التاريخ : الجمعة 13 مارس 2026 . القسم : رسالة الاخوان

رمضان وصناعة النصر: سنن الله في معارك المسلمين عبر التاريخ


ليس رمضان في حياة الأمة مجرد شهر للصيام والعبادة، بل هو في عمقه مدرسة لصناعة الإرادة وتجديد طاقة الإيمان. وفي تاريخ المسلمين صفحات مضيئة ارتبطت بهذا الشهر الكريم، حين اجتمع صفاء العقيدة مع قوة العزيمة، فتحركت سنن الله في النصر، وتغيرت موازين التاريخ. ومن بدر الكبرى إلى فتح مكة، ومن القادسية إلى عين جالوت، وصولًا إلى العاشر من رمضان في العصر الحديث، تتكرر الرسالة نفسها: أن النصر لا يولد من المصادفة، بل يصنعه الإيمان حين يقترن بالوعي والإعداد. 

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.[ سورة محمد: 7] . 
لم يُجعل رمضان في الإسلام شهرًا للعادات الاجتماعية فحسب، بل هو مدرسة سنوية لتربية الإيمان وبناء الإرادة. ففي الصيام يتدرب المسلم على ضبط شهواته وكسر سلطان العادة؛ إذ يترك ما أحلّه الله من طعام وشراب امتثالًا لأمره، فيتعلم بذلك أن يترك ما حرّم الله من باب أولى. ولهذا ربط القرآن الصيام بالتقوى فقال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

وفي رمضان تجتمع عناصر التربية الإيمانية التي تصنع الإنسان القادر على حمل الرسالة؛ فالصيام يقوّي الإرادة ويعلّم الصبر، والقرآن يصحح الوعي، وقيام الليل يحيي القلب ويجدد الصلة بالله. ومن اجتماع هذه المعاني يتكوّن الإنسان المؤمن القادر على البذل والتضحية، وهو الإنسان الذي تستطيع الأمة به أن تواجه التحديات وتتحمل أعباء النهوض.

النصر في ميزان القرآن
يقدم القرآن الكريم رؤية واضحة لمعنى النصر؛ فهو ليس حادثة عابرة ولا نتيجة للتفوق المادي وحده، بل جزء من سنن الله في تدافع الأمم. فالتاريخ في ميزان القرآن تحكمه قوانين ثابتة تربط بين القيم والنتائج.
ولهذا عرض القرآن معارك المسلمين الأولى عرضًا تربويًا يكشف قوانين النصر والهزيمة؛ فحين تجتمع عناصر الإيمان والصبر ووحدة الصف وحسن الإعداد تميل موازين التاريخ نحو نصرة الحق، وحين تختل هذه المعاني تتعرض الأمة للابتلاء والتراجع.

نماذج من انتصارات رمضان
شهد رمضان عددًا من الانتصارات التي غيرت مسار التاريخ الإسلامي، وهذه المعارك – على تباعدها الزمني – تكشف أن سنن النصر واحدة لا تتغير. من أبرزها:
بدر الكبرى (2هـ): تعد بدر النموذج الأوضح لسنن النصر في الإسلام، التي غيَّر الله بها وجه التاريخ، وأعلن بها ميلاد مرحلة جديدة في مسيرة الدعوة الإسلامية. وقد كشفت عن جملة من القيم التي أسهمت في تحقق النصر رغم قلة العدد والعدة، من أبرزها: الشورى، وتحمل المسؤولية ، والقيادة الواعية الحاسمة، والوفاء بالعهود، والقيم الإنسانية في التعامل مع الأسرى، وتزكية النفوس في قضية الغنائم، وتقديم رابطة العقيدة على روابط النسب. 
فتح مكة (8هـ): لحظة تاريخية تجلّت فيها مقومات:  الصبر البصير، والحكمة في القيادة، والعفو عند المقدرة، وترسيخ التوحيد.
القادسية (15هـ): معركة حاسمة أسهمت في سقوط الإمبراطورية الفارسية. برزت فيها مقومات:  الثبات، وكفاءة القيادة ، والإيمان بالقضية.
عين جالوت (658هـ):  أوقفت زحف التتار الذي اجتاح العالم الإسلامي بعد سقوط بغداد والشام، بعد أن ظن الناس أنهم لا يُهزمون. وتجلى فيها: وحدة الأمة، والقيادة الشجاعة، والاستعداد للمواجهة. 
العاشر من رمضان (1973م):  جسد العبور قدرة الأمة على استعادة إرادتها حين تتوافر العزيمة والإعداد، والتخطيط العسكري، وكسر حاجز الخوف.
ومن تأمل هذه الوقائع أدرك أن النصر لم يكن صدفة عسكرية، بل نتيجة اجتماع الإيمان ووحدة الصف والقيادة الواعية وحسن الإعداد.

