التاريخ : الأربعاء 09 سبتمبر 2026 . القسم : مقالات وآراء

السعودية والإخوان وإعادة بناء التوافقات الاستراتيجية


جذور العلاقة: من التأسيس إلى التحالف

في عام 1936 كان اللقاء الأول لمؤسس الدولة السعودية وأول ملوكها عبد العزيز آل سعود ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين الإمام حسن البنا، لوضع أسس العلاقة بين الدولة والجماعة، والتي بدأت "رسمية"، وشكل اللقاء اعترافًا بأهمية كل منهما للآخر، في مرحلة تاريخية شديدة الأهمية في عمر العالم الإسلامي، وخاصة بعد سقوط الدولة العثمانية، والتغلغل الصهيوني في الأراضي الفلسطينية، وسياسات الانتداب البريطانية والفرنسية في العراق والشام، وتحرك العالم نحو حرب عالمية ثانية طاحنة.

وبعد انقلاب 1952 وسقوط الملكية وإعلان الجمهورية في مصر، بدأت مرحلة التحالف الوثيق حيثوجد كل طرف من الطرفين أن التحالف يُحقق له مصلحة خاصة، فقد وجد الإخوان في الدعمالسعودي مخرجًا من اضطهاد نظام عبد الناصر، ووجدت السعودية في الإخوان حليفًا قويًا لمواجهة المد القومي العربي الناصري الذي رأته حاملًا بذور الصراع معها سياسيًا ودينيًا، وتوافق هذا التقارب في توقيته، مع طبيعة الصراع على قمة النظام الدولي خلال مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، وبين السعودية المدعومة من الغرب الأميركي ومصر المدعومة من الشرق السوفيتي.

ولكنني سأقفز على كل المراحل التاريخية للعلاقة منذ 1936 وما شهدته من نجاحات أو انكسارات، وأقف عند المرحلة الراهنة حيث يمر العالمان العربي والإسلامي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين بمرحلة إعادة تشكيل عميقة لمصادر القوة والتهديدات وأنماط التحالفات، لم تكن هذه المرحلة وليدة طوفان الأقصى الذي قامت به حركات المقاومة الفلسطينية تجاه الكيان الصهيوني في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وإن كان محركها الرئيس، ولكن يمكن النظر إليها في إطار سياق أكبر يبدأ مع أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، والحرب الأميركية ضد العالم الإسلامي، ثم الغزو الأميركي لأفغانستان 2001، والغزو الأميركي للعراق 2003، وموجات الربيع العربي 2011، وصولًا إلى الطوفان 2023، والعدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران 2025 / 2026.

وفي قلب كل هذه التحولات كانت السعودية، نظامًا ودولة حاضرة، وكان الإخوان المسلمون، جماعة وتنظيمًا أيضًا حاضرة، في إطار النظر إلى الطرفين باعتبارهما من أهم أطراف المعادلات الإقليمية في المنطقة منذ تأسيس الإخوان 1928 الذي سبق تأسيس المملكة عام 1932.

تحولات البيئة الإقليمية وإعادة تعريف العلاقة

وفي إطار هذه الرؤية الممتدة للربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وما انتهينا إليه من تحولات وتداعيات في العام 2026، يمكن القول إن التحالفات والشراكات والاتفاقيات السياسية والأيديولوجية التي حكمت العلاقات الإقليمية خلال العقود السابقة لم تعد كافية لتفسير المصالح الجديدة أو بناء ترتيبات استراتيجية شاملة لأمن واستقرار الدول العربية والإسلامية، وبالتالي فإن التعامل مع العلاقة بين المملكة العربية السعودية وجماعة الإخوان المسلمين من خلال ثنائية "العداء أو المصالحة"، قد يحول دون الوقوف على متطلبات المرحلة الراهنة، وما تفرضه على الطرفين من ضرورات للتوافق، ولا سيما إذا كان الطرفان يواجهان بيئة إقليمية تتزايد فيها التهديدات العابرة للحدود، وتتعقد فيها ملفات الأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتتراجع فيها جدوى الاعتماد على أدوات المواجهة المنفردة.

