التاريخ : الأربعاء 25 مارس 2026 . القسم : رسالة الاخوان

في ذكرى التأسيس: دعوة الإخوان المسلمين… هداية للأمة وخير للإنسانية


تمرّ بنا ذكرى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين (1928م)، وهي مناسبة لا يُستدعى فيها التاريخ فحسب، بل يُعاد فيها النظر إلى طبيعة هذه الدعوة ورسالتها في عالم يموج بالتحولات والاضطرابات. فقد نشأت في سياق أزمة عميقة عاشتها الأمة الإسلامية عقب سقوط الخلافة (سنة 1924م)، حين تراجعت المرجعية الجامعة، وتفاقمت مظاهر التمزق، وخضعت الشعوب لصور متعددة من الهيمنة والاحتلال.

في هذا الظرف التاريخي تحرك الإمام حسن البنا، رحمه الله، بدافع شعور عميق بالمسؤولية، ساعيًا إلى إيقاظ الأمة وتجديد صلتها بالإسلام، وإعادة بناء الإنسان والمجتمع على أساس من قيم الإسلام الحنيف. فكان هذا المشروع الإصلاحي استجابةً لحاجة ملحّة إلى بعثٍ جديد يردّ الأمة إلى منهج الإسلام الشامل.

وقد عبّر الإمام البنا عن ذلك بقوله: 
(نحن- أيها الناس، ولا فخر- أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملة راية محمد بعده، ورافعو لوائه كما رفعوه، وناشرو دينه كما نشروه، وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا، ورحمة الله للعالمين ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88]).

طبيعة المشروع وخصائصه
قام هذا المشروع على فهمٍ شاملٍ للإسلام، بوصفه نظامًا متكاملًا ينتظم شؤون الحياة كلها، لا يقتصر على جانب دون آخر. وقد أكد الإمام البنا هذا المعنى بقوله: (إننا نفهم الإسلام فهمًا فسيحًا واسعًا ينتظم شؤون الدنيا والآخرة).

ومن هذا الفهم، انطلق هذا المنهج ليطرح رؤية إصلاحية تقوم على تربية الفرد، وبناء الأسرة، وإنهاض المجتمع، وبناء الأمة حتى يؤدي الدين دوره في حياة الإنسانية جميعًا.
إن الجماعة شرعية قيامها واستمرارها من الرسالة التي تحملها، ومن اعتقادها بأن رضا الله تعالى وبراءة ذمتنا يوم العرض عليه، توجب علينا العمل الجماعي تكاليف الشريعة عامة ولإعلاء كلمة الله – تبارك وتعالى – خاصة؛ وفق الفهم الصحيح للإسلام. ومنذ بدايته، لم يقدّم هذا المشروع نفسه يومًا باعتباره مسار صراع أو هيمنة، بل باعتباره دعوة هداية وإصلاح، غايتها خير الإنسان أيًّا كان موطنه أو دينه، انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

وقد أكد الإمام البنا صفاء هذا المنهج ونزاهته بقوله: (دعوة الإخوان المسلمين دعوة بريئة نزيهة، قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية، واحتقرت المنافع المادية، وخلفت وراءها الأهواء والأغراض).

عالمية الدعوة
اتسم هذا المشروع منذ نشأته بطابع عالمي؛ فلم يقف عند حدود جغرافية أو عرقية، بل توجّه إلى الإنسان من حيث هو إنسان، ودعا إلى الأخوة الإنسانية ورفض كل أشكال العنصرية.

وفي هذا المعنى يقول الإمام البنا: (نحن أيها الناس: فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحدّه موضع، ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها).

وانطلاقًا من هذا التصور، يؤكد هذا المنهج القيم الإنسانية المشتركة؛ من العدل، والحرية، وكرامة الإنسان، واحترام التنوع، والتعاون بين الشعوب، والوفاء بالعهود، والسعي إلى سلام عالمي قائم على الإنصاف. فهو لا يؤمن بعصبية الأجناس، بل يدعو إلى أخوة عادلة بين البشر، كما قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

الإسلام ضرورة إنسانية
وفي ظل ما يشهده العالم من أزمات متلاحقة، يتجدد السؤال: لماذا لم تستطع الحضارة المعاصرة أن تحقق السعادة الحقيقية للإنسان؟ إن الواقع يشير إلى أن الحضارة المادية وفّرت أسباب الرفاه للإنسان، لكنها عجزت عن منحه السكينة؛ فأعطته القوة ولم تهده القيم، وهيأت له الوسائل ولم ترشده إلى الغايات. ومع هذا الخلل تحولت الإمكانات إلى أدوات هيمنة، واختل ميزان العدالة، وخضعت الشعوب لاستقطابات لا تعبأ بكرامة الإنسان ولا بحقوقه.

