التاريخ : الجمعة 22 مايو 2026 . القسم : من أعلام الدعوة

من أعلام الدعوة.. الأستاذ عمر التلمساني.. مرشدٌ ومرحلة


مرشدٌ ومرحلة

الأستاذ عمر التلمساني هو المرشد الثالث لجماعة الإخوان المسلمين، والذي تولّى قيادة الدفّة في المرحلة الثالثة من مراحل الدعوة في الجماعة، حيث كانت المرحلة الأولى هي مرحلة التأسيس والانتشار الواسع في عهد الإمام حسن البنا، الذي أقام الجماعة ضرورةً لاستعادة عزة الإسلام بعد أن رأى الأمة الإسلامية تمرُّ بأحوالٍ غير مسبوقة، فقد غابت الكلمة الجامعة حيث سقطت الخلافة، وانقسمت الأمة، واستُبدلت الشريعة، وسيطر الاحتلال الأجنبي وأولياؤه على معظم البلدان الإسلامية، فهداه الله لأن يقيم صفًّا يفهم الإسلام ويتربّى عليه ويدعو إليه، فجاءت دعوته كلمةً طيبةً وروحًا تسري توقظ القلوب وتخاطب الفطرة وتصحح الفهم وتستثير الغيرة والحمية، فتجاوبت مع دعوته الجموع في المدن والقرى وأوساط الطلبة والشباب والفلاحين والعمال والمثقفين والعوام، فكأنَّ منطقها قد صادف قلبًا خاليًا فتمكَّنا.

وجاءت المرحلة الثانية، وهي محاولة إجهاض الدعوة، حيث كان القصر والإنجليز المحتلون يراقبون في تربُّصٍ هذه الروح الجديدة التي تسري في الناس، وقالوا في البداية: "ما عساه مدرس الخط أن يفعل"، حيث كانوا يسمون حسن البنا بهذا الاسم، ثم بدأوا ينتبهون لأشدّ ما يغيظهم من هذه الدعوة:

  1. الشمول الذي يهدم ما بذله أعداء الإسلام من جهود في عزل الدين عن الحياة وعن السياسة وحصره في المسجد فقط،
  2. والعالمية التي تهدم ما بذلوه من جهد في غرس نزعات عرقية وإقليمية وجغرافية علّها تحل محل الرابطة الإسلامية فتضعفها وتشتتها،
  3. والمرجعية التي عادت للكتاب والسنة، والتي تهدم ما فرضوه على شعوبنا من انبهار بكل ما يأتي من الغرب من أفكار وثقافات وتقاليد جعلوها كالمسلَّمات رغم ما تحمله أحيانًا من مخالفات لعقيدتنا وأصولنا وقيمنا،
  4. والترابط والأخوة التي تجمع القلوب في شتى البلدان على نصرة الله ورسوله، ذلك الترابط الذي يهدم كل ما بذلوه من وقائع ودسائس اتباعًا لسياسة "فرِّق تسُد"،
  5. والحكمة في الحركة دون إفراط أو تفريط، مما تتجاوب معه فطرة الناس وتأخذهم برفق وتدرج نحو التمسك بأصول معتقداتهم وأخلاقهم والاعتزاز بها.

حتى جاءت النكبة عام 1948 واحتلال جزء من فلسطين الحبيبة، فلم يسع الإخوان إلا المشاركة، وقد ضرب المجاهدون منهم أعظم الأمثلة في الفداء والتضحية شهد بها العدو قبل الصديق، وحينها بدأ العداء السافر من الإنجليز والعملاء، وتم اغتيال الإمام البنا، وبدأت مراحل المحن الأشد، فكانت هذه المرحلة الثانية من مراحل الدعوة في التضييق والسجون والإيذاء وتشويه الصورة والاتهامات والافتراءات، وكان مرشدها هو الإمام حسن الهضيبي، حيث كان مع إخوانه هضبةً شعارها الصبر والثبات والاحتساب والتصدي لفتنتين كبيرتين صاحبتا هذه المرحلة، وهما فتنتان متضادتان: التأييد والتكفير، فعصم الله سبحانه وتعالى الجماعة منهما.

