخدم الناس؛ ومن يخدم الناس ويحافظ على حياتهم هو بالضرورة ليس إرهابياً.
ميدل إيست آي: ماذا تعتقد بخصوص جماعة الإخوان المسلمين، أقصد، كما أفهم أنه على مدى مائة عام تقريباً حتى الآن تعمل ولها ارتباطات بالعديد من المنظمات وهناك الكثير من الناس الذين ينتمون إليها فكرياً وأيديولوجياً عبر المنطقة، فكونك أحد الإخوان المسلمين ماذا ترى في قرار تصنيفها عن طريق الولايات المتحدة كجماعة إرهابية؟
د. حلمي الجزار: هذا القرار الذي صدر عن الإدارة الأمريكية هو قرار سياسي وليس قراراً قضائياً، وهذا القرار السياسي خضع لضغوط خارجية وبالضرورة ليس في مصلحة أمريكا، هو استجابة لضغوط من إسرائيل ومن بعض الدول الديكتاتورية الموجودة في منطقة الشرق الأوسط.
ميدل إيست آي: لماذا تعتقد أن هذا يحدث الآن؟ وما هي الدول الدكتاتورية في المنطقة التي لها مصلحة وتضغط من أجل ذلك؟
د. حلمي الجزار: هناك حكومات تعتبر نفسها في خطر من أي حركة اجتماعية متجذرة في الدول العربية، أو أي حركة سياسية تعتبرها منافساً لها، وهي لا تريد هذه الحكومات الدكتاتورية المتواجدة في كافة منطقة أو دول الشرق الأوسط تعتبر أي حركة اجتماعية أو حركة سياسية لها جذور تاريخية وجذور إسلامية وجذور شعبية هي بالضرورة منافس لها، وبالتالي هي لا تريد أن تدخل معها في منافسة حقيقية، ولذلك تتهمها بالإرهاب حتى تقطع الطريق عليها لممارسة العمل السياسي والعمل الاجتماعي.
ميدل إيست آي: في السنوات الثلاث عشرة الماضية، حيث مضت ثلاث عشرة سنة منذ إزاحة الرئيس محمد مرسي من السلطة. ومرسي نفسه مات في السجن؛ وآلاف من أفراد الإخوان المسلمين زُجّ بهم في السجون المصرية، وتكبدت المنظمات والأحزاب السياسية ذات الجذور في جماعة الإخوان خسائر فادحة عبر المنطقة. أولاً، كيف استطعتَ النجاة، فأنت تعيش الآن في إسطنبول ولم تتواجد في مصر منذ مدة طويلة؟ وكيف استطاعت المنظمة الحفاظ على تماسكها ووحدتها؟
د. حلمي الجزار: دعني أتحدث أولاً عن كيف أصبح الرئيس مرسي رئيساً لجمهورية مصر العربية. لقد جاء مرسي رحمه الله عليه رئيساً لمصر عبر انتخابات لم تشهد مصر مثلها أبداً. هذه الانتخابات تنافس فيها أكثر من 13 مرشحاً وتمت على مرحلتين، لم يأخذ أي مرشح الأغلبية في المرحلة الأولى. تنافس الدكتور مرسي مع الفريق أحمد شفيق في المرحلة الثانية وفاز الدكتور مرسي بأغلبية الأصوات. إذاً مرسي جاء إلى رئاسة مصر العربية عن طريق الانتخابات الوحيدة الحرة النزيهة التي تمت في مصر خلال العقود الماضية. هذا أريد أن أضيفه: الذي يصل إلى الحكم عن طريق الصناديق الانتخابية لا يمكن بحال أن يوصف بأنه إرهابي؛ الإرهابيون معروفون ومعروف سلوكهم الإرهابي، يقتلون المدنيين، الإرهابي يخرج عن القانون. أما الدكتور مرسي وحزب الدكتور مرسي دخلوا الانتخابات تحت المظلة القانونية المصرية، فكيف أتهم بأنه وحزبه أو جماعته إرهابيون؟ هذا من حيث المنطق والعقل.
وإذا تحدثنا عن الإخوان المسلمين كحركة في مصر نجدها تأسست منذ حوالي 100 عام، بدأت حركة اجتماعية إصلاحية شاملة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وتحت القانون المصري، وفكرت الجماعة عبر مرشدها آنذاك الإمام حسن البنا أن تشارك في الانتخابات النيابية، وكان هذا منذ زمن طويل. بدأت 1942 أول ترشح للإخوان المسلمين في مجلس النواب المصري، فاوض وقتها رئيس الحكومة مصطفى النحاس باشا، وكان من حزب الوفد الحاكم، فاوض الإمام حسن البنا على أن يتنازل عن الترشح. لماذا؟ الإنجليز الذين كانوا يحتلون مصر ضغطوا على رئيس الحكومة مصطفى النحاس باشا، ففاوض حسن البنا على أن يسحب ترشيحه فسحب ترشيحه، في مقابل ماذا؟ في مقابل مساحة أوسع من العمل الدعوي، من العمل الاجتماعي الذي يفاوض الحكومة، والذي يعني يتنازل عن الترشح حتى يقوم بعمل اجتماعي وعمل دعوي. بالضرورة هو مسالم، ليس إرهابياً. واستمر هذا النهج، هذا الأسلوب استمر في التعامل الاجتماعي والسياسي. فتقدم الإخوان المسلمون في كافة الانتخابات التي سمح لهم بالدخول فيها. لم يحدث أي سماحية وقت عبد الناصر، ولكن كان الباب مفتوحاً أو كان مسموحاً لهم أن يشاركوا أيام الرئيس الراحل أنور السادات والرئيس الراحل حسني مبارك. لقد بدأوا باثنين فقط عضوين في البرلمان ثم زاد هذا العدد، أصبح ثمانية أعضاء. وهنا من اللافت للنظر أن الإخوان تحالفوا مع حزب الوفد مرة أخرى. في المرة الأولى كانت تفاهماً بين حزب الوفد وحسن البنا، مصطفى النحاس وحسن البنا. سنة 1984 حدث نوع من التحالف بين حزب الوفد والإخوان المسلمين، ودخلوا الانتخابات معاً وحصلوا على حوالي 59 مقعداً داخل مجلس الشعب، وكان نصيب الإخوان منهم ثمانية فقط. ثم زاد هذا الأمر مع حزب العمل وحزب الأحرار سنة 1987 وحصل الإخوان وقتها على 36 عضو. إذاً الجماعة التي تشارك في العمل السياسي لا يمكن وصفها أبداً بأنها إرهابية.
وفي مناسبتين أخريين دخل الإخوان المسلمون سنة 2000، دخلوا البرلمان بـ 17 عضواً تحت عنوان المستقلون، ثم دخلوا سنة 2005 مرة أخرى، وكان هذه القمة التي وصلوا إليها من حيث العدد 88 عضواً في البرلمان، أي استحوذوا وقتها على 20% من أعضاء مجلس الشعب. وبعد ثورة يناير 2011 أسس الإخوان المسلمون حزباً سياسياً اسمه حزب الحرية والعدالة، دخلوا به الانتخابات في تحالف مع 11 حزباً وفاز هذا التحالف بالأكثرية في البرلمان، ليست الأغلبية، الأكثرية معناها أنهم أكبر كتلة برلمانية حوالي 234 عضواً تحت عنوان حزب الحرية والعدالة. كل هذا التاريخ السياسي، ويضاف له أمور أخرى سوف أقولها بعد حين، كل هذا التاريخ السياسي يشهد أن الإخوان المسلمين كانوا يعملون وفق القانون ولا يمكن أبداً وصفهم بالإرهاب.
