التاريخ : الاثنين 15 يونيو 2026 . القسم : رسالة الاخوان
الهجرة النبوية وصناعة الأمل في زمن الأزمات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تطل علينا ذكرى الهجرة النبوية في عام هجري جديد (1448هـ)، لتجدد في الأمة معاني الثقة بالله، والإيمان بأن المستقبل لهذا الدين، واليقين بأن سنن الله ماضية لا تتبدل، وأن العاقبة للمتقين مهما اشتدت المحن وتعاظمت الخطوب.
ولقد كانت الهجرة في ظاهرها خروجًا من الوطن، لكنها في حقيقتها كانت ميلادًا لمرحلة جديدة من البناء والتمكين؛ انتقلت فيها الدعوة من الاستضعاف إلى إقامة المجتمع، ومن ضيق الحصار إلى سعة الرسالة، ومنها انطلقت أنوار الإسلام لتبلغ الآفاق. وهكذا تعلمنا الهجرة أن الأزمات ليست نهاية الطريق، وإنما قد تكون بداية التحولات الكبرى إذا اجتمع الإيمان والبصيرة وحسن الأخذ بالأسباب.
ورغم ما تمر به الأمة من تحديات، فإن أسباب الأمل ما تزال حاضرة؛ فالله سبحانه يجري سننه في التاريخ، ويهيئ من أسباب النهوض ما قد لا تدركه الأبصار لأول وهلة. ونشهد في واقعنا يقظة متجددة لدى كثير من الشباب، وعودة إلى القرآن والسنة، واعتزازًا بالهوية الإسلامية، وإقبالًا على العلم والعمل التطوعي وخدمة قضايا الأمة، كما تتسع في أنحاء العالم أصوات الأحرار المطالبة بالعدل والكرامة ورفض الظلم، مما يؤكد أن قيم الحق لا تزال حية في ضمير الإنسانية.
ومن هنا تعود إلينا ذكرى الهجرة؛ لا لنستعيد صفحات من الماضي فحسب، بل لنقرأ بها واقعنا، ونستلهم منها أسباب الصمود، وفقه البناء، والثقة بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد.
من الاستضعاف إلى التمكين
فالهجرة النبوية لم تكن مجرد انتقال من مكة إلى المدينة، وإنما كانت انتقال الدعوة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين. فبعد سنوات من التربية والإعداد، أقام رسول الله ﷺ في المدينة مجتمعًا جديدًا على أساس الإيمان والأخوة والشورى، ومنها انطلقت الدعوة إلى آفاق أوسع. وهكذا علمتنا الهجرة أن الرسالات العظيمة تحتاج إلى مقومات تحفظها وتمكن لها في واقع الناس.
الثقة بالله والأخذ بالأسباب
وقد حفلت الهجرة بمشاهد خالدة تجسد معاني الثقة بالله والأخذ بالأسباب. ولعل مشهد الغار يبقى من أبلغ مشاهدها دلالة على الثبات واليقين؛ فحين ضاقت الأسباب البشرية، وأحاط الخطر برسول الله ﷺ ورفيق دربه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، جاءت الكلمة الخالدة: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]، لتبقى رسالة لكل جيل بأن معية الله أقوى من كل أسباب الخوف والقلق، وأن المؤمن لا يفقد الأمل ما دام متوكلاً على ربه، آخذًا بالأسباب التي يملكها.
النصرة تصنع التحولات الكبرى
ومن الدروس العظيمة التي تؤكدها الهجرة أن الرسالات لا تقوم بالتضحية وحدها، بل تحتاج كذلك إلى النصرة والاحتضان. وقد هاجر المؤمنون الأوائل اختيارًا حفاظًا على دينهم وتمكينًا لرسالتهم حين ضاقت بهم السبل، فمدحهم الله وأثنى عليهم، وجعل هجرتهم من أجلِّ القربات.
أما إخراج الناس من ديارهم قهرًا وعدوانًا فهو جريمة أنكرها القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: 40]، ثم أعقب ذلك بوعد كريم: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾[الحج40].
ثم جاء الأنصار ففتحوا للمهاجرين القلوب والبيوت، وآثروهم على أنفسهم، فالتقت الهجرة بالنصرة، وقامت على هذا اللقاء دولة الإسلام الأولى، وخلد القرآن هذا النموذج الفريد بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
وهكذا تعلمنا الهجرة أن المؤمن قد يختار مفارقة وطنه لإقامة دينه وحفظ رسالته إذا انسدت السبل، كما تعلمنا أن التشبث بالأرض دفاعًا عن الدين والكرامة حق مشروع، وأن نصرة المظلومين وإيواء المستضعفين فريضة إيمانية ومسؤولية حضارية.
الصبر والثبات وصناعة النصر
ومن أعظم ما تكشفه الهجرة النبوية أن التحولات الكبرى لا تولد في أجواء الراحة، وإنما تصنعها النفوس المؤمنة التي تتمسك بمبادئها وتواصل رسالتها مهما تعاظمت التحديات.
لقد أوذي رسول الله ﷺ وأصحابه، وحوصروا وأخرجوا من ديارهم، ومع ذلك لم تضعف ثقتهم بوعد الله ولم يساوموا على رسالتهم. وكانوا يدركون أن الدعوات العظيمة لا يحملها إلا أصحاب النفوس المؤمنة الصابرة، وأن السلامة الشخصية لا ينبغي أن تكون غاية تقدم على أداء الواجب.
وإذا كانت الأمة اليوم تشهد صورًا من السجن والملاحقة والابتلاء بسبب التمسك بالدين أو الدعوة إلى الإصلاح، فإن عليها أن تتذكر أن هذه الطريق ليست جديدة على أمة الإسلام، فقد سار فيها الأنبياء وأتباعهم حتى أذن الله بالنصر والتمكين، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
وكان رسول الله ﷺ يغرس في نفوس أصحابه الأمل في أحلك الظروف بقوله: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا«.
نحو نهضة متجددة
وكما علمتنا الهجرة الصبر على التحديات، علمتنا كيف نحول الأزمات إلى فرص للبناء والنهوض. فقد جمع رسول الله ﷺ بين قوة الإيمان وحسن التخطيط والأخذ بالأسباب، ومن هنا فإن الأمة أحوج ما تكون إلى البصيرة وحسن قراءة الواقع حتى لا تستنزف طاقاتها في معارك جانبية.
ولذلك ينبغي أن يكون كل عام هجري جديد بداية هجرة متجددة: من اليأس إلى الأمل، ومن التفرق إلى الوحدة، ومن السلبية إلى العمل، ومن انتظار التغيير إلى المشاركة في صناعته.
ولقد صدق الإمام حسن البنا رحمه الله حين أوصى أبناء دعوته في رسالة بين الأمس واليوم: «وتحابوا فيما بينكم، واحرصوا كل الحرص على رابطتكم فهي سر قوتكم وعماد نجاحكم، واثبتوا حتى يفتح الله بينكم وبين قومكم بالحق وهو خير الفاتحين«.
خاتمة
إن الهجرة تعلمنا أن الدعوات لا تموت بالأزمات، وإنما تموت إذا فقدت يقينها برسالتها. وما أحوج الأمة اليوم إلى أن تستلهم روح الهجرة ومقاصدها، فتجدد إيمانها، وتوحد صفها، وتمضي في طريق البناء والإصلاح بثقة وأمل.
وإذا كانت الهجرة النبوية قد علمتنا أن المؤمن قد يهاجر مختارًا حفاظًا على دينه ورسالة أمته، فإنها تعلمنا كذلك أن التمسك بالأرض دفاعًا عن الدين والكرامة حق مشروع، وأن التهجير القسري الذي يفرضه المحتل ظلم يرفضه الإسلام ويدينه القرآن. ومن هنا فإن ثبات أهل فلسطين وصبرهم ورباطهم في أرضهم صورة مشرقة من صور الصمود المشروع، كما أن نصرتهم والوقوف معهم امتداد لمعنى النصرة الذي قامت عليه دولة الإسلام الأولى.
ونسأل الله تعالى أن يجعل هذا العام الهجري الجديد عام فرج للأمة، وأن يثبت أهل فلسطين وغزة، وأن يرد عنهم العدوان، ويحفظهم من التهجير القسري، وأن يحقق لهم وعده بالنصر والتمكين، وأن يجعل من صبرهم وثباتهم بداية مرحلة جديدة من مراحل العزة والنهضة، كما كانت الهجرة بداية عهد جديد للمسلمين.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
الله أكبر ولله الحمد
الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الاثنين 29 ذو الحجة 1447هـ؛ الموافق 15 يونيو 2026م