التاريخ : الاثنين 09 مارس 2026 . القسم : رسالة الاخوان

الحرب على إيران… تمهيد لمشروع «إسرائيل الكبرى«


تمرّ أمتنا اليوم بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها الحروب مع مشاريع إعادة تشكيل المنطقة، وتختلط فيها مشاعر القلق على مصير الشعوب المسلمة بالغضب من الظلم الواقع عليها. وفي مثل هذه اللحظات يعلو صوت العاطفة في نفوس الناس، غير أن الأمة تكون أحوج ما تكون إلى البصيرة التي تميز بين ظاهر الأحداث وحقيقتها.

لقد علّمنا القرآن الكريم أن ننظر إلى الوقائع بميزان الحكمة، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108].

ومن هنا؛ فإن فهم ما يجري في منطقتنا اليوم يقتضي قراءة أعمق من ظاهر الأحداث، والنظر إلى ما وراءها من تحولات في موازين القوة ومسارات التاريخ.

ففي عالم السياسة لا تُقرأ الحروب بظاهرها القريب فقط، بل بما تمهّد له من تحولات بعيدة المدى في موازين القوة. فكثيرًا ما تكون المعارك المعلنة مجرد بوابة لمشروعات أكبر يُعاد بها تشكيل المنطقة وترتيب خرائط النفوذ فيها. ومن هنا فإن الحديث المتصاعد عن المواجهة الصهيونية الأمريكية مع إيران ينبغي أن يُقرأ في سياق أوسع يتصل بمستقبل المنطقة وبطبيعة المشاريع التي تتنافس على تشكيلها.

ومن هذا المنطلق تأتي هذه الرسالة محاولة لفهم ما يجري في المنطقة، والنظر في ما إذا كانت الحرب على إيران مجرد مواجهة عابرة، أم أنها خطوة في طريق مشروع أوسع لإعادة تشكيل المنطقة وترسيخ التفوق الإسرائيلي فيها. 

بداية؛ تقرر الشريعة الإسلامية مبدأً واضحًا في العلاقات بين الأمم والشعوب، وهو تحريم العدوان ووجوب دفعه. فالعدوان في المفهوم الشرعي هو كل اعتداء يقع على أرض أو نفس أو مال بغير حق، سواء صدر من فرد أو جماعة أو دولة. وقد جاءت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية مؤكدة هذا الأصل؛ قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].

وفي الحديث القدسي قال النبي ﷺ: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا   « (رواه مسلم).
إن القراءة الشرعية للأحداث لا تكتفي بالحكم الأخلاقي على الوقائع، بل تحاول كذلك فهم السنن التي تحكم حركة الصراع بين الأمم.

وبناء على ذلك فإن أي اعتداء يقع على أرض أو شعب بغير حق هو عدوان مرفوض شرعًا يجب إنكاره، بعيدًا عن الحسابات السياسية أو الخلافات المذهبية. فموقف المسلم من العدوان ليس موقفًا انتقائيًا تحكمه التحالفات، بل هو موقف مبدئي يقوم على العدل ونصرة المظلوم.

وفي الوقت نفسه تقرر الشريعة أن من حق أي دولة تتعرض لعدوان أن تدافع عن نفسها بما يرد العدوان عنها، مع الالتزام بضوابط الحرب في الإسلام التي تحرِّم استهداف المدنيين أو الاعتداء على المنشآت المدنية التي لا صلة لها بالعمليات العسكرية.

وإذا كان هذا هو الميزان الشرعي في النظر إلى العدوان؛ فإن فهم ما يجري في المنطقة لا يكتمل إلا بقراءة الأهداف السياسية والاستراتيجية التي تقف وراء هذه الصراعات.

إن أي حرب في العالم العربي والإسلامي لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الأوسع لإعادة تشكيل المنطقة. فقد كشفت الصراعات المتتابعة خلال العقود الأخيرة عن محاولات مستمرة لإعادة ترتيب موازين القوة بما يحقق الهيمنة الإقليمية. وفي هذا السياق تتكرر في الخطاب السياسي لقادة الاحتلال الإسرائيلي إشارات واضحة إلى مشروع «إعادة ترتيب الشرق الأوسط» بما يضمن التفوق الإسرائيلي لعقود قادمة، وهو ما يتقاطع مع أطروحات أيديولوجية في الفكر الصهيوني تتحدث عن مشروع «إسرائيل الكبرى«.

ومن هنا؛ فإن الحرب على إيران تمثل خطوة ضمن مشروع أوسع يهدف إلى إضعاف القوى الإقليمية الكبرى، وإعادة تشكيل المنطقة على نحو يعزز التفوق الإسرائيلي ويمنحه موقعًا متقدمًا في قيادة ترتيباتها الإقليمية.