وتأسيساً على ذلك، فإن طرح فكرة إعادة هندسة الشراكة بين الطرفين، ليس فكرة خيالية أو غير واقعية، ولكنها، في ظل التحولات الراهنة، تفرض على الجميع إعادة تعريفها وفق المصالح الاستراتيجية ليس فقط لطرفي العلاقة، ولكن لكل شعوب العالمين العربي والإسلامي، بحكم الأهمية والمكانة التي يتمتع بها الطرفان، عربيًا وإسلاميًا، بغض النظر عن كل ما تعرضت له الجماعة من تحديات وأزمات واستهدافات ممنهجة في مرحلة ما بعد الانقلاب العسكري في مصر، يوليو 2023.

الأمن القومي وإعادة ترتيب الأولويات

ومن هنا ينبغي أن ينطلق أي تصور لإعادة هندسة هذه العلاقات من مبدأ إعادة ترتيب الأولويات؛ بحيث يصبح الأمن والاستقرار والمصالح المشتركة المدخل الرئيس للعلاقة، بدلًا من استدعاء الملفات التاريخية باعتبارها محددًا نهائيًا لإمكاناتها، وهو ما يتطلب تجاوز كل سلبيات الربع الأول من القرن الحادي والعشرين في مسار هذه العلاقة، بداية من تصريحات وزير داخلية المملكة نايف بن عبد العزيز عن الإخوان عام 2002، والتي جاءت في سياق حواره مع صحيفة السياسة الكويتية، أو تصنيف السعودية للإخوان جماعة إرهابية، عام 2014، أو إعلان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن سعيه لاستئصال الإخوان عام 2018، أو حتى ترحيب السعودية بالتصنيف الترامبي للإخوان عام 2026.

إن ما تواجهه المملكة من تحديات حقيقية أثرت عليها في كل ملفات أمنها القومي، في ظل تدهور الأوضاع في اليمن والسودان والعراق والصومال، وهي دوائر تشكل أمنها القومي، من ناحية، ومع تصاعد التوتر بين السعودية والإمارات من ناحية ثانية، وبين السعودية والنظام المصري من ناحية ثالثة، وكذلك تداعيات العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران وانعكاساته على الأمن القومي السعودي بل والخليجي، من ناحية رابعة، وحروب الهيمنة والتوسع والإبادة التي يشنها الكيان في فلسطين ولبنان وسوريا، والتي ستصل في مرحلة من مراحلها إلى السعودية من ناحية خامسة. كلها عوامل تدفع، بل تفرض على السعودية إعادة النظر في تحالفاتها الاستراتيجية الحقيقية والجادة وليس فقط التحالفات "الإعلامية" و"السياسية الهشة" التي تأتي كردود أفعال لأزمات وصراعات وليس عن رؤية حقيقية للواقع والمآلات.

وإذا كان الإعلان عن توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا في السابع من أغسطس/ آب 2026، يشكل خطوة رمزية تحتاج خطوات فاعلة للبناء عليها، فإن الطرف الآخر شديد الأهمية، الذي يجب على هذه الأطراف الثلاثة التفكير في إعادة هندسة العلاقات الاستراتيجية معه هو "الإخوان المسلمون".

من فجوة الثقة إلى الشراكة الاستراتيجية

وإذا كانت فجوة الثقة المتراكمة بين الطرفين خلال العقود الماضية تشكل تحديًا، فإن هناك الأزمة نفسها موجودة بين السعودية وتركيا منذ تأسيس المملكة، وشهدت علاقة الطرفين العديد من الأزمات والتحديات والتهديدات، ولكن هذا لم يمنع من الوصول إلى توقيع اتفاقية مكة 2026، وبالتالي فإن الانتقال من حالة الصراع أو القطيعة إلى بناء شراكة استراتيجية يحتاج إلى بناء تدريجي للثقة، وخاصة أن الأرضية التي يحتاج إليها هذا البناء موجودة بالفعل، وأكاد أجزم بشكل شخصي، وبناء على العديد من اللقاءات المباشرة مع شخصيات محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، وعبر متابعة دقيقة لعشرات البيانات والتصريحات الرسمية التي صدرت عن الجماعة خلال ربع القرن الأخير، أن المملكة لها مكانتها الكبيرة وتقديرها الكبير عند الجماعة، وكان أحد أهم مؤشرات هذه المكانة، على سبيل المثال وليس الحصر، أنها كانت الوجهة الأولى لأول زيارة للرئيس المصري المنتخب الدكتور محمد مرسي، وكذلك حرصه ودعوته إلى بناء تحالف رباعي يضم مصر والسعودية وتركيا وإيران لتسوية أزمات المنطقة.

