التاريخ : الثلاثاء 21 ابريل 2026 . القسم : رسالة الاخوان

مصر ودورها التاريخي... في ذكرى الفتح


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه. وبعد:
ففي مثل هذه الأيام كان فتح حصن بابليون - في موضع القاهرة القديمة اليوم - الذي كان نقطة تحول كبرى لما يمثله من موقع استراتيجي يأخذ بأفواه الطرق إلى الصعيد والدلتا والعاصمة الإسكندرية. وقد استمر الحصار سبعة أشهر حتى كان الفتح في ربيع الآخر سنة 20هـ/ أبريل 641م، وكان فتحه ضربة قاصمة للوجود البيزنطي في مصر لشدة حصانته، وقد أشرف المقوقس حاكم مصر على القتال فيه، فلما أيقن بالهزيمة عرض الصلح والجزية، مما أغضب هرقل إمبراطور البيزنطيين؛ فاستقدمه إليه، وعنفه، ثم عزله ونفاه. لكن قادة الحصن استيأسوا من المقاومة، وقبلوا الجزية، وسلموه.

كان عمرو بن العاص يدرك صعوبة الفتح بأربعة آلاف جندي، هم من انطلق بهم من الشام ليفتح درة ممالك البيزنطيين، فاستمد الخليفة عمر بن الخطاب قبل أن يتجه إلى بابليون، فجاءه المدد؛ أربعة آلاف رجل، على رأس كل ألف منهم بطل من أبطال الصحابة: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد. وأرسل عمر إلى أميره الفاتح يقول: قد أمددتك بأربعة رجال، كل منهم بألف مقاتل، ولن يُهزم اثنا عشر ألفًا من قلة!

كان عمر أعلم بهم، وبما نالوه من عميق التربية، وصدق النية، ومضاء العزائم. وكذا فليكن أهل الجهاد والفتح.
وتلك شهادة الوفد الذي أرسله المقوقس إلى المسلمين، إذ استبقاهم عمرو بن العاص يومين، فلما عادوا وصفوا أحوال المسلمين للمقوقس قائلين: "رأينا قومًا الموتُ أحبّ إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحبّ إليهم من الرفعة، وليس لأحدهم رغبة في الدنيا."

ولما أوشك جند الروم البيزنطيين على مغادرة الحصن مهزومين؛ صبّوا جام غضبهم على أسراهم من قبط مصر، فضربوهم بالسياط، وقطعوا أيديهم، وطردوهم خارجه، ولم يكن ذلك مستغربًا من اضطهادهم الأقباط من الأرثوذكس، المخالفين لمذهب الدولة الملكاني، وقد عم الاضطهاد أقباط مصر حتى هرب بطريركهم "بنيامين" ثلاث عشرة سنة يهيم مطاردًا في صحراء البلاد، فلما تم الفتح الإسلامي أعاده عمرو بن العاص، وأكرم نزله، وأعطاه عشرة آلاف دينار يصلح بها أمور أهل ملته!

لم يأمن القبط تحت حكم شركائهم في النصرانية، لخلافهم معهم في المذهب، ولم يعرفوا العدل والمرحمة إلا في ظلال الفاتح المسلم. ولا عجب أن نجد أعدادًا منهم ينضمون إلى جيش عمرو بن العاص في بقية مسيرة الفتح بعد بابليون، "فأصلحوا لهم الطرق، وأقاموا الجسور والأسواق، وصارت لهم القبط أعوانًا على ما أرادوه من قتال الروم".

ولا عجب أيضًا أن رأينا عمرو بن العاص يُجري فتح حصن بابليون سِلمًا بعدما أشرف الزبير بن العوام ومن معه على فتحه عنوة، وقد تكرر الأمر في فتح الإسكندرية - عاصمة البلاد المترعة بالذهب والفضة - التي تغري بالغنيمة، فأجراه صلحًا مقابل جزية معلومة. وصدق غوستاف لوبون حين استعرض مسيرة الفتوح الإسلامية، فقال بعد تطوافه بها: "لم يعرف التاريخ فاتحًا أرحم من العرب".

ولم يعرف التاريخ فاتحًا أعدل من الفاتح المسلم، ولا حاكمًا مثل عمر بن الخطاب، إذ شكا إليه شاب قبطي من ابن أميرها عمرو بن العاص لأنه ضربه بسوطه حين سبقه فرسه، وقال: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟ وانطلق الشاب القبطي حاملاً شكواه إلى عمر في موسم الحج، فأقام الخليفة عمرو بن العاص وولده على أعين الناس، وأعطى القبطي درَّته، وقال: اضرب ابن الأكرمين، فضربه، فقال عمر: جُلْ بها على صلعة عمرو، فإن ولده لم يضربك إلا بسلطان أبيه، فاستحيا القبطي وقال: قد ضربت من ضربني، فقال عمر: أما إنك لو فعلت ذلك ما حلنا بينك وبينه! وقال عمر كلمته الداوية التي صارت مضرب المثل في العدل والانحياز لحرية الإنسان: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟

وليس العجب هنا من عدل عمر، فقد سارت بذكره الركبان، بل من إدراك القبطي أن حقه مكفول في دولة الإسلام، فسار بقضيته يرفعها إلى أمير المؤمنين؛ ليقتص له في موسم الحج أمام الأشهاد بعد أشهر معدودات من فتح مصر.