ومن هنا تتجلى الحقيقة الكبرى: أن البشرية اليوم في حاجة إلى الإسلام بما يحمله من منظومة قيمية توازن بين المادة والروح، وتربط القوة بالعدل، وتردّ إلى الإنسان إنسانيته.

دور المشروع في تقديم هذه القيم:
في هذا السياق، يأتي هذا المشروع الإصلاحي ليقدّم هذه القيم في صورة عملية متوازنة، تقوم على العمل السلمي، وتؤمن بالحوار، وتسعى إلى بناء جسور التفاهم بين الشعوب. فهو لا يرى نفسه في مواجهة مع العالم، بل شريكًا في خدمة الإنسان، والإسهام في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا.

كما يعمل على توسيع دوائر الحوار الحضاري، والانفتاح الواعي على الثقافات المختلفة، والتعاون مع كل الجهود الصادقة في خدمة الإنسان. ويهتم كذلك بإعداد الأجيال إعدادًا متوازنًا يجمع بين الهوية والانفتاح، وبين الإيمان والعمل، بما يمكّنها من الإسهام الإيجابي في مجتمعاتها.

نحو نظام عالمي أكثر عدلًا:
ويطرح هذا المنهج رؤية لعلاقات دولية أكثر توازنًا، تقوم على التعاون الصادق لا الصراع، وعلى تبادل المنافع لا الهيمنة. وفي هذا السياق يقول الإمام البنا:(لابد من سياسة جديدة، هي سياسة التعاون والتحالف الصادق البريء المبني على التآخي والتقدير، وتبادل المنافع والمصالح بين أفراد الأسرة الإنسانية). وهذا التصور يؤكد أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا في ظل نظام دولي قائم على العدل، واحترام حقوق الشعوب، والتوازن في المصالح.

واليوم، تكشف تطورات الواقع أن العالم اليوم في أمسِّ الحاجة إلى هذه القيم؛ إذ تكشف الأحداث الجارية أن البشرية أحوج ما تكون إلى العدل، والحرية، وصون كرامة الإنسان، وحسن إدارة الموارد، وترسيخ السلام العالمي. وفي ظل هذا الاضطراب الإنساني والحضاري، يبرز الإسلام -كما يقدمه الإخوان المسلمون- بوصفه إسهامًا حضاريًا يسعى إلى خدمة الإنسان، لا الهيمنة عليه، وإلى بناء عالم أكثر توازنًا وعدلًا.

ثبات في أداء الرسالة رغم المحن:
لم يكن ثبات الجماعة في أداء رسالتها وليد ظرف عابر، بل هو امتداد لطبيعة حركة قائمة على مبادئ راسخة. حيث واجت تحديات متعددة، ومع ذلك ظلت متمسكة بمنهجها في الإصلاح السلمي، والتربية، وخدمة المجتمع.

وهذا الثبات ليس جمودًا، بل هو ثبات على المبادئ مع مرونة في الوسائل، وقدرة على التكيف مع المتغيرات دون تفريط في الأصول، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة العمل الإصلاحي بوصفه تراكميًا طويلًا.

ولم يكن ما تعرّضت له الجماعة عبر تاريخها من محاربةٍ وتشويهٍ وإقصاءٍ بعيدًا عن طبيعة رسالتها وما حملته من معاني الإحياء والإصلاح؛ إذ رأت فيها قوى الاستبداد والهيمنة مشروعًا يسعى إلى بعث الأمة، وتحرير إرادتها، وربط الدين بواقع الحياة، واستعادة الإنسان لكرامته ودوره. ومع توالي المحن، بقيت الجماعة صامدة؛ لأنها لم تقم على مصلحة عابرة، ولا على ظرف مؤقت، بل على فكرةٍ راسخة، وتربيةٍ ممتدة، وإيمانٍ عميق بأن طريق الإصلاح طويل، وأن الابتلاء من سنن الدعوات. 

ومن هنا، فإن هذه الذكرى تمثل مناسبةً لتعريف الأجيال الجديدة، وفي مقدمتها الشباب، بهذه الدعوة من مصادرها وأصولها، بعيدًا عن الصور المشوَّهة والأحكام الجاهزة، حتى ينظروا فيها بعين الباحث المنصف، ويتعرفوا بأنفسهم على فكرتها ورسالتها وأثرها في حياة الأمة.

وتبقى هذه الدعوة، بما تحمله من مبادئ ورسالة، ماضية في أداء دورها، إسهامًا في بناء عالم أكثر عدلًا وسلامًا، يقوم على القيم، والشراكة الإنسانية، واحترام كرامة الإنسان.
 

الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الأربعاء 6 شوال 1477هــ؛ الموافق 25 مارس 2026م