التاريخ : الجمعة 11 سبتمبر 2026 . القسم : خلاصات الكتب

عرض كتاب "الزور السياسي: رؤية حضارية إسلامية"


تأليف: الدكتور يحيى سعد فرحات
يقدّم الدكتور يحيى سعد فرحات في كتابه "الزور السياسي: رؤية حضارية إسلامية" دراسةً تتجاوز النظر إلى الزور بوصفه مجرد كذب في الخطاب السياسي أو وسيلة من وسائل الدعاية والتضليل، لتتعامل معه باعتباره ظاهرة سياسية وحضارية مركبة تمسّ الإنسان في وعيه، والمجال العام في قيمه، والدولة في شرعيتها ومؤسساتها، والعمران في أسباب بقائه واستقراره.

ويكتسب الكتاب أهمية خاصة من كونه جاء بتقديم الأستاذ الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، أستاذ النظرية السياسية والفكر السياسي الإسلامي، الذي أشاد بالكتاب ومؤلفه، واعتبره إضافة أصيلة إلى الفكر السياسي الإسلامي، ورأى فيه إسهامًا مهمًا يسد فجوة في المكتبة السياسية والحضارية الإسلامية. وتأتي هذه الإشادة لتؤكد القيمة العلمية للمشروع الذي يقدمه المؤلف، لا بوصفه مجرد معالجة لظاهرة سياسية عابرة، وإنما باعتباره محاولة لبناء مفهوم وتحليل وإطار نظري جديد لظاهرة شديدة الحضور في الواقع السياسي المعاصر.

وينطلق الكتاب من ملاحظة أساسية مؤداها أن أخطر الأزمات التي تصيب الأمم ليست بالضرورة تلك التي تظهر في صورة حروب أو اضطرابات أو انهيارات اقتصادية، وإنما تلك التي تتسلل إلى العقول فتغيّر معايير الإدراك، وتخلط بين الحقيقة والزيف، وتجعل الباطل يبدو في صورة مقنعة، بحيث يصبح تضليل الإنسان وإدارة المجال العام من خلال صناعة الروايات الزائفة جزءًا من بنية الحياة السياسية.

ومن هنا لا ينظر المؤلف إلى الزور السياسي باعتباره حادثة عابرة أو انحرافًا في الخطاب، وإنما باعتباره منظومة لإعادة تشكيل الوعي، وصناعة الصور الذهنية، وتوجيه الرأي العام، وإضفاء الشرعية على الباطل، وتبرير الظلم، وإخفاء الفساد. فالزور، حين يتحول إلى منهج في التفكير وأداة في الحكم وثقافة في المجتمع، لا يفسد خبرًا أو موقفًا فحسب، بل يعيد تشكيل الوعي، ويقلب موازين القيم، ويهدم الثقة، ويعطل الإصلاح، ويقود المجتمعات تدريجيًا إلى التراجع والاضطراب والانهيار.

ولادة الفكرة
لم تولد فكرة الكتاب من الانفعال بحدث سياسي عابر، وإنما تبلورت عبر مسار فكري وبحثي ارتبط في بدايته باهتمام المؤلف بالتربية السياسية وبالعلاقة بين الشعائر التعبدية وبناء المنظومة الأخلاقية والسلوكية، ثم قاده التأمل في مفهوم الزور إلى التساؤل عن امتداده من المجال الفردي إلى المجال العام، وعن الكيفية التي يمكن أن يتحول بها الزور من سلوك فردي إلى ظاهرة سياسية ذات آثار واسعة في حياة الجماعات والدول. ومن هنا يبدأ المؤلف بتأصيل مفهوم الزور لغويًا وقرآنيًا ونبويًا وشرعيًا، قبل أن ينتقل إلى صورته الخاصة في المجال السياسي.
فالزور، في الرؤية التي يقدمها الكتاب، لا ينحصر في الكذب المباشر، وإنما يتسع ليشمل الانحراف عن الحقيقة، وتزيين الباطل، وقلب الحقائق، وحجب بعضها، وإخراجها من سياقها، وتقديم صورة مضللة عن الواقع.
ثم ينتقل الكتاب إلى بناء مفهوم الزور السياسي بوصفه صورة مخصوصة من الزور تتحدد لا بطبيعة الفاعل - كونه سياسيًا - وحدها، ولا بمجرد وقوع الفعل في سياق سياسي، وإنما أساسًا بمجال تأثيره، واتساع آثاره، وارتباطه بالشأن العام.
ويحدد المؤلف للزور السياسي خصائص تميزه، في مقدمتها اتساع أثره، وتجاوزه الدائرة الفردية، وتأثيره في الإدراك الجماعي، وقابليته للانتشار وإعادة الإنتاج، وارتباط فاعليته بمراكز النفوذ وصناعة التأثير في المجال العام.

