التاريخ : الجمعة 11 سبتمبر 2026 . القسم : مقالات وآراء

التحرر من التبعية الاقتصادية.. واجب الوقت وحق الأمة


لقد استُدرجت الأمة منذ عقود إلى أن تتخلى عن دورها في العمارة والعبادة لله على الوجه الصحيح، حتى أصبحت عالةً على غيرها من الأمم في جُلِّ شيء، وأصبح من أهم معالم ضعف الأمة الإسلامية تبعيتُها لغيرها من الأمم.

كنا نقول منذ عقود: التبعية للغرب، ولكن، للأسف الشديد، أصبحت تبعية الأمة الإسلامية للغرب والشرق معًا.

ولكن التاريخ علَّمنا أن الأمة الإسلامية تمرض، ولكنها لا تموت، وهناك متطلبات كثيرة لكسر طوق تبعية الأمة الإسلامية للخارج؛ منها ما يلزم الأفراد والجماعات، ومنها ما يلزم الدول والحكام. وفي سطور سريعة أتناول بعض المحاور المرتبطة بالاقتصاد والتنمية على طريق التحرر من التبعية، لعل فيها ما يفيد.

أجندة مقترحة

• لا تكن عبدًا للمال، اكتسبه من حلال، وضعه فيما ينفع الناس، واحرص على أن يكون مجرد وسيلة لتحرير الناس من رِقِّ العبودية لغير الله. واعلم أنك ستُسأل عن المال مرتين؛ مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ».

• رتِّب إنفاقك للضروريات، ثم الكماليات، وحاول قدر المستطاع الابتعاد عن التحسينيات؛ فالأمة لديها عجز كبير في توفير الضروريات لكثير من أفرادها، كما أنها تمر بأزمات سياسية واجتماعية وثقافية تستأهل منا حسن توظيف الموارد. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ، وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ». ومما يؤسف له أن أموال المسلمين تستثمرها الحكومات في شراء الأندية الرياضية للدول الغربية، ودور السينما، والمدن الترفيهية، بينما هذه الدول نفسها تستورد السلاح والدواء والغذاء، وتعجز عن حماية نفسها.

• لا تكنز المال، وعليك باستثماره إن كنت من أهل الخبرة والتخصص، وإن لم تكن كذلك، فشارِكمن ترى فيه الأمانة والقدرة على حسن إدارة المال. فإن لم تُوفَّق إلى الأولى أو الثانية، فادفع بمالك إلى مؤسسات الادخار التي تحرص على استثماره وفق قواعد الشريعة، وفيما ينفع الناس. وقد حذَّرنا الله سبحانه وتعالى من كنز المال وحبسه عما ينفع الناس، فقال: ﴿وَالَّذِينَيَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

• ابتعد عن الحرام والمعاملات المشبوهة، وعن أكل أموال الناس بالباطل أو ظلمهم؛ فالعبرة أن تدل الناس على الخير، لا أن تلج أبواب الحرام والشبهات. وكلما اعترضتك مسألة أو معاملة مالية جديدة أو مستحدثة، ولا تعرف حكمها الشرعي، فسارع إلى سؤال من تثق في دينه. ولا يغرنَّكسهولة المعاملات المحرمة والمشبوهة؛ فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ».

• لا تكن جزءًا من مشروع الغرب أو الشرق، وكن كما أرادك الله عز وجل معمِّرًا للكون، منتجًا لاحتياجاتك بالتعاون مع إخوانك، ورتِّب أولوياتك حسب إمكاناتك. تذكَّر دائمًا أنه لا يليق بالأمة المسلمة أن تكون عالةً على غيرها، ويجب أن نكون فاعلين ومفيدين للإنسانية جمعاء. ومما يُروى عن الفيلسوف المسلم محمد إقبال أنه عندما عاد من بريطانيا بعد بعثة دراسية، ولم يتأثر بعاداتهم وتقاليدهم، واحتفظ بعقيدته وأخلاقه مسلمًا، سألوه: لِمَ لم تتأثر بحياة الغرب، وعُدتكما ذهبت؟ فقال: «لقد اكتحلت عيناي بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم».

• اسعَ إلى فتح باب العمل، وتوفير فرصه للعاطلين، وحماية العاملين، وتوفير بيئة العمل المناسبة لهم، ولا بد أن يشاركوك في رسالتك لتحرير الأمة من التبعية. وما أحوجنا اليوم إلى تعليمالتكنولوجيا لأبنائنا! وقد سررت غير مرة، وأنا أطالع منشورات بعض أبناء أمتنا على وسائل التواصل الاجتماعي، بأن بعضهم أتاح جميع الدورات التدريبية في مجالات اللغات والتكنولوجيا والإدارة والمحاسبة مجانًا. وأنا لا أطالب الجميع بأن يفعلوا هذا، ولكنني أشكر من فعل. وعلينا أن ننفق كثيرًا من أجل تعليم أبناء أمتنا وتدريبهم، وأن نحسن توظيف الصدقات لتحويل الفقراء والمحتاجين إلى عاملين ومنتجين؛ ليخرجوا من دائرة الأخذ إلى دائرة العطاء.

• لقد اجتهدت العولمة الرأسمالية في تحويلنا إلى آلة استهلاكية، وأصبحنا نحرص على اقتناء كل جديد، والأصل أن تقتني من الأشياء ما يساعدك على قضاء حوائجك، أما سيرك خلف منتجات العولمة التي لا تحتاج إليها فيوقعك في دائرة الإسراف: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.