مقومات النصر وموانعه
يبين القرآن أن للنصر مقومات واضحة، من أهمها: قوة الإيمان، ووحدة الصف، والقيادة الراشدة، والصبر والثبات، والأخذ بالأسباب والإعداد الجيد، وإخلاص النية في نصرة الحق.
كما كشف القرآن عن أسباب الهزيمة، ومنها: التنازع والفرقة، ومخالفة القيادة، والتعلق بالدنيا، والذنوب والمعاصي، والغفلة عن الأخذ بالأسباب، والتبعية وفقدان الإرادة.
هل لرمضان خصوصية في النصر؟
لا يرتبط النصر بزمن معين، فسنن الله لا تتغير بتغير الشهور. غير أن رمضان يتميز بأنه مدرسة لصناعة الإرادة؛ ففيه تتجدد الصلة بالله، وتصفو النفوس، وتشتد العزائم، فيتهيأ الإنسان للثبات والبذل.

الدرس للأمة اليوم
إن النصر ليس حادثة عسكرية عابرة، بل نتيجة مسار طويل من الإيمان والبناء والإعداد. واستعادة أسباب القوة مسؤولية مشتركة بين الشعوب والنخب والقيادات.
إن صفحات التاريخ التي سطّرها المسلمون في رمضان لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها ذكريات مجيدة فحسب، بل بوصفها دروسًا حية في سنن النصر.  فقد أثبتت تلك الوقائع أن النصر لا يولد في ساحة المعركة وحدها، بل يُصنع قبل ذلك في ضمير الإنسان، وفي تربية الإيمان، وفي بناء الإرادة التي لا تنكسر أمام الشدائد.
وإذا كان رمضان قد شهد بدرًا وفتح مكة وعين جالوت وغيرها من محطات النصر، فإن رسالته للأمة اليوم ليست أن تتغنى بالماضي، بل أن تستعيد الطريق الذي صنع ذلك الماضي.

فحين تتجدد في الأمة روح الإيمان، وتتوحد صفوفها، وتستعيد إرادتها، وتبني قوتها على هدي سنن الله، فإن وعد الله يبقى قائمًا لا يتخلف.
ولعلَّ غزة العزة  في زماننا تقدم للأمة درسًا حيًّا في معنى مدرسة رمضان؛ فقد رأى العالم كيف يصنع القرآن والصيام إنسانًا قادرًا على الصبر والثبات، والتضحية، وكيف تتحول تربية الإيمان إلى قوة إرادة تقف في وجه آلة العدوان والاحتلال، فتذكِّر الأمة بأن النصر يبدأ أولًا من بناء الإنسان قبل أن يظهر في ميدان المعركة. 

اللهم إنا نسألك أن تعيد إلى أمتنا روح الإيمان التي صنعت بدرًا، وأن تبعث فيها من جديد إرادة العزة التي صنعت فتح مكة، وأن تجمع قلوبها كما جمعتها يوم عين جالوت حين وقفت في وجه الطغيان. اللهم إن أمتنا اليوم تواجه موجة من العدوان والاستعلاء، وتتعرض لهجمةٍ تستهدف دينها وهويتها وكرامتها، فكن لها وليًّا ونصيرًا، وثبّت أقدام المستضعفين فيها، وخاصةً في أرض الرباط بفلسطين، واجعل لهم من لدنك قوة ونصرا وتمكينا. اللهم اكشف الغمة عن هذه الأمة، وألهمها طريق الوحدة والبصيرة، ونجِّها من كيد أعدائها ومن مكر من يعينهم عليها، حتى تستعيد دورها في نصرة الحق وإقامة العدل في الأرض. اللهم إنا نوقن بوعدك الذي لا يتخلف، فاجعلنا من الذين ينصرون دينك فتكتب لهم نصرك، وتحقق فينا وعدك الخالد:  ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾[الحج: 40].
والله أكبر ولله الحمد

الدكتور صلاح عبدالحق

القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين 

الجمعة 24 رمضان 1447هـ؛ الموافق 13 مارس 2026م