وقد تحدثت عن الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها الدكتور مرسي، وكان هذا كله، أقصد العمل السياسي، نتيجة وجود واسع، نتيجة العمل الاجتماعي في المجتمع المصري. وأنا واثق جداً، كما أجلس معك واثق أنني أتحدث، واثق أنه لو أتيحت الفرصة مرة أخرى وكانت هناك حرية وانتخابات حرة نزيهة لالتف الشعب المصري مرة أخرى حول الإخوان المسلمين. هل الإدارة الأمريكية وعلى رأسها مستر ترامب هل يعلمون هذه الحقائق أم لا يعلمون؟ بالتأكيد يعلمون. هل المخابرات الأمريكية تعرف هذه الأمور؟ يقيناً نعم تعرف هذه الأمور يقيناً. هل بعض أعضاء السفارة الأمريكية حينما كانوا في مصر درسوا المجتمع المصري وعرفوا مكانة الإخوان المسلمين في مصر؟ نعم، أعضاء السفارة الأمريكية يعلمون ذلك. لذلك كان العجب كل العجب أن تأخذ الإدارة الأمريكية هذا الاتجاه وتستجيب لضغوط خارجية لكي ترضي الإمارات، ترضي نظام السيسي في مصر، ترضي إسرائيل. هذا أمر عجيب جداً أن كل الوقائع، والتي يعلمها الأمريكان، تقول إن الإخوان المسلمين حركة سياسية اجتماعية بعيدة تماماً عن العنف.
ولماذا أقول إن هذا التصنيف ليس في مصلحة أمريكا؟ سوف يرى المسلمون داخل أمريكا أن هذا نوع من التحيز ضد المسلمين وسوف يخافون من الإسلاموفوبيا، وسوف ينظر المسلمون الأمريكيون أنفسهم إلى هذا القرار أنه قرار معيب، ليس قانونياً، وبهذا يكون داخل المجتمع الأمريكي، الذي هو مجتمع التنوع ومجتمع يحتضن الجميع، سوف ينظر طائفة من الشعب الأمريكي إلى هذا القرار أنه قرار خاطئ. فهذا، ولذلك هو ضد السلم المجتمعي داخل أمريكا. وأيضاً الرئيس ترامب كان يقول: Make America Great Again (MAGA)، ولكن هل تكون أمريكا عظيمة مرة أخرى بأن تسلك طريق الظلم؟ هذا طريق غير عادل لأنها تعلم يقيناً أن الإخوان المسلمين ليسوا إرهابيين ومع ذلك اتخذت القرار الخطأ.
ميدل إيست آي: لم تتطرق بعد إلى سؤالي، وهو كيف استطعتم، كمنظمة، الحفاظ على تماسككم طوال السنوات الثلاث عشرة الماضية؟ وقد ذكرتم في ثنايا حديثكم من قبل أنه لو خاضت جماعة الإخوان المسلمين الانتخابات اليوم، لفازت بها. لكن ملايين الناس خرجوا إلى الشوارع للاحتجاج على جماعة الإخوان قبيل الانقلاب، كانوا مستائين من مرسي لما فعله بالدستور، الذي شاركتم في صياغته. وأنا متأكد تماماً أن المصريين ليسوا راضين عن السيسي على الإطلاق، فالاقتصاد المصري قد تدهور بشدة، وبالطبع كان للسيسي دور كبير في ذلك. لكن كيف لكم أن تعرفوا ذلك؟ لماذا أنتم واثقون جداً من فوزكم في الانتخابات مجدداً، مع العلم أن ملايين الناس خرجوا محتجين ضد الإخوان، تماماً كما خرج الكثيرون من قبل للاحتجاج ضد مبارك؟
د. حلمي الجزار: أنا على هذه الثقة لأن الحركات الاجتماعية لا يمكن خلعها من المجتمع. نحن حركة اجتماعية اتصلت بالمجتمع المصري وعشنا معهم عقوداً من الزمان، عشرات من السنين، فالشعب المصري يعرفنا، وأنا كنت أعمل في مستشفى كبير وزملائي يعرفونني، وأقول مثل ذلك على كافة أعضاء الإخوان المسلمين، كانوا منتشرين، والشعب يعرفهم، والمجتمع يعرفهم. هذه هي النقطة الأساسية في ثقتي في أن الإخوان المسلمين معروفون لدى الشعب المصري.
ميدل إيست آي: سنتناول هذا الموضوع بمزيد من التفصيل لاحقاً. كيف تمكنتم كمنظمة من البقاء خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية، في ظل اضطراركم للذهاب إلى المنفى في بلدان مختلفة، كيف استطعتم الحفاظ على تماسككم؟
د. حلمي الجزار: الإخوان المسلمون الآن ثلاثة أصناف: صنف داخل السجن، وهم عشرات الآلاف، وهؤلاء هم المظلومون الذين أُخذوا داخل السجن في خلاف سياسي، وما كان يجب أبداً أن أي خلاف سياسي يصل به إلى السجن؛ الخلاف السياسي إما أن تكون داخل البرلمان أو خارج البرلمان بأصوات الناس، وليس برأي الحاكم الذي يرى معارضيه أن مكانهم أن يكون السجن. هذا نوع من الإخوان المسلمين.
صنف آخر داخل مصر لكنه لا يظهر نفسه؛ أنه يخشى من بطش الحكومة الحالية. موجودون في مصر، كم عددهم؟ أين هم؟ أنا لا أدري لأني خرجت من مصر سنة 2015.
الجزء الثالث هم المتواجدون خارج مصر في بلاد كثيرة، منها تركيا، منها بلاد عربية كثيرة، وهؤلاء بالضرورة لا بد أن يتجمعوا مرة أخرى وأن يمارسوا أنشطتهم الإسلامية لأنهم أناس متدينون يحبون الإسلام ويحبون المجتمعات التي يعيشون فيها. وعلى ذلك نحن حافظنا على تواجدنا لأننا مرتبطون بديننا ولا بد أن نجتمع: إنما المؤمنون إخوة، ومرتبطون بالمجتمع الذي نعيش فيه لأننا نعمل لمصلحة المجتمع. الله سبحانه وتعالى ينادي البشرية كلها: وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، فنحن نتعارف على المجتمع الذي نعيش فيه ونمارس دورنا الذي يأمرنا به الإسلام والدين.
ميدل إيست آي: أريد أن أبدأ الحديث عن مستقبل الحركة وكيف ترى نفسها، وعن إعادة ترسيخ مكانتها كحركة مؤثرة، خاصةً وأنكم ممنوعون حالياً، وهذا ما يحول بينكم وبين الترشح للانتخابات أو التواجد الرسمي في مصر. أريد أن أتحدث عن السياسات وغيرها، ولكن قبل ذلك، أود الإشارة إلى نقطة مهمة في الشرق الأوسط. فدولة الإمارات العربية المتحدة على خلاف شبه علني مع المملكة العربية السعودية في السودان وفي اليمن، وهناك حرب باردة إلى حد كبير بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. ولطالما كانت كل من الإمارات والسعودية خصمين لكم، ولكن الآن، وبعد أن ذكرتم أن الإمارات العربية المتحدة هي من حرّضت، إلى جانب "إسرائيل" ودول أخرى، عليكم الولايات المتحدة لفرض هذا التصنيف بالإرهاب ضدكم، كيف ترون هذا التغيير في الشرق الأوسط؟ وكيف ترون تأثيره على جماعة الإخوان؟
د. حلمي الجزار: أريد أن أتحدث عن الإمارات العربية المتحدة كشعب. نحن نحب الشعب داخل هذه الدولة كما نحب كافة الشعوب في البلاد العربية والإسلامية، بل في كل أنحاء العالم. لكن نحن نعارض السلوك الذي تقوم به الحكومة هناك. لسنا وحدنا الذين ننتقد ذلك. خلال الفترة الماضية الحكومة السعودية انتقدت ذلك بل وهاجمت بعض القوات العسكرية أو الإمدادات العسكرية من الإمارات العربية إلى اليمن، ومصر أيضاً تقف ضد دعم الإمارات للمتمردين في السودان. وبالتالي سلوك الإمارات لسنا وحدنا الذين نرفضه، بل هو مرفوض من السعودية، من مصر، ومن كثير من البلاد العربية والشعوب العربية.
