التاريخ : الثلاثاء 26 مايو 2026 . القسم : بيانات
رسالتي إلى الأحرار خلف الأسوار .. في عيد التضحية والفداء
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..
فيا إخوتنا الأحبة، ويا أصحاب البلاء الصادق، ويا من اصطفاكم الله لحمل الأمانة في زمن عزّ فيه الثبات..
كل عام وأنتم إلى الله أقرب، وعلى طريقه أثبت، وفي حفظه ورعايته وألطافه التي لا تنقطع..
تقبّل الله منكم صيام يوم عرفة، ورفع به درجاتكم، وأجاب دعاءكم، وكتب لكم من واسع فضله أجر الحاجّين والمضحّين، وبلّغكم مواسم الطاعات وأنتم في أتمّ حرية وعافية وكرامة بإذن الله تعالى.
أكتب إليكم في أيام إبراهيم الخليل عليه السلام؛ ذلك النبي الذي جعل الله سيرته مدرسة للصابرين، ومحرابًا للموقنين، وسلوى لكل من ضاقت به السبل، واشتدّت عليه المحن..
فما من ألمٍ مرّ به إلا جعله الله بعد حين شعيرة تُتلى، ونسكًا يُتقرب به، وذكرى خالدة تحيا بها قلوب المؤمنين إلى قيام الساعة.
لقد أُلقي إبراهيم في النار، فكانت بردًا وسلامًا..
وأُخذت منه زوجه قهرًا، فردّها الله إليه طاهرة محفوظة بعنايته..
وأُمر أن يترك وليده وفلذة كبده مع أمّه في وادٍ موحش لا ماء فيه ولا أنيس، فصار ذلك الوادي بعد صدقهما قبلةً لأفئدة العالمين..
ثم ابتُلي بأشد البلاء، حين أُمر بذبح ابنه بعد أن تعلّق به قلبه، وامتلأت به روحه..
فلما صدق الله في البلاء، جعل الله من ذلك الامتحان عيدًا للأمة، ونسكًا خالدًا، ورحمة تتردد أصداؤها في الأرض إلى يوم الدين.
وكأن الله سبحانه أراد أن يعلّم عباده أن الآلام العظيمة إذا صبرت عليها القلوب المؤمنة، تحولت في ميزان الله إلى آثار باقية، وأنوار هادية، وخير ممتد لا ينقطع..
فلولا أوجاع إبراهيم، ما ازدحمت أفواج الموحدين ببيت الله الحرام، ولا بقي هذا الميراث الإيماني العظيم شاهدًا على أن الصبر مع الصدق يصنع الخلود.
أحبتي الكرام..
والله إن للعيد في قلوبنا غصّة لا تخفى، وإن فرحتنا تبقى ناقصة ما دمتم بعيدين عن الأهل والأحباب..
فأنتم بهجة العيد الغائبة، وأنتم الدعاء الذي لا يفارق الأسحار، وأنتم الأمنيات المؤجلة حتى يأذن الله بلقياكم على خير.
ما مرّ ذكركم إلا خفق له القلب شوقًا، ولا حام طيفكم إلا واستيقظت في الروح معاني الوفاء والثبات..
ولو كان الأمر إلى مشاعرنا وحدها، ما اكتملت لنا فرحة، ولا اجتمع لنا عيد، إلا وأنتم بيننا، نأنس بوجوهكم، ونستظل بصبركم.
أما عن دعوتكم المباركة، فاعلموا ــ رحمكم الله ــ أن الله ما زال يفتح لها أبوابًا من فضله، ويهيئ لها من أسباب النهوض ما تتجدد معه الآمال كل يوم..
فما تمر بنا محنة إلا أعقبها لطف، ولا تضيق بنا السبل إلا فتح الله لنا من رحمته ما يدهش القلوب المؤمنة.
وإنّا لنرى في كل منحة يهبها الله لهذه الدعوة أثر تلك الدماء الزكية التي أريقت في سبيله، وتلك الأعمار التي بُذلت ابتغاء مرضاته.
ولولا ضيق المقام، لحدثتكم عن بشائر تشرح الصدور، وعن ميادين جديدة يفتحها الله لعباده الصادقين، وعن رجال ونساء يبعثهم الله لنصرة دينه من حيث لا يحتسب الناس.
وأما أنتم، فوالله ما غبتم عن دعاء، ولا عن سعي، ولا عن باب يُرجى أن يكون فيه فرج لكم إلا طُرق، ولا سبيل يُظن أن فيه منفذ إلى حريتكم إلا سلكناه، مهما اشتدت الخطوب، وعظمت التحديات، وتكاثفت الضغوط من كل صوب.
وقضيتكم ــ والله ــ في القلب قبل أن تكون في الميدان، وفي مقدمة الأولويات قبل كل شأن..
ونحن على يقين لا يتزعزع أن الله لن يترككم، وأن الفرج آتٍ بحوله، مهما تجبر الظالمون، ومهما ظن الطغاة أن الليل يطول بلا فجر.
فإذا أراد الله أمرًا، هيأ له من الأسباب ما تعجز عن إدراكه العقول، وساقه لعباده ولو كره المفسدون.
وأما أبناؤكم وأهلوكم، فاعلموا أن لهم في القلوب مكانًا عظيمًا، وأن إخوانكم ما زالوا يجتهدون في رعايتهم، وتقاسم همومهم، والسعي في كفايتهم، تأسّيًا بأخلاق المؤمنين الأوائل، واقتداءً بأهل الإيثار والنجدة الذين أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونسأل الله أن يعيننا على أداء بعض حقكم وحقهم، وإن كنا نعلم أن التقصير مهما بذلنا يظل حاضرًا في نفوسنا.
فقرّوا عينًا، واطمئنوا قلبًا..
فأنتم قد استودعتم أبناءكم الله أولًا، ثم تركتم وراءكم رجالًا ونساءً يحملون همّ الأخوة، ويجتهدون ــ على ضعفهم ــ أن يكونوا أوفياء لهذه الأمانة.
وفي الختام يا أحبة الصبر والثبات..
تقبّل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وجعل ما أنتم فيه رفعةً لكم في الدنيا والآخرة، وكتب لكم أجر الصابرين الصادقين، وأجر أجيال قادمة ربما لن تروا ثمارها بأعينكم، لكن الله يكتب آثارها في صحائفكم إلى يوم تلقونه.
فإبراهيم عليه السلام لم يرَ أفواج الحجيج التي ملأت الأرض تلبيةً لندائه..
وإسماعيل عليه السلام لم يشهد ملايين القرابين التي تُذبح كل عام إحياءً لصدق طاعته..
وهاجر عليها السلام لم تر الكعبة تُبنى، ولا سمعت الأذان يعلو من بطحاء مكة..
لكنهم صدقوا الله، فبارك الله في آثارهم، وأبقى ذكرهم، وجعل طاعتهم نورًا ممتدًا إلى قيام الساعة.
وكذلك أنتم ــ بإذن الله ــ يا أهل الصدق والثبات..
فما يضيع عند الله صبر، ولا يذهب عنده دم، ولا تخبو آثار التضحية إذا خالطها الإخلاص.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ هود ١١٥.
ثبّتكم الله، وآواكم، وحفظكم بعينه التي لا تنام، وفرّج عنكم عاجلًا غير آجل، وجمعنا وإياكم على خير وعافية وفتح قريب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم المحب
الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الثلاثاء 6 ذو الحجة 1447هـ؛ الموافق 26 مايو 2026م