ثم جاءت المرحلة الثالثة

ثم جاءت المرحلة الثالثة مع بداية السبعينيات من القرن الماضي، مرحلة تخفيف القبضة والانفتاح النسبي، وقد خرج الإخوان من السجون مع مرشد المرحلة الثالثة الأستاذ عمر التلمساني، يتلمسون طريقًا للملمة معايشهم وتضميد جراحهم واستئناف دعوتهم التي امتزجت بأرواحهم وآمالهم لنصرة دينهم، يتلمسون طريقًا صعبًا وعرًا، فكثيرٌ من الناس من حولهم، ومنهم أهلٌ وأحباب، إما نسيَهم أو تناساهم، أو أثَّرت افتراءات الإعلام فيهم وملأتهم بالريبة نحوهم.

فقاموا مع التلمساني يتلمسون الطريق في رويةٍ وأناة، وثقةٍ ويقين، واعتزازٍ وحكمة، وسعة صدر وتحمل، حتى إنه لما شكا بعض الإخوان إلى الأستاذ عمر ما تكتبه بعض الصحف من كلمات خارجة واتهامات كاذبة ضد الإخوان، يقول لهم: دعوهم.. يكفي أن اسمنا يُذكر بين الناس بعد غياب ولو بالسباب، والله تعالى سيظهر الحق.

يقول الأستاذ عمر وقتها:

"ران التعتيم الإعلامي على الإخوان من 1980، فأحببت أن أعيد الناس إلى التذكير بهذه الجماعة الطاهرة التي اجتمعت كل القوى المعادية للإسلام على مهاجمتها والتشهير بها بغير الحق، وكانت إرادة الله فوق كل إرادة، فما من محنة حلَّت بهذه الجماعة إلا خرجت منها أصلب عودًا، وأكثر عددًا، وأصدق عزمًا، وأصفى نيةً على مواصلة العمل في سبيل الله".

وقد كان للأستاذ عمر، والذي قضى في السجن ثمانية عشر عامًا صابرًا محتسبًا، صفاتٌ لازمة لهذه المرحلة، بعضها قد يبدو متعارضًا مع بعض:

سماحة وحياء شديد، ورقة وعفة وأدب، ولين مع قوة وحزم وجرأة في الحق.

وصدقٌ وتواضع وبساطة مع ثقة واعتزاز بالرأي.

كما تميز بالحلم وطول النفس، وبالانفتاح والتواصل مع الجميع، مع اعتزاز وعدم تنازل عما يراه من ثوابت دعوته.

وكانت له قدرة مميزة على الحوار والإقناع واحتواء معارضي الجماعة من التيارات العلمانية والإسلامية الأخرى في مصر، وكان متحملًا للإساءة، منصفًا لا يغفل عن أي حسنة رآها حتى في أشد معارضيه وظالميه.

وما إن مضت أيام وأعوام قليلة في ولايته، فإذا بصورة عن الإخوان في أذهان الكثيرين تعتدل، وإذا بإقبال من الشباب في الجامعات وخارجها يتسابقون للتعرف على الدعوة والالتحاق بها.

أولئك الشباب الذين لم يعاصروا دعوة الإخوان في مرحلتيها السابقتين إلا سماعًا واشتياقًا لرؤية من ظُلموا في عهد عبد الناصر، خاصة بعد نكسة 67، يُقبلون بحبٍّ وشغف على الأستاذ عمر الذي أُطلق عليه "مجدد شباب الجماعة"، والذي أعاد تنظيمها بعد خروج أعضائها من السجون في أيام السادات.

وإذا باسم الدعوة يعود للانتشار والانتصار ليس في مصر فقط، بل وخارجها في كافة الأقطار.

نجح المرشد مع إخوانه إلى حد كبير في إقامة جسور من التواصل والثقة والمودة مع جيل الشباب، وبخاصة طلاب الجامعات، وانفتح على المجتمع وتواصل مع الجميع على قواعد الحركة الإصلاحية التي تتضامن مع كافة أطياف المجتمع في نشر الإصلاح بين الناس.