ولكن لماذا تتصرف حكومة الإمارات هذه التصرفات؟ ببساطة لأنها تتبع الأجندة الإسرائيلية، وحكومة الإمارات ترى أن التطبيع مع إسرائيل هو الأمثل وهو الأحسن. وهنا أريد أن أقول إن التطبيع معناه أن يعود الأمر إلى طبيعته، وأن يعود الأمر إلى طبيعته أن يأخذ كل ذي حق حقه. فأين حق الشعب الفلسطيني؟ أين دولة الفلسطينيين؟ من يساند الفلسطينيين؟ إذاً هذا هو التطبيق الحقيقي: أن يعود الأمر إلى طبيعته. ولذلك كانت القضية الفلسطينية خلال العامين الماضيين واضحة في العالم كله؛ في أمريكا تظاهر الطلاب بل وغير الطلاب مئات الآلاف، وفي لندن وفي بروكسل وفي الدول الأوروبية وفي بلاد العالم أن انتصروا للشيء الطبيعي. ما هو الشيء الطبيعي؟ أن يأخذ الشعب الفلسطيني حقه في العيش بسلام. لكن يبدو أن الإمارات ترى أن هذا الحق فقط لإسرائيل وليس للفلسطينيين.
وهنا أريد أن أذكر حكومة الإمارات وغيرها: المحكمة الجنائية الدولية تطلب لكي تحاكمه أنه مجرم حرب؛ أنها تطلب نتنياهو ووزير دفاعه السابق. ولذلك كان من المتوقع أو من المنطقي أن يوصف هو بالإرهاب وأن تصفه الولايات المتحدة وغير الولايات المتحدة أنه هو الإرهابي. إذا أردنا الدقة، الإرهابي الحقيقي في منطقة الشرق الأوسط هي حكومة إسرائيل وعلى رأسها نتنياهو. وهذا ليس كلامي فقط؛ اسمع إلى السياسيين الكبار ورؤساء بعض الدول المحترمة، لقد وصفوا عمل الحكومة الإسرائيلية أنه إبادة جماعية. ما الذي دفع حكومة جنوب أفريقيا أن تذهب إلى محكمة العدل الدولية؟ هو هذا التصرف. إذا أمريكا وحدها ترى ذلك، وأنا أقول أمريكا ترى ذلك بعيون إسرائيلية وليست بعيون أمريكية. العيون الأمريكية كانت هي عيون الشعب الأمريكي الذي تظاهر، هي عيون الطلبة في الجامعات الذين تظاهروا. هذه هي العيون الحقيقية، أما عيون الإدارة الأمريكية رأت من خلف النظارة الإسرائيلية للأسف الشديد.
ميدل إيست آي: أقصد تحديداً فيما يتعلق بالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، كيف ترى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان؟ أعني، أنه قد مرّت سنوات عديدة وهو يدير المملكة العربية السعودية فعلياً. لقد تغيّر كثيراً، في رأيي، عن ذلك الشخص الذي كان يُقطّع إرباً، إرباً، أو على الأقل، من شعبه، أو هو الرجل الذي يُقال إنه المسؤول عن تقطيع جمال خاشقجي إرباً. كيف ترى الوضع في ظل هذه اللعبة بين البلدين، الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، ونظراً لتزايد نفوذ الأخيرة، وتحولها إلى دولة أكثر استقراراً وثراءً، مع أنه بخصوص الاستقرار فإنه أمر قابل للنقاش، إلا أنها على الأقل دولة كبيرة وغنية ذات نفوذ. كيف ترى تطور العلاقة بين الإخوان المسلمين وبين الأمير محمد بن سلمان؟ بالطبع، لا توجد بينكما علاقة رسمية، هل ترغبون في إقامة علاقة رسمية من هذا القبيل؟
د. حلمي الجزار: موقف المملكة العربية السعودية تجاه الإخوان المسلمين أيضاً موقف يحتاج إلى تفصيل. لقد تم ذلك في عهد الملك السابق عبد الله حينما كان مؤيداً للسيسي ووصف الإخوان المسلمين وقتها، إرضاءً للسيسي، أن الإخوان المسلمين إرهابيون. لم يكن هذا هو قرار المملكة المستقل، لأن الإخوان المسلمين، الإخوان المصريين عاشوا داخل المملكة العربية السعودية وعملوا فيها وخدموا أنفسهم طبعاً والشعب السعودي معهم، ولم يكن هناك أي مشكلة، ولم يصدر من أي عضو من الإخوان المسلمين أي خطر، أي عنف، أي إرهاب، لا ضد السعودية ولا غير السعودية. ولذلك كان أمراً مستغرباً أن تصف المملكة العربية السعودية الإخوان أنهم إرهابيون. لم يكن ذلك ليكون إلا إرضاءً للسيسي. هذه واحدة.
الأمر الثاني: الحكومات الملكية بشكل عام لا تقيم وزناً للديمقراطية. لا تحدث الديمقراطية داخل بلادها، لا يوجد أحزاب، ومن ثم هم يرون أي حركة اجتماعية أو سياسية خطراً على النظام الملكي. وهنا أحب أن أوضح أن الإخوان المسلمين ليسوا ضد أي نظام طالما هذا النظام يختاره الشعب ويرضاه. لسنا ضد أي نظام طالما هو يعمل لمصلحة شعبه، ونريد أن نوضح هذه الحقيقة للمملكة العربية السعودية ولغيرها، وأرجو أن يستمعوا منا ولا يستمعوا عنا من خصومنا. هم استمعوا من السيسي ولم يستمعوا منا.
نحن حريصون على أمن كافة الدول العربية، وطالما الشعب في أي بلد يرضى عن نظام حكمه هذا أمر داخلي يخص هذا البلد ويخص هذا الشعب. وأحب هنا أن أشير إلى أن الدكتور صلاح عبد الحق القائم بأعمال المرشد العام قد وجه خطاباً ونشره، هذا الخطاب كان موجهاً للملك سلمان ولولي عهده محمد بن سلمان، يشكرهم على أداء المملكة العربية السعودية في مواسم الحج. هذا موقف واضح، يعني يوضح أنه لا عداء بين الإخوان المسلمين وبين المملكة العربية السعودية.
ميدل إيست آي: ذكرتَ سابقاً الأفعال التي ارتكبتها إسرائيل خلال العامين الماضيين، أو بالأحرى عامين وخمسة أشهر تقريباً، وكيف تحوّل الأمر إلى حرب إبادة، بل كان له أثر مدمر للغاية. في الواقع، لديّ سؤالان: أولهما، كيف أثّرت هذه الإبادة على الإخوان المسلمين بشكل عام، وعلى مكانتكم في المنطقة؟ برأيك، إلى أي حد تمكنتم من تفعيل هذا الوضع لإعطاء الإخوان المسلمين دوراً بارزاً، من حيث دعمهم للكثير من الحراك المؤيد للفلسطينيين؟ أما السؤال الثاني، فهو يتعلق بـ "إسرائيل"، وتحديداً ما يخص أحداث السابع من أكتوبر، حيث يُقال في أغلب الأحيان إن الإخوان المسلمين كانت مصدر إلهام لحركة حماس فيما قامت به، فما هو ردّكم على ذلك؟
د. حلمي الجزار: حرب الإبادة التي تمت في غزة كان عائدها الإيجابي على الفلسطينيين أنفسهم، ولا يجوز لأي مجموعة أو لأي دولة أن تستثمر هذا الحدث المأساوي في الشعب الفلسطيني، لكن الذي يجب أن يأخذ الفائدة منه هو الشعب الفلسطيني نفسه. يجب أن يتعاطف معه العالم، وقد حدث، وتعاطف العالم كله مع الشعب الفلسطيني الذي يريد الآن أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه. كل العالم حوالي أكثر من 70 80% من أعضاء الأمم المتحدة مع الحق الفلسطيني. أنا لا أتذكر العدد تماماً لكن في آخر تصويت في الجمعية العمومية أخذوا أغلبية كاسحة. إذاً استثمار ما حدث في غزة يجب أن يعود على الفلسطينيين أنفسهم ولا يجوز لأحد أبداً، لا الإخوان المسلمين ولا غير الإخوان المسلمين، أن يستثمر هذا الحدث في مصلحته. هذه إجابة على السؤال الأول.
السؤال الثاني: كثيرون يحاولون أن يربطوا بين الإخوان المسلمين وبين حماس، وهنا أوضح بجلاء: الأفكار الإسلامية عابرة للحدود بطبيعتها، كأي دين؛ المسيحية، الإسلام، اليهودية، هي أفكار أو دعوات عابرة للحدود. فكون أي مجموعة في أي بلد تأخذ هذه الفكرة أو تتبناها ليس معنى ذلك أنها مرتبطة تنظيمياً بمجموعة أخرى في بلد أخرى. وقد أعلنت حماس بوضوح أنها جماعة مستقلة ليس لها ارتباط بالإخوان المسلمين، قالت هذا صراحة 2017 في وثيقة واضحة. وبالتالي مناصرتنا للشعب الفلسطيني لأنه صاحب حق، أما حماس فهي جزء من الشعب الفلسطيني تأخذ أفكارها من الإسلام وليس من عند الإخوان المسلمين، تجاهد لأجل مصلحة الشعب الفلسطيني وليس لأجل الإخوان المسلمين. هي جماعة مستقلة في قرارها، لا يتدخل الإخوان المسلمون في عملها.
الإخوان المسلمون جماعة غير مركزية، لا تتبنى العنف، ليست مسؤولة عن 7 أكتوبر. المسؤول عن 7 أكتوبر وما حدث فيه هم الفلسطينيون أنفسهم لأنهم يرون أنفسهم تحت الاحتلال، والقانون الدولي يعطي أي دولة تحت الاحتلال أن تقاوم وبكل وسائل مقاومة. هذا حق لكل الشعوب. وبالتالي الفلسطينيون قاوموا لأنهم تحت الاحتلال، وهذا أمر يخصهم. والإخوان المسلمون يرون ذلك حقاً لأنه نابع من القانون الدولي.
7 أكتوبر لم تكن أول فصل في الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كان هذا أحد الفصول، بدأت منذ أكثر من 75 سنة، وهناك الظلم الواقع لفلسطينيين. وأنا قلت إن أي دولة تحت الاحتلال لا بد أن تقاوم وفق القانون الدولي. القانون الدولي يعطي الشعوب المحتلة هذا الحق، وبالتالي الفلسطينيون حينما قاموا بأعمالهم في المقاومة سواء في ثورة الحجارة أو في 7 أكتوبر وفي غيرها هم المسؤولون عن ذلك. لماذا؟ لأنهم أصحاب حق، والقانون الدولي يعطيهم هذا الحق.
ميدل إيست آي: لنبدأ الحديث عن السيسي، وبالعودة أيضاً للوراء إلى احتجاجات يونيو 2013 ضد الرئيس مرسي، ما هي برأيك الأسباب الكامنة وراء هذه الاحتجاجات؟
د. حلمي الجزار: حينما وصل الدكتور مرسي إلى رئاسة الجمهورية وصل بنسبة 51.7% 0.7%، ماذا يعني؟ أن حوالي 48% أو أكثر قليلاً لم يكونوا موافقين عليه، فيوجد معارضة. المعارضة تأخذ أشكالاً متعددة: أن تكون سلمياً في مظاهراتك، هذه معارضة؛ أن تطالب بطلبات مكتوبة، هذه معارضة؛ أن تدخل البرلمان، هذه معارضة. كل هذا أمر مقبول. لكن أن يتدخل الجيش فينصر مجموعة ضد مجموعة أخرى؛ لأن المتظاهرين في مصر في 2013 لم يكونوا جميعاً ضد مرسي، بل كانت هناك مظاهرات، وأقول إنها كانت أكثر عدداً من المعارضين، تؤيد مرسي أيضاً. إذاً حينما يكون هذا الأمر بشكل سلمي، هؤلاء معارضون يتظاهرون وهؤلاء معارضون يؤيدون، لا بأس في ذلك. لكن أن يتدخل الجيش فينصر مجموعة على أخرى، هذا هو الخلل.
لذلك أقول إن وزير الدفاع وقتها، الذي انحاز إلى مجموعة وترك المجموعة الأخرى، قد انقلب على ثورة يناير بكل مكوناتها، ببرلمانها ورئيسها ومبادئها. وهذا واضح كلي حينما ننظر إلى مصر الآن: الديمقراطية متراجعة في مصر بشكل واضح، الرأي والرأي الآخر غير مسموح، العمل الحر، الحرية في الصحافة غير موجودة، حرية الأحزاب منقوصة جداً وغير موجودة، البرلمان ليس ساحة للمعارضين والمؤيدين بل هو فقط لمؤيدي النظام. إذاً ما حدث هو أن الجيش قد انحاز إلى مجموعة ضد الأخرى.
وأريد أن أوضح هنا: من اختار السيسي وزيراً للدفاع؟ إنه الدكتور مرسي. ليس هذا فقط بل رقاه ترقية استثنائية، بمعنى أنه أخذ رتبتين مرة واحدة. هذا يفهمه أهل الجيش. إذا كان يجب على أي وزير أخذ هذه الترقية وتم اختيارهم من رئيس الجمهورية وأقسم اليمين على الحفاظ على النظام الجمهوري أن يتبع رئيسه، لكن الذي حدث كان عكس المتوقع، ولذلك حدث ما حدث.
هو كان الثلاثية في هذا الذي حدث في مصر: جزء داخلي، جزء إقليمي، وجزء دولي. أما الجزء الداخلي فهو أن بعض القوى التي سمت نفسها قوى مدنية ديمقراطية تصورت أنها إذا انقلبت على مرسي سوف يؤول الأمر إليها، وخسرت هذا الرهان، وبدل أن تكون هي بديل مرسي جاء الجيش وسيطر هو على الأمور. فهؤلاء أخذوا دعماً من بعض القوى الإقليمية التي أقول إنها دول ليس فيها ديمقراطية وتخشى من الحركات الاجتماعية السياسية الديمقراطية، فوقفت ضد الإخوان المسلمين وضد الدكتور مرسي. وعالمياً أيضاً المشروع الإسلامي يواجه ضغوطاً شديدة من المشروع الصهيوني ومؤيده. وبالتالي كانت هذه الثلاثية جميعاً ضد الدكتور مرسي.
كان يجب أن نكون في مصر على وعي بهذه الثلاثية ونتعامل بشكل مغاير عما حدث. التصرف الأمثل وقتها، والذي لم يحدث، كان يجب أن يحدث توافق داخلي: الإخوان المسلمون مع غيرهم من القوى المتواجدة داخل مصر يجلسون ويتحاورون ويتنازل كل منهم عن شيء ما للوصول إلى توافق. هذا التوافق كان يمنع التدخلات الإقليمية والتداخلات الخارجية، لكن للأسف هذا التوافق لم يتم، فخسر الجميع وجاء الجيش إلى السلطة.
والجيش المصري بالمناسبة نحن نحترم قواتنا المسلحة ولكن في وظيفتها. القوات المسلحة في أي دولة موجودة لحماية الوطن والحفاظ على حدوده. القوات المسلحة في أي بلد لا توجد لكي تحكم ولكن لكي تحمي. هذا لم يحدث في مصر. أود، ونحن نحترم جيشنا ونحترم مؤسساتنا كلها، أن تقوم كل مؤسسة بوظيفتها الحقيقية.
ميدل إيست آي: هل تعتقد أن هناك تدخلاً خارجياً؟ هل كان الإسرائيليون والإماراتيون والسعوديون أيضاً متورطين في الانقلاب؟
د. حلمي الجزار: هو كان هناك ثلاثية في هذا الذي حدث في مصر: جزء داخلي، جزء إقليمي، وجزء دولي. أما الجزء الداخلي فهو أن بعض القوى التي سمت نفسها قوى مدنية ديمقراطية تصورت أنها إذا انقلبت على مرسي سوف يؤول الأمر إليها، وخسرت هذا الرهان، وبدل أن تكون هي بديل مرسي جاء الجيش وسيطر هو على الأمور. فهؤلاء أخذوا دعماً من بعض القوى الإقليمية التي أقول إنها دول ليس فيها ديمقراطية وتخشى من الحركات الاجتماعية السياسية الديمقراطية، فوقفت ضد الإخوان المسلمين وضد الدكتور مرسي. وعالمياً أيضاً المشروع الإسلامي يواجه ضغوطاً شديدة من المشروع الصهيوني ومؤيده. وبالتالي كانت هذه الثلاثية جميعاً ضد الدكتور مرسي. كان يجب أن نكون في مصر على وعي بهذه الثلاثية ونتعامل بشكل مغاير عما حدث. التصرف الأمثل وقتها، والذي لم يحدث، كان يجب أن يحدث توافق داخلي: الإخوان المسلمون مع غيرهم من القوى المتواجدة داخل مصر يجلسون ويتحاورون ويتنازل كل منهم عن شيء ما للوصول إلى توافق. هذا التوافق كان يمنع التدخلات الإقليمية والتداخلات الخارجية، لكن للأسف هذا التوافق لم يتم، فخسر الجميع وجاء الجيش إلى السلطة، والجيش المصري بالمناسبة نحن نحترم قواتنا المسلحة ولكن في وظيفتها. القوات المسلحة في أي دولة موجودة لحماية الوطن والحفاظ على حدوده. القوات المسلحة في أي بلد لا توجد لكي تحكم ولكن لكي تحمي. هذا لم يحدث في مصر. أود، ونحن نحترم جيشنا ونحترم مؤسساتنا كلها، أن تقوم كل مؤسسة بوظيفتها الحقيقية.
ميدل إيست آي: لقد أقررتم بوجود تدخل أجنبي، وقلتم أيضاً في نفس الوقت إنكم تسعون الآن إلى حوار مفتوح مع الأمير محمد بن سلمان، فكيف تتعاملون مع هذا الموقف الذي أقررتم فيه بأن المملكة كان لها دور في وقوع الانقلاب في بلدكم ضد أول رئيس منتخب ديمقراطياً، وهو أمر كان بالغ الأهمية، والآن أنتم منفتحون على الحوار مع نفس الجهة إلى حد ما؟ أما الأمر الثاني، فقد ذكرتم أن جماعة الإخوان المسلمين كان ينبغي أن تكون أكثر انخراطاً مع بعض الأحزاب والأطراف في مصر، خاصة بعض الجهات التي تشعر بالتهميش. هل يمكنكم التحدث أكثر عن ذلك؟
د. حلمي الجزار: الحوار قيمة حضارية. الأستاذ حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين كان يقول: سأتحدث إلى الجميع واستمع إلى الجميع وأتعامل مع الجميع لأن هذا مبدأ إسلامي. الرسل بشكل عام كان هدفهم الحوار مع الآخرين، مع الناس، حتى يقنعوهم بالأديان. ومن ثم نحن نحترم الحوار؛ إنه قيمة حضارية وقيمة إنسانية وقيمة إسلامية أيضاً، حتى مع الذين ظلمونا. نعم، حتى مع الذين ظلمونا، حتى مع الذين ينظرون إلينا نظرة غير صحيحة. نعم، لأن الحوار هو الكفيل بتوضيح هذه الأمور كلها. ولذلك أنا أعلن وبوضوح أننا منفتحون على الحوار مع كافة القوى، وقد تفاجأ إذا قلت لك: ومنفتحون على الحوار مع أمريكا أيضاً التي تصنفنا كإرهابيين. وأنا أعلم أن هناك في القانون الأمريكي يحظر إذا صنف أحد إرهابي أن يحدث معه حوار، ولكن الإدارة الأمريكية حاورت حماس على مستويات عليا. نحن منفتحون على الحوار لتوضيح الحقيقة، وبعد توضيح الحقيقة يأخذ كل واحد قراره. لكن قبل الحوار، إذا أخذت قراراً قبل الحوار، قد يكون هذا القرار خاطئاً. لأنك لا... لست أنت، ولا أقصدك أنت، لكن الذي لم يسمع إلى الحوار يأخذ قراراً خطأ. لكن الذي يستمع للحوار ويحلل الحوار يأخذ القرار السليم بعد هذا الحوار.
وبالنسبة للقوى المصرية نحن طبعاً مستعدون جداً للحوار، ولكن نسمع في الإعلام المصري أحياناً: لا، لن نتحاور مع هؤلاء الذين قاتلوا الشعب المصري. وأنا أقول: نحن لم نوجه أي عنف للشعب المصري، بل كنا جزءاً من هذا الشعب المصري. في النقابات المهنية أنا كنت عضواً في نقابة الأطباء وقمنا بأعمال كثيرة الكل يعلمها، وفي نقابة المهندسين وفي نقابة التجاريين، وبعض أعضائنا كان في نقابة الصحفيين. اشتركنا في هذه النقابات كلها، وفي المجالس المحلية والمجالس النيابية، وخدمنا مثل الآخرين الشعب المصري. فمن يقول إننا قتلنا الشعب المصري هو يجافي الحقيقة. أما الحقيقة أننا جزء من هذا الشعب الذي نحبه. وهذه القوة الديمقراطية الموجودة في مصر الآن، سواء كانت مقيداً عليها أو لها حرية، نحن منفتحون على الحوار معها. والحوار ليس معناه أن تتبع فكرتي؛ الحوار: أقول وتقول ثم نحتكم إلى العقل وإلى المنطق. إذاً نحن نعم منفتحون، ولكن هناك حملة إعلامية شديدة: لا، لن نتحاور مع هؤلاء تحت عنوان لأن هؤلاء إرهابيون. هم أطلقوا كذبة صدقوها، روجوا لها في الإعلام وقالوا لن نتحاور معه. وأنا أقول: نحن من الشعب المصري، نحب الشعب المصري، نتعاون مع كل القوى الديمقراطية، مستعدون للحوار. هذان منطقان: منطق الذي يعرض الحوار ومنطق الذي يرفض الحوار. فأي الفريقين أهدى سبيلاً.
ميدل إيست آي: إذن، ما هي الجهود التي بذلتموها، وأعلم أنها صعبة للغاية، للدخول مع الجنرال السيسي في حوار؟ وما هي استراتيجية منظمتكم في التعامل معه؟ هل ستعتمدون على المعارضة بشكل دائم؟ هل ترى مستقبلاً قد تفكروا فيه بتقديم بعض التنازلات، ربما تدخلون معه في نوع من التحالف مثلاً حتى يتم إلغاء حل منظمتكم، وبذلك تعودون للعمل مرة أخرى؟ إذن ما هي استراتيجيتكم، وليس فقط الدخول في حوار، ما هي استراتيجيتكم كمنظمة عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع السيسي؟
د. حلمي الجزار: حينما أقول نحاور الجميع أنا لا أستثني أحداً من الحوار. لماذا؟ لأن الحوار كما قلت نصل به إلى الحقيقة. ما هي الحقائق الآن؟ الحقائق الآن أن داخل السجن أناس أبرياء داخل السجن، أناس انتخبهم الشعب، 99 نائباً كانوا في البرلمان الآن داخل السجن. هناك طلبة حرموا من إكمال دراستهم، هناك آباء حرموا من أن يعيشوا مع أولادهم في الأسر. إذاً هؤلاء يحتاجون إلى حوار كي نرفع عنهم هذا الظلم.
إذاً الاستراتيجية الأساسية هي المصلحة. تسألني عن استراتيجية الإخوان المسلمين في أي حوار؟ أقول لك: مصلحة الوطن ومصلحة المواطن. مصلحة الوطن ألا يكون هناك مظلوم داخل هذا الوطن. مصلحة المواطن أن يحس أنه جزء من هذا الوطن وأن حقه يعود إليه. هذا يستحق الحوار، نعم، يستحق بعض التنازلات، نعم، لأن القيمة التي نسعى إليها هي مصلحة الوطن وأمن الوطن القومي.
هنا أريد أن أشير إلى شيء مهم: مصر تتعرض في حدودها الأربعة إلى تهديدات؛ في الجنوب هناك تهديد، في الشرق هناك تهديد، في الغرب هناك تهديد، وفي الشمال أيضاً هناك تهديد. هذا الوطن يحتاج إلى أن نحافظ على السلام الاجتماعي الداخلي، أن نحافظ على الأمن القومي. ولا يكون ذلك إلا بحوار داخلي. هناك تجارب كثيرة نسمع عن بلد مهم أو أصبح مهماً داخل أفريقيا اسمه رواندا. فهناك حرب أهلية داخل رواندا، الآن بلد مستقرة بلد مزدهرة رغم أنها صغيرة الحجم. لماذا حدث؟ حوار، ووصلوا إلى مصلحة الوطن. إذاً استراتيجيتنا هي المصلحة، وأول مصلحة نبحث عنها هي مصلحة مصر بلدنا جميعاً.
ميدل إيست آي: لقد ذكرتَ الآن أنكم مهتمٌّون بالدخول في حوارٍ من أجل الوصول إلى تحسين أوضاع المجتمع المصري بشكل عام. وهنا سيقول منتقدوك الذين يستمعون إلى ذلك الآن إنك لم تفعل ذلك بالضرورة عندما كنت في السلطة. كانت هناك تعديلات دستورية لاحتكار السلطة، أو بالأحرى محاولة احتكارها، من قبل جماعة الإخوان المسلمين. وهناك أيضاً ما قد يكون صحيحاً ضد الأحزاب الإسلامية في جميع أنحاء المنطقة، حتى في تركيا، حيث إن الفكرة التي يتم تداولها عموماً هي أن هذه الأحزاب الإسلامية تحاول احتكار السلطة بطريقة أو بأخرى. فكيف ستتعاملون مع هذا الأمر؟ هل أنتم مهتمون حقاً بالمجتمعات الحرة؟ وما رأيكم في ذلك؟
د. حلمي الجزار: بالنسبة للجزء الأول السؤال تقول إنها وتحت لنا فرصة حينما كنا في الحكم. الدكتور مرسي في آخر خطاب وجه خطابه بشكل مباشر للمعارضة بشكل مباشر وقال إنني على استعداد أن أذهب إلى المعارضة وأزورهم. هذا الدكتور مرسي وهو رئيس الجمهورية. ولكن المعارضة هي التي رفضت هذا الحوار وليس الدكتور مرسي. التعديلات الدستورية التي أُطلقت فعلاً وكان عليها انتقادات، عاد فيها الدكتور مرسي وألغاها. إذاً هو استجاب لرفض الآخرين، لكن الآخرون هم الذين رفضوه. كما قلت، هم رفضوا حتى الحوار. أحد رؤساء الأحزاب حينما ظهر الدكتور مرسي عاتبته الأحزاب الأخرى وقالت له: لماذا تحاور رئيس الجمهورية؟ إذاً الذي رفض الحوار ليس الدكتور مرسي ولكن هؤلاء هم الذين رفضوا الحوار.
أياً كان، نحن نتعلم من أخطاء الماضي. أنا لا أريد أن أقول فلان أخطأ أو الحزب أخطأ، لكني أقول إن كان هناك خطأ، هيا بنا نتعلم من هذا الخطأ ولا نكرر الخطأ مرة أخرى. هذا بالنسبة للحوار داخل مصر.
الدستور المصري حينما صدر في عهد الدكتور مرسي كان يحدد فترتين اثنتين للرئاسة، كل فترة أربع سنوات، يعني أقصى مدة كان ممكن يقضيها رئيس منتخب بشكل طبيعي ثمان سنوات، وبحكم الدستور لا يمكن أن يأتي مرة أخرى. فالذين يقولون احتكار السلطة نقول الدستور يمنع ذلك. من الذي عدل هذه المادة في الدستور وظل حتى يومنا هذا في السلطة؟ إنه ليس الدكتور مرسي، إنه الرئيس الحالي هو الذي فعل ذلك. أياً كان، أنا لا أريد أن أستحضر عداوات، لكني أريد أن أستحضر مستقبلاً مشرقاً. المستقبل المشرق أن ينتصر الحق. ما هو الحق؟ هيا بنا نتحاور فنصل إلى الحق.
هذا عن الجزء المصري. الجزء الآخر: أن الإسلاميين يحتكرون السلطة وإذا وصلوا للسلطة لا يتنازلون عنها. أقول إن الشعوب الحرة والأحزاب الحرة تستطيع أن تواجه أي حزب إسلامي أو ذو توجهات إسلامية. هنا في تركيا أردوغان وهو في السلطة فقد حزبه الانتخابات البلدية والحزب المعارض هو الذي سيطر على بلدية إسطنبول وبلدية أنقرة وبلدية إزمير، بل وكان الحزب الأول في الانتخابات البلدية. فأين احتكار السلطة؟ هذا الكلام يقال: احتكار السلطة ليس عند الديمقراطيين الإسلاميين؛ احتكار السلطة عند الحكومات الدكتاتورية، عند الحكومات التي لا تقبل الرأي الآخر. أعطني مثالاً عن حكومة إسلامية لا تقبل الرأي الآخر، حتى وإن حدث ذلك، الشعب نفسه هو الذي سوف يختار غيره. مقولة أن الإسلاميين إذا وصلوا للسلطة يحتكرونها ليس عليها دليل، إنما هي إشاعات تقال. قد يكون بعض الناس أخطأوا ولكنها ليست القاعدة العامة في تداول السلطة.
ميدل إيست آي: قد يكون ذكر بعض الأدلة في الواقع أمراً قابلاً للنقاش، أعني أنك ذكرت حالة تركيا، نعم، جرت انتخابات وانتخابات بلدية وخسر حزب العدالة والتنمية، ولكن في الوقت نفسه، كان هناك قمع على وسائل الإعلام، وقمع ضد الصحافة، وقمع ضد المدافعين الآخرين عن الحقوق، لكنني لا أريد أن أحيد عن الموضوع، ولكن أعني أنه من الواضح تماماً أن المشكلة الكبرى في المنطقة هي الاستبداد. والمشكلة الكبرى في مصر هي الاستبداد. هل تعتقد أن جماعة الإخوان المسلمين بذلت ما يكفي لعقد تحالفات مع من يعارضون الاستبداد؟ لأن من الأمور المؤسفة في أحداث 2012 أن العديد من المتظاهرين ضد الإخوان المسلمين كانوا من الديمقراطيين. هم لم يكونوا بالضرورة من مؤيدي الجيش، نعم، كان هناك بعض من مؤيدي العسكر، لكن الكثيرين ممن خرجوا إلى الشوارع كانوا أناساً متفانين في سبيل حرية المصريين. فهل تعتقد أن جماعة الإخوان المسلمين، بعد مرور 13 عاماً على حظرها أو نفيها إلى الخارج، قد بذلت ما يكفي لمد يد العون لجماعات المعارضة الأخرى حتى لو كانت ارتكبت انتهاكات للقيم المدنية، وحتى التحالف معها سواء في مصر أو في مناطق أخرى من المنطقة؟
د. حلمي الجزار: تجربة الإخوان المسلمين في مصر كانت تجربة قصيرة المدى، سنة واحدة. ومع ذلك السنة الواحدة شهدت بعضاً من الانفتاح والتحاور مع الآخرين. مثلاً: مجلس حقوق الإنسان في مصر وقت الدكتور مرسي لم يكن من الإخوان المسلمين، هناك أعضاء آخرون من أحزاب أخرى كانوا موجودين. الدكتور مرسي اختار مساعدين له: واحد مسيحي وواحدة ليبرالية وواحد سلفي وواحد من الإخوان المسلمين، يعني أربعة، وكانوا فقط من الإخوان المسلمين. كانت هذه محاولة لجمع الفرقاء أو الآراء المتعددة.
حزب الحرية والعدالة حينما دخل البرلمان دخل متحالفاً مع 11 حزباً من اليسار ومن اليمين. كان معهم حزب غد الثورة الليبرالي، وهم الحزب الناصري حزب الكرامة الناصري، وحزب الحضارة ذو المرجعية المصرية القديمة. ومن ثم حاولنا في هذه الفترة القصيرة مد هذه الجسور. أنا أقول لو كانت هذه الفترة امتدت كنا شهدنا كثيراً من هذه الأمور، لكن للأسف انتهى هذا الأمر بما حدث سنة 2013.
وأنا أقول إنه يجب إن لم نستطع أن نفعلها أو أن على أرض الواقع الآن أن نقولها واضحين: لقد كان هناك قصور، بعض القصور، في مد الأيادي دي، وكان كل واحد عنده ما أسميه أنا أو أنقل عن بعض الأنانية السياسية. الآن لا بد أن يتخلى الجميع، ليس الإخوان المسلمون فقط، عن الأنانية السياسية وأن يشتركوا في مصلحة الوطن. هذا كيف يتم؟ بالحوار، حتى من خارج السلطة، ثم نتحاور مع السلطة، أهلاً وسهلاً. وليس هدفنا من ذلك أن نعود إلى السلطة بشكل واضح، فإن الأستاذ إبراهيم منير الذي كان قائماً بأعمال المرشد العام قال بوضوح شديد: نحن سوف نتجنب الصراع على السلطة طالما هذا الصراع يؤدي إلى تفكك المجتمع، تماسك المجتمع عندنا أولى من الوصول إلى السلطة.
فهيا بنا، أقول لكافة القوى الديمقراطية والتي تريد أن تتحاور: هيا بنا نحافظ على مجتمعنا، نحافظ على المكتسبات التي نادت بها ثورة يناير، ونغض الطرف عن قضية من يحكم الآن، من يصل إلى السلطة، وندع هذا لحينما تنمو الديمقراطية. لأن الديمقراطية تحتاج إلى بناء، وهذا البناء لا يأتي في يوم وليلة. المشكلة في ثورة يناير أنها لم تكن ثورة كاملة ولم تكن ديمقراطية كاملة، فلا هي ثورة جاءت بجديد كامل ولا هي ديمقراطية مستقرة استطاعت أن تتواصل. هيا بنا نبني الديمقراطية: حواراً أولاً، ثم بعد ذلك نأخذ خطوات في المستقبل. هل القوى الأخرى عندها هذا الاستعداد؟ أنا أقول نحن عندنا الاستعداد، فأريد أن أستمع من الآخرين عن استعدادهم لهذا الحوار.
ميدل إيست آي: فيما يتعلق بوجود مجتمع حر تماماً، هناك سؤال آخر سيُطرح ضد جماعة الإخوان المسلمين بخصوص المرأة، ومشاركتها الكاملة في المجتمع. أنت الآن عضو بارز في مجلس شورى الإخوان المسلمين، هل يوجد أي نساء في مجلس شورى الإخوان المسلمين؟
د. حلمي الجزار: نعم يوجد أعضاء منهن في المجالس الإدارية حتى، وليس فقط في مجالس الشورى. ولكن أريد أن أوضح هنا شيئاً مهماً: البيئة الشرقية بشكل عام لم تكن تعطي المرأة مثل هذا الأمر. حينما جاء الإخوان المسلمون أسسوا في داخل الدعوة نفسها قسماً كبيراً للأخوات، وكانت ترأسه في الأيام التي أعرفها زينب الغزالي، وكان لهذا القسم مساهمات كثيرة جداً.
حينما دخلنا البرلمان أنا كنت في قائمة، وفازت في نفس قائمتي عضوة اسمها عز الجرف، وكانت عضواً في البرلمان مع أربع أخريات كن أعضاء في البرلمان. كذلك في حزب الحرية والعدالة كانت هناك نساء داخل الجهات الإدارية داخل الحزب. لكن أقول: هو هذا ليس مثل المجتمعات الغربية. المجتمعات الغربية لأن هناك سعة من الحرية وسعة من الديمقراطية أخذت المرأة خطوات، بدأنا نحن هذه الخطوات لكن لم تكتمل التجربة. إذا اكتملت التجربة سوف تجد الكفاءات. في الغرب المرأة جاءت لكفاءاتها وليس لأنها امرأة. في الانتخابات البرلمانية أو حتى الرئاسية في أمريكا لا يقولون هذه امرأة نفضلها على الرجل، ولكن نقول: من الأفضل؟ من الأصلح للوطن؟ هذا بالبناء الديمقراطي. هيا بنا وقد وضعنا الأسس أن تشارك المرأة، إذا عادت الديمقراطية سوف تجد ازدهاراً طبيعياً لأن المشاركة النسائية هي فعل تراكمي وليست قراراً سيادياً.
ميدل إيست آي: فقط للتوضيح، أنت قلت بأن هناك نساء في مجلس شورى الإخوان المسلمين؟
د. حلمي الجزار: أستطيع أن أقول نعم يوجد. وأنا في محافظتي في مصر أدخلنا ليس واحدة، ثماني عضوات داخل مجلس شورى المحافظة التي كنت أراسها في ذلك الوقت.
ميدل إيست آي: قلت ثمانية نساء؟ من مجموع كم؟
د. حلمي الجزار: من حوالي 40 عضواً بالمجلس.
ميدل إيست آي: تمام، أشكرك. السؤال القادم هو سؤال فلسفي إلى حد ما، فيما يتعلق بالحوكمة في القرن الحادي والعشرين، وبالحديث عن الحداثة، وكيف تفكر في الاستراتيجية المستقبلية للمجتمع ككل، أعني أن هناك العديد من الدول التي تتولى فيها أحزاب أو أنظمة متحالفة مع إسلاميين زمام الأمور الآن، في دول مثل السودان وإيران وأفغانستان، بل إن البعض قد يقول في المملكة العربية السعودية. هذا الأمر يثير بعض الجدل داخل بعض هذه المجتمعات، كما تعلمون، فقد أصبحت هذه المجتمعات أكثر أخلاقية أو أكثر تديناً بسبب القيادة الإسلامية على رأس السلطة، وهذا ليس شرطاً بالتأكيد. لذا، هل تعتقدون أن محاولة إدارة نظام التأثير من خلال وجود حزب إسلامي صريح لا تزال طريقة مُجدية لممارسة السياسة في الوقت الراهن؟
د. حلمي الجزار: العمل الإسلامي هو العمل الاجتماعي. العمل الإسلامي ليس هدفه الأول الوصول إلى السلطة. عندنا في الإخوان المسلمين خطوات متدرجة: نبدأ بالفرد المسلم حتى يكون فاهماً لدينه عاملاً من أجل دينه متفاعلاً مع مجتمعه، ثم الأسرة المسلمة: الأب والأم والأبناء، ونحتضن هذه الأسرة، ثم إرشاد المجتمع كي يتحرك بالإسلامية الصحيحة. إذاً العمل الإسلامي لا يضع في البداية الوصول إلى السلطة، يضع في البداية إصلاح المجتمع. الذي ينسى هذه الحقيقة ويقفز مباشرة إلى مقاعد السلطة يفوته الكثير ويفوته إصلاح المجتمع. ومن أجل ذلك كانت العبارة اللي حضرتك قلتها أن بعض الأنظمة لم يسعد المجتمع بوجودها، لم نجد الرفاهية والرخاء لأن الوصول إلى السلطة كان أسبق عندهم. أما الإخوان المسلمون يريدون ولا زالوا عاملين، وهذه خطتهم: أن نبدأ من المجتمع ثم تأتي السلطة كاختيار لهذا المجتمع وليس فرضاً عليه.
ميدل إيست آي: كنا قد بدأنا هذا الحوار بالحديث عن دونالد ترامب وكيف قام بتصنيفكم في جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية. إذا كنتم تستطيعون التحدث معه، إذا كنتم تستطيعون الحصول على زيارة البيت، ماذا ستفعلون مع دونالد ترامب وماذا ستقولون له؟
د. حلمي الجزار: نعم، إذا كانت هناك دعوة إلى البيت الأبيض أنا شخصياً مستعد، ولكن لا أظن أن سوف ذلك يحدث لأنه سيكون هناك كونتراست، معارضة ما بين ما أخذته الإدارة الأمريكية وما أريده أنا الآن. لكن هب أنني أحاوره، وأنت مستر ترامب وأنا واحد من الإخوان المسلمين، أقول له بوضوح شديد: مستر ترامب، أنت أخذت القرار الخطأ، وأوضح لك لماذا: لأنك استمعت إلى أجندة من إسرائيل ومن الإمارات ومن النظم الدكتاتورية. وأنت أيها الرئيس، رئيس الدولة الكبرى، قلت مرة عن رئيسنا، عن الرئيس المصري، إنه ديكتاتورك المفضل. فهل أنت تفضل أن تتعامل مع ديكتاتوريين أم تفضل أن تتعامل مع ديمقراطيين؟ هذه في البداية أريد أن أسمعها منه. فإن قال لي: أريد أن أتعامل مع الديمقراطيين، أقول له: هيا نبدأ الحوار، كيف نبني الديمقراطية في أوطاننا.
النقطة الأخرى التي سوف أقولها له: أنت رئيس أكبر دولة، وهذه الدولة الكبرى لا بد أن تنشر بعض قيم الديمقراطية، قيم المساواة، قيم العدل. فهل قرارك هذا يساهم في هذا الأمر؟ أنه يجعل المسلمين في كل أنحاء العالم ينظرون إلى قرارك هذا أنه قرار متحيز وهو مع الإسلاموفوبيا، سوف يساند الإسلاموفوبيا. فهل أنت مع الإسلاموفوبيا أم مع الحرية العامة لكافة الأديان وكافة المواطنين؟
وسوف أقول له أيضاً: مستر ترامب، في حزبك الجمهوري أنتم تحترمون التكوين الأسري بعكس الحزب الديمقراطي الذي يعطي الليبرالية المطلقة. فهل ترى أن هذه الفكرة التي تحافظون بها على الأسرة أين هي موجودة؟ من الذي يحافظ على التكوين المجتمعي؟ لو درست الإخوان المسلمين ولو سمعت الإخوان المسلمين سوف تجدهم يحافظون على هذه القيم. ولذلك هناك أرضية مشتركة كان يجب أن تدعمها لا أن تواجهها بأن تصفنا بالإرهاب.
ميدل إيست آي: وإذا قُدّر لك أن تتحدث مع السيسي وقادة آخرين في المنطقة، فماذا يمكن أن تقول له ولهم؟
د. حلمي الجزار: سوف أقول لهم وبوضوح شديد إن هناك فصولاً في التاريخ، أقساماً في التاريخ، تقول إن الرئيس المحبوب هو الذي يسعى إلى أن يجمع الشعب حوله سواء كانوا الذين انتخبوه أو الذين عارضوه. سوف أقول لهم إن الإرث التاريخي العالمي يقول إن الاحتكام إلى النظام الدستوري يحفظ للناس حقوقهم. فهيا بنا نحترم الدستور لا أن نغيره كل فترة. الدول المستقرة لا تلعب بالدستور بل تحترم الدستور. نحن في بلادنا: هل نحترم الدستور مثل ما هو محترم في البلاد المستقرة؟ سوف أقول لهم: يجب أن يكون الدستور نابعاً من الشعب ثم نحترم رأي الشعب ممثلاً في هذا الدستور المختار.
ميدل إيست آي: وفي النهاية، ماذا يمكن أن تقول للشعب المصري والمجتمع العالمي بشكل عام؟
د. حلمي الجزار: أريد أن أحيي الشعب المصري. أنا جزء أنني مصري بامتياز، تعلمته في المدارس المصرية، تعلمته في الجامعات المصرية حتى حصلت على أعلى الدرجات، حصلت على الدكتوراه من الجامعات المصرية، وعملت في المجتمع المصري. إنني أحب الشعب المصري. لست وحدي الذي أحب الشعب المصري بل كل الإخوان المسلمين يحبون الشعب المصري.
ويا أيها الشعب المصري: عشت مع الإخوان المسلمين قبل أن يصل الدكتور مرسي إلى السلطة، عشت معهم كيف كانوا معك في كافة الأزمات. هنا ما حدث زلزال الثالث سنة 1992، وجدت الإخوان المسلمين معك. حينما كان الإخوان المسلمون يؤسسون المستشفيات كان عندنا 30 مستشفى عبر المحافظات كان الشعب يعالج فيها. أسسنا مدارس كثيرة. أيها الشعب المصري انظر إلى هذا العطاء؛ ليس هو عطاء من أشخاص لكن هو عطاء من فكرتنا الإسلامية. نحن نحب الشعب المصري ونسعد بسعادته. ندعو الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا مرة أخرى على مصلحة هذا الوطن ومصلحة الشعب المصري كله. هذه رسالات للشعب المصري من الحب والاحترام والتقدير بكافة مؤسساته. بالمناسبة أنا أحترم كافة مؤسسات الشعب المصري، ولكن أقول إن كل مؤسسة يجب أن تقوم بواجبها ولا تضع خطة إلى حدود مؤسسة أخرى.
ورسالتي للعالم، كل الشعوب المحبة للسلام، أقول لهم إن الإسلام رمز السلام. في تحيتنا نقول: السلام عليكم، ومعنى ذلك أننا ننشر السلام في أنحاء العالم. ونقول إن رسالات السماء المتعددة كان آخرها الإسلام، ومن ثم هي تعبر عن كافة الأديان كلها. المسلم الحقيقي لا يكون مسلماً حقيقياً إلا إذا آمن بعيسى عليه السلام وبموسى عليه السلام وبكافة الرسل. نحن نحب هؤلاء الرسل، نحب أتباعهم، ونتمنى الخير لهم. وشعارنا أن الله عز وجل خلقنا لنتعارف، وقال في كتابه الكريم: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. لا عدوان على أحد ولا ظلم لأحد. هذه رسالتنا للعالم: الحب والسلام والتعاون.
ميدل إيست آي: هل لديك تعليق أخير تريد أن تقوله؟
د. حلمي الجزار: لم يبقَ إلا أن أشكرك وأشكر ميدل إيست آي على هذا اللقاء، وأرجو أن يكون هذا اللقاء يحمل الرسالة المطلوبة مني ومنكم إلى المستمعين جميعاً. شكراً لكم.