وموقف جماعة الإخوان المسلمين من الاستعمار؛ لم يكن - في يوم من الأيام- موقفًا عابرًا، بل كان جزءًا أصيلاً من رؤيتها منذ نشأتها. فقد تأسست الجماعة(1928م) في زمن كانت فيه معظم البلاد العربية والإسلامية ترزح تحت نِيرِ الاحتلال الأجنبي أو النفوذ الاستعماري، وكان من أولويات دعوتها تحرير الأمة من التبعية السياسية والعسكرية والثقافية.

وقد أكد الإمام حسن البنا أن من أهداف الحركة الإسلامية تحرير الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي. ولم يقتصر هذا الموقف على التنظير، بل تجسد عمليًا في دعم حركات التحرر الوطني، وفي مشاركة متطوعي الإخوان في الدفاع عن فلسطين عام 1948، وحروب القناة في عام1951 و عام1953.

إن التطورات الراهنة توضِّح بجلاء ضرورة أن تضع كافة الدول العربية والإسلامية في مقدمة أولوياتها تحقيق الاستقلال الاستراتيجي، عسكريا واقتصاديا، عن أي نفوذ خارجي، وتطوير آليات التنسيق والتكامل فيما بينها، وبما يؤهلها لمواجهة التهديدات الإسرائيلية ومشاريع التفكيك والهيمنة. فالعالم الإسلامي يمتلك من الموارد البشرية والاقتصادية ما يؤهله لبناء منظومة تعاون تسهم في حماية مصالحه وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وفي مثل هذه اللحظات التاريخية ينبغي توجيه الوعي إلى مصادر التوتر الحقيقية. فقد أظهرت التجارب أن تفجر الصراعات في المنطقة يؤدي غالبًا إلى إضعاف الدول المحيطة بالكيان الصهيوني وإشغالها بصراعات تستنزف طاقاتها. ولذلك ينبغي الحذر من توسيع دائرة الحرب بطريقة تلحق الضرر بشعوب المنطقة وتعمق الانقسام داخل العالم الإسلامي.

إننا نشدُّ على أيدي القادة العرب الذين تحلَّوا بالحكمة في إدارة الأحداث، دون الانجرار إلى حربٍ لا يعلم مداها إلا الله. فالجميع يعلم أن العدوَّ واحدٌ، وهدفه واضح: تحقيق حلمه من النيل إلى الفرات. ولن يكون ذلك إلا بصناعة فوضى في قلب وطننا العربي تجرُّه إلى حروبٍ تستنزف موارده، وتقضي على مكتسباته، وتستبيح أرضه. ولذا كانت الحكمة وتغليب العقل أولى، وعدمُ الانجرار إلى ما يدفعنا العدو نحوه. والواجب أن يقف كلٌّ منا، شعوبًا وحكوماتٍ، صفًّا واحدًا دفاعًا عن مقدَّرات هذه الأمة ومستقبل أبنائها.

فمما تؤكده نصوص الشريعة وتجارب التاريخ أن قوة الأمة تكمن في وحدتها واجتماع كلمتها. قال تعالى:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾[الأنبياء: 92]، وقال سبحانه: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [ آل عمران: 103].
ومن هنا؛ فإن من أهم الواجبات في أوقات الأزمات تقريب الصفوف وتغليب المشترك بين المسلمين، وإدارة الخلافات السياسية والمذهبية بروح من الحكمة والمسؤولية.

وفي خضم هذه التحولات تبقى الحقيقة الأعمق أن الأمة لا تستمد قوتها من العوامل المادية وحدها، بل من صلتها بالله تعالى واستقامتها على منهجه. وقد علَّمنا التاريخ أن أوقات الشدة كانت دائمًا لحظات مراجعة وتجديد للإيمان.

ويأتي شهر رمضان، وخاصة العشر الأواخر منه، فرصة لتعميق الصلة بالله بالدعاء والقيام والتضرع. كما أن لهذه المرحلة واجبات عملية، من أهمها:
توعية المجتمع بحقيقة الصراع وعدم الانجرار وراء الدعاية المضللة.
الدعوة المستمرة إلى وحدة الأمة والدفاع عن قيمها وأراضيها.
الاستعداد للتحديات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تفرضها تطورات الأحداث.

وفي النهاية فإن الوعي بطبيعة الصراع، والثبات على القيم، والعمل على وحدة الأمة وتماسكها، هي الركائز التي تحفظ للأمة توازنها في زمن الاضطراب. فالأمم التي لا تقرأ الحروب بوعي، قد تجد نفسها وقودًا لمشروعات غيرها!
فواجب الأمة اليوم يحتِّم علينا جميعا؛ ضرورة الوعي، وعدم الانجرار للاستقطاب المذهبي، وإبقاء بوصلة العداء نحو المشروع الصهيوني.

نسأل الله أن ينصر المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يفرّج الكرب عن أهل فلسطين، وأن يفك أسر المعتقلين في سجون الظلم، وأن يحفظ الأمة من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجمع كلمتها على الحق.
والله أكبر ولله الحمد


الدكتور صلاح عبدالحق

القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين 

الاثنين 19 رمضان 1447هـ؛ الموافق 9 مارس 2026م