وفي المرحلة الراهنة، وإذا كان البعض يرى استحالة إعلان "تحالف سعودي – إخواني"، في ظل ما يفرضه المتغير الأميركي من ضغوط على أطراف المنطقة، وما يذهب إليه البعض من وجود "ضعف وهشاشة في بنية الجماعة" وبالتالي يذهبون للقول بأن تبدأ العلاقة بإعادة تعريف دوائر المصلحة المشتركة، وحوارات معمقة حول قضايا الأمن الإقليمي، والاستقرار الاجتماعي، ومواجهة المشروعات التوسعية في المنطقة، ثم يتطور بصورة تدريجية، وفق مدى زمني واضح، ثم الانتقال إلى الاحتواء المتبادل بحيث تعيد المملكة تقييم الجماعة ودورها، وتُعيد الجماعة تعريف علاقتها بالمملكة على أساس احترام خياراتها السيادية وتعزيز أمنها ومصالحها، بما يخلق تراكمات إيجابية يمكن أن تؤسس، على المدى الأبعد، لترتيبات أكثر استقرارًا.

ضيق الوقت وضرورة بناء الرافعة المشتركة

إلا أنني أختلف مع هذا الطرح، وأعتقد أن الطرفين ليس لديهما رفاهية الوقت لإعادة بناء الشراكة، وإذا كان البعض يقول إن هناك "ضعف وهشاشة في بنية الجماعة" فإن هناك أيضًا "ضعف وهشاشة في بنية المملكة"، والجماعة بحضورها وقواعدها وقدراتها يمكن أن تشكل حاضنة شعبية تكون بمثابة رافعة استراتيجية لسد جانب من الضعف والهشاشة في بنية المملكة، وفي المقابل فإن المملكة بمكانتها الدينية وقدراتها الاستراتيجية يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لسد جانب من الضعف والهشاشة في بنية الجماعة.

المرحلة الراهنة لا تحتاج إلى مزيد من المزايدات، والرهانات الخاسرة، التي سبق تجريبها خلال عقود وثبت فشلها، كان النظام السعودي يؤدي فيها أدوارًا وظيفية جاءت في النهاية على حساب الأمن القومي للمملكة، بدليل ما تعاني منه اليوم.

إن شراكة السعودية والجماعة لا يجب النظر إليها بالمطلق على أنها من باب "المناكفات السياسية" هنا أو هناك أو مع هذا أو ذاك، ولا يجب النظر إليها بالمطلق على أنها استعداء لنظم وحكومات، ولكن من باب أن هناك مخاطر كبرى تهدد العالمين العربي والإسلامي، وفي مواجهة هذه المخاطر يجب إعادة بناء العلاقات بين الروافع الأساسية التي يمكن أن تتصدى لهذه المخاطر، وفي مقدمة هذه الروافع "السعودية دولة ومكانة" و"الإخوان جماعة وتنظيمًا".

من المصالحة إلى إعادة بناء العلاقة الاستراتيجية

ومن هنا لا ينبغي أن يكون السؤال الرئيس في هذه المرحلة: "كيف تتجاوز السعودية وجماعة الإخوان خلافاتهما القديمة؟" بل: "كيف يمكن تحويل تغير طبيعة التهديدات الإقليمية والمصالح المشتركة إلى إطار جديد للعلاقة يجعل الخلافات التاريخية قابلة للإدارة؟"

وبالتالي الانتقال من منطق المصالحة بين الطرفين إلى منطق إعادة بناء علاقة استراتيجية بين فاعلين رئيسيين، يمكن أن تعيد تشكيل المنطقة، في ظل ما يواجهها من مخططات تستهدف أمن شعوبها ومقدراتها وثرواتها

تنويه: مقال الرأي يعبر بالأساس عن كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن المجلة أو جماعة الإخوان المسلمين