جذور الزور السياسي والبيئة الحاضنة له
ولا يتوقف الكتاب عند تعريف الظاهرة، بل يطرح سؤالًا أعمق: من أين يأتي الزور السياسي؟ وما البيئة التي تسمح له بالنمو والاستمرار؟ ولهذا يبحث المؤلف جذوره في مستويات متعددة؛ فيدرس الجذور الدينية، والنفسية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

فعلى المستوى الديني؛ يناقش أثر إقصاء الدين من المجال السياسي، والفصل بين الشعائر التعبدية والممارسة السياسية، والجهل بقيم السياسة الشرعية.
وعلى المستوى النفسي؛ يبحث في المداخل التي يستثمرها الزور السياسي، ومنها الحاجة الإنسانية إلى تبسيط الواقع، والتحيزات الإدراكية والانفعالية، وتأثير الخوف والأمل في المواقف السياسية.
ثم يتناول الجذور الاجتماعية، مثل توظيف الانتماءات الطائفية والجهوية، والفقر والهشاشة الاقتصادية، ومراكز النفوذ وشبكات المصالح.
كما يناقش الجذور الثقافية، ومنها الأمية السياسية، والتبعية الثقافية والفكرية، وغياب التفكير النقدي، وانحراف بوصلة التربية السياسية.
وعلى المستوى السياسي يرتبط الزور بغياب الشورى الحقيقية، وضعف الرقابة والمساءلة، واحتكار السلطة والمعلومات، واختلال موازين القوة، وهيمنة مراكز النفوذ وصناعة التأثير في المجال العام؛ بما يهيئ المجال لتزييف الوعي، وتوجيه الرأي العام، وإنتاج شرعية زائفة، وتعطيل إمكانات الإصلاح.
وتبرز هنا فكرة محورية في الكتاب، وهي أن الزور السياسي لا ينشأ من فراغ، وإنما يتغذى من بيئات دينية وفكرية ونفسية واجتماعية وسياسية تسمح له بالنمو، وفي مقدمتها البيئة الاستبدادية، وغياب الشورى والرقابة الحقيقيتين؛ إذ يؤدي غياب المؤسسات القادرة على كشف الزيف ومراجعة القرارات ومساءلة أصحاب السلطة إلى توفير بيئة ملائمة لإعادة إنتاج الزور.

مسارات عمل الزور السياسي
بعد الكشف عن جذوره، ينتقل المؤلف إلى بيان كيف يعمل الزور السياسي، فلا يحصره في الكذب الصريح، وإنما يرصد له مسارات متعددة.
فقد يكون الزور في الخبر والمعلومة، من خلال اختلاق المعلومات أو إخفائها أو اجتزائها أو ترتيبها بطريقة مضللة. وقد تكون المعلومة صحيحة في ذاتها، لكن عرضها مبتورًا أو منفصلًا عن سياقها يقود إلى تكوين تصور زائف لدى المتلقي. كما قد يختلط الخبر بالرأي، وتُستخدم اللغة المشحونة والألفاظ الموحية لتوجيه الحكم قبل اكتمال الوقائع.
وقد يكون في الوعود والخطاب السياسي، حين يتحول الوعد من تعبير عن برنامج أو التزام قابل للتحقق إلى وسيلة لإدارة الانطباعات وصناعة التوقعات.
وقد يعمل الزور من خلال الانتخابات وصناعة الشرعية السياسية الزائفة، سواء عبر التلاعب بمراحل العملية الانتخابية، أو توظيف المال والنفوذ، أو العبث بالتصويت والفرز، أو تضخيم النتائج لإنتاج شرعية زائفة. وهنا ينتقل التزييف من مستوى الخطاب إلى مستوى تأسيس السلطة ذاتها.
كما يتخذ مسارًا في ادعاء تمثيل الإرادة الشعبية، ومسارًا في التاريخ والذاكرة العامة، ومسارًا في شيطنة الخصوم، ومسارًا في تصوير السلطة أو الإنجاز، وأخيرًا مسارًا بالغ الخطورة يتمثل في التضليل الفكري وإعادة هندسة المفاهيم.
وهنا يكشف الكتاب عن أحد أعمق أوجه الزور السياسي: أنه لا يكتفي بتزييف الوقائع، وإنما قد يعمل على تغيير اللغة التي تُفهم بها الوقائع نفسها، بحيث يعاد تعريف المفاهيم السياسية وتفريغها من مضامينها، ثم تقدم الصياغة الجديدة باعتبارها الