التاريخ : الجمعة 11 سبتمبر 2026 . القسم : مقالات وآراء

مصر التي في السجون


منذ وقوع انقلاب الثالث من يوليو 2013 المشؤوم، تولَّد لديَّ شعور بدأ يتزايد مع مرور الوقت بأن الاعتقالات التي يقوم بها نظام الجنرال السيسي ليست اعتقالات على خلفية سياسية، كما جرى في العصور المارشالية التي سبقته منذ يوليو 1952؛ فقد كانت الاعتقالات تُعرَف بأنها مجرد «قرصة ودن» للحد من النشاط المتزايد لجماعة الإخوان المسلمين والمعارضة عمومًا، وكانت هذه الفترات لا تتجاوز ستة أشهر أو أقل، ثم يُفرَج عن المعتقل ليعود إلى عمله وبيته، وإن كان على ذمة قضايا مفتوحة لا تُغلَق إلا بموت الحاكم. اليوم، ومنذ انقلاب 3 يوليو 2013، تراءى لي ولكثيرين أن الاعتقالات حملات انتقامية غير مؤقتة بوقت ولا محددة بزمن؛ أي اعتقالات مفتوحة إلى أن يشاء الله. وهذا الأمر لفت نظري بشدة؛ إذ إن الاعتقالات في مجملها ليست مصحوبة بمحاكمات تقرر مصير المعتقل، وإن حدثت فالمحاكمات تتم عن بُعد، وكثير منها ليس حضوريًّا، وأغلبها بلا شهود، ولا يُسمَح فيها للمحامين بالحضور، بل هي مجرد جلسات تُعقَد عبر دوائر تلفزيونية، لا يرى المعتقل فيها القضاة ولا المحامي، إن سُمح له بالحضور. ومجمل هذه المحاكمات صوري بحت، لأجل التسويق السياسي خارج البلاد؛ أي إنها محاكمات «كده وكده» أو «فالصو».

خلف القضبان يقبع عشرات الألوف من الأبرياء الذين لم يأتِ دورهم في المحاكمة، بالمخالفة للقانون الذي دُهِس -هو الآخر- تحت عجلات المدرعات يوم الانقلاب المشؤوم، وما تبعه من مجازر شاركت فيها قوات الجيش والشرطة؛ مما جعل الأمر برمته، من اعتقالات ومحاكمات، مجرد مسرحية هزلية غير مضحكة، مع الأسف.

غياب المحاكمات، أو وجودها بصورة كوميدية، ليس هو الأمر الأهم في الموضوع؛ فالأهم معاناة المعتقلين والمسجونين خلف القضبان، وتعرُّضهم لشتى أنواع الإهانة والتعذيب وسوء المعاملة وأقساها، كما لو كانوا أسرى حرب في معركة مع العدو الذي احتل أرضنا وقتل أسرانا أحياء في سيناء، في معركة الساعات الست، أو النكسة كما كان يسميها المنتكسون حتى يهربوا من وصفها بالهزيمة المذلة.

أوضاع المعتقلين في سجون الطاغية الجنرال تشبه تمامًا أحوال «الأسرى» لدى العدو، أو هكذا أراد السيسي تصويرهم: «أسرى» لدى العدو الذي انتصر عليهم. وبالتالي، وكما قال لعبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل: «دول أمن قومي»، فإنه يحتفظ بهؤلاء لا بوصفهم معتقلين يخضعون للقانون، بل بوصفهم أسرى حرب شنَّها على من كان يحكم البلاد باسم الشعب وبإرادته؛ لكي يحكم هو من دون إرادة شعبية أو رغبة منها.

حين ارتفع صوت الضمير في مصر مطالبًا بالإفراج عن المعتقلين، ردَّ الجنرال على هذه المطالب بتخويف الشعب من الإفراج عنهم، وقال: «أنا مستعد أفرج عنهم، بس ما تسألونيش عن حاجة بعد كده». وهذا يعني أنه يعترف بأنهم ليسوا معتقلين أو مواطنين عاديين يجب أن يُحاكَموا أمام قاضيهم الطبيعي، بل أسرى يخضعون لمساومة سياسية قد لا تحدث ما دام في الحكم؛ لأنها مسألة أمن قومي، كما قال.

ما هو أسوأ من الاعتقالات التي تخطت المائة ألف، ومن بينهم أطفال ونساء ورجال تجاوزوا الستين والسبعين وحتى الثمانين عامًا، هو الموت البطيء الذي ابتكره نظام الانقلاب ويطبقه حرفيًّا. صحيح أنه بطيء، لكنه مستمر ولافت للنظر؛ فأعداد الشهداء في السجون تجاوزت ألفًا وأربعمائة شهيد، وهو رقم كبير، بمعدل يصل إلى مائة وعشرة شهداء سنويًّا؛ أي شهيد كل ثلاثة أيام. كلهم ماتوا ببطء خلف القضبان، وكان يمكن إنقاذهم لو توفرت النية، لكن النية المتوفرة حاليًّا هي القضاء عليهم قضاءً مبرمًا. ولو كانوا معتقلين سياسيين بالمعنى الحقيقي للخصومة السياسية، لتمت محاكمتهم، ولانتهت فترة حبسهم الاحتياطي، ولما تعرضوا وذووهم للتنكيل ليل نهار.

أسوأ ما في المشهد ليس احتجاز أو اعتقال أو أسر من يظنهم الانقلاب أعداءً للنظام، بل الجريمة التي يرتكبها النظام هذه الأيام، وهي اختطاف أقارب المعارضين، خصوصًا المقيمين في الخارج. فبعد ثلاثة عشر عامًا من الحكم، لا يزال رأس النظام وزبانيته يطاردون الساسة والناشطين، ويختطفون أقاربهم كأسرى لإجبار المعارضين على التوقف عن معارضتهم. وهذا، لعمري، أمر مشين ومهين، فضلًا عن كونه جريمة حرب يعاقب عليها القانون الدولي الغائب مؤقتًا هذه الأيام؛ لكنه، حتمًا، لا بد له من عودة، وساعتها ستُفتَح ملفات الاعتقالات والأسرى والمختطفين، إن شاء الله.

ما يوجع القلب ويدميه هو مطالبة بعض من هانوا فسهل الهوان عليهم بأن يتنازل المعارض، إخوانيًّا كان أم غير إخواني، عن قضيته، وأن يسلِّم بأحقية النظام وصواب كل ما قام به، وأن يتهم نفسه بأنه لم يكن على صواب حين قرر المشاركة في إسقاط الطاغوت مبارك، وفي اختيار أول رئيس مدني في تاريخ مصر. المطلوب، من وجهة نظر هؤلاء المنبطحين، أن نعترف جميعًا بأننا أجرمنا حين قمنا بالثورة، وأجرمنا أكثر حين واجهنا الانقلاب، ولا نزال نواجهه ونصدع بكلمة الحق إنقاذًا لإخوتنا وأهلينا. يظن هؤلاء أننا في مواجهة خصم سياسي شريف، أو حتى غير شريف، بينما نحن نواجه من يرانا أعداء له وخصومًا إلى يوم الدين أو يوم النصر، أيهما أقرب.

اختطاف المواطنين أو أسرهم وأسر ذويهم ليس عملًا سياسيًّا، بل جريمة منظمة تشبه جرائم عصابات المافيا وتجار المخدرات. لذلك، أرجو أن ننتبه إلى القصة، ونعيدها إلى جذورها، ونسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية؛ فليس في مصر اليوم معتقلون، بل أسرى حرب يشنها الانقلاب على الشعب المصري.
والله المستعان.