صدقٌ في البيعة:

قال عمر:

"دعوة الإخوان أوجدتني من عدم، وجعلتني أفهم طعم الحياة، وأوضحت لي أن مهمة المسلم ليست مقصورةً على أركان الإسلام فحسب، ولكن علينا أن نفعل الخير بكل صوره، وأن نجاهد في سبيل إنقاذ الإنسانية من كل شرورها وما يحل بها.

إن الجهاد واسع الجنبات، ومن الجهاد الحسرة على ما وصل إليه حال المسلمين، ومن الجهاد الغيرة المؤرقة لتقبل هذا الضيم والسكوت عليه، ومن الجهاد الإنفاق من مالك ووقتك وصحتك فيما ينفع المسلمين، ومن الجهاد أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ومن الجهاد أن تحب المجاهدين وتدعو لهم إن قعدت عن مناصرتهم والعمل معهم".

مع الإمامين:

كان حبه وتقديره للإمام البنا والمستشار الهضيبي عظيمًا، يقول عن البنا:

"شخص كريم الأخلاق، ملأ بالأمل نفوسنا، وبالعزة مشاعرنا، وبالكرامة أحاسيسنا".

ويردد من كلمات البنا:

"إن مهمة المسلم أستاذية العالم، لا أستاذية تعالٍ وتسلط، ولكن أستاذية تربية وتوجيه".

ويقول:

"كان الإمام البنا متحدثًا بحكم عمله ومكانته، ولكن الأستاذ الهضيبي كان أميل إلى الصمت بحكم عمله ومكانته، فالقاضي يسمع أكثر مما يتكلم. كان البنا دائم الابتسام، ولكن الهضيبي بطابع كرسي القضاء كان صارم المظهر، وكان من أكثر دعائه: يا رب أهِّلني لطاعتك.

لقد كان فضل الله على الإخوان عظيمًا باختيار الأستاذ الهضيبي مرشدًا في تلك المرحلة التي تحتاج إلى الصبر والصمود والتحمل".

من فضل الله:

ويقول الأستاذ عمر: "من أعذب ذكرياتي وأغلاها أنني رأيتني، وعن طريق دعوة الإخوان المسلمين، شخصًا له وجود في هذه الحياة، ومن فضل الله عليَّ أنني ما كنت أشعر بضيق في السجن؛ إذ اعتبرته من أقدار الله التي لا تتخلف، وحمدت الله أن لطف بي في قضائه، فأُدخلت السجن في تهمة تشرفني وأعتبرها وسامًا على صدري، ولم أدخله في تهمة تمس شرفي أو تحط من قدري.

وأية قربى من الله أن أوذى في سبيله، وأنَّى لي ذلك لولا فضل الله وإقامته لي في هذا السبيل، إنها عزُّ الدنيا وسعادة الآخرة.

ومرت السنون وأمضيت من عمري سبعة عشر عامًا في السجون، ولست آسفًا على ما حدث، ولكني شاكر كل الشكر أن ثبتني الله على المحنة دون أن أحني رأسي لظالم".

خاتمة:

وبعد هذه المرحلة الثالثة جاءت مرحلتان: مرحلة الإجهاد في عهد مبارك، وهي دون محاولة الإجهاض في حالة عبد الناصر، وقد بدأت هادئة ثم اختتمت بالمحاكمات العسكرية وتزوير الانتخابات.

ثم تلتها المرحلة الحالية، وهي محاولة الاستئصال باستعداء الصهاينة والغرب والاستقواء بهما عليها، وكم يتحمل الظلم فيها إخواننا وأخواتنا خلف الأسوار وخارجها، بل والشعب المصري والأمة كلها.

ولكنها دعوة الله تعالى، ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الصف: 8]

 

الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الجمعة 5 ذو الحجة 1447هـ؛ الموافق 22 مايو 2026م