وقد حدث قريب من ذلك في خلافة عمر بن عبد العزيز، إذ أرسلت إليه امرأة من أهل مصر تُدعى فرتونة السوداء - بأرض الجيزة - رسالة تشكو إليه أن سور حائطها قد انهدم، وأن دجاجها يُسرق. فأرسل إلى عامله على مصر يأمره: "أما بعد، فإن فرتونة السوداء كتبت إليّ تشكو هدم حائطها، وأنه يُسرق دجاجُها، فإذا جاءك كتابي هذا فاركب إليها بنفسك، وابنِ لها حائطها، وتحصّنه لها كما تحصّن حوائطك!" فامتثل الوالي لأمره، وخرج بموكبه إلى الجيزة، يسأل عن منزلها، وقام ببناء الحائط، وإصلاح شأنها، وأكرمها، وأعطاها من بيت المال ما يكفيها.

ولم يعرف الفاتحون قهر مخالفيهم ليدخلوا في الإسلام، فالله تعالى يقرر أنه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]، بل إن انتشار الإسلام في مصر هو دليل صدق على أنه دين إقناع وهداية؛ لا قهر وعسف، إذ كان انتشاره وئيدًا عميقًا، فلم يصبح أكثر أهل مصر مسلمين إلا بعد ثلاثة قرون في العصر الفاطمي.

وقد جعل إسلام أهل مصر منهم جزءًا من منظومة الأمة الواحدة، والحضارة الوارفة الممتدة في المشارق والمغارب، ليقوموا بدور خالد في التاريخ، فقاوموا العدوان الصليبي على مصر والشام، الذي عصف بالمسلمين ونصارى الشرق معًا، وفتح صلاح الدين - منطلقًا من مصر - بيت المقدس، واسترد المسجد الأقصى وكنيسة القيامة ومهد المسيح، وما زال عدله مع الصليبيين المهزومين مضرب المثل، ومثار الدهشة.

ومن مصر انطلق المماليك، فحطموا العدوان الهمجي للمغول، فكان في ذلك إنقاذ البشرية من شرهم.
وحملت مصر شرف مقاومة المد الصهيوني، وتصدى شعبها لتزييف الوعي الجمعي للأمة، ودعاوى التطبيع والاستخزاء. وما تزال قلوبهم معلقة بالقدس والمسرى ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].

كان لمصر دورها الماجد منذ فتحها، فمنها انطلقت جيوش الفتح تزيل مظالم الروم عن شمال إفريقية، وكانت قاعدة الفتح قبل بناء القيروان، ومدد الفاتحين بعد بنائها، ومنها نشر الأزهر رسالة الإسلام واللغة العربية إلى شتى ربوع الدنيا، وتجاور فيه رواق الشوام مع رواق المغاربة وسائر أروقة المجاورين من طلاب العلم، وكانت مصر مهبط العلماء الذاهبين من المشرق الإسلامي إلى إفريقية والأندلس، والقادمين منهما إلى المشرق للعلم والتجارة والحج، وطريق الحجاج وطلاب العلم من أواسط إفريقية وجنوبها وغربها إلى الحجاز والشرق. وبها استقر الشاطبي وابن خلدون والقرافي والقرطبي، وفيها نشر الشافعي وابن حجر وابن تيمية علومهم، وكانت ملجأ علماء بغداد بعد سقوطها بأيدي المغول، وعلماء الأندلس بعد ذهاب دولتهم على أيدي نصارى أوروبا. وفي ربوعها امتدت حركة الإخوان المسلمين لتبعث حمية الإسلام وفتوة الدين وخشوع العبادة ووسطية الفكر ونور الهداية، وكانت ملاذ طلاب الحرية الثائرين ضد الاستعمار في إفريقية وآسيا، وكانت دار الإخوان في القاهرة منبر قادتهم، وقبلة وفودهم.

لقد خسر العالم العربي والإسلامي كثيرًا بتراجع الدور المصري بما يمثله من رصيد استراتيجي وفكري جامع، وكان تقزيم ذلك الدور مقصد أعداء الأمة والماكرين بها، ولا ريب في أن استعادته مهمة النبلاء والمخلصين، ومصر قادرة بإذن الله على العودة لريادتها من جديد؛ لتكون كما كانت عماد فسطاط الإسلام، ومدار حضارته. فهذا قدرها وقدر أهلها، وقد عُرفوا عبر تاريخهم بروح الرباط والدفاع عن الأمة، وهم غيظ العداة، وأدب العصاة، والله لا يضيع أجر المحسنين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الثلاثاء 4 ذو القعدة 1447هـ؛ الموافق 21 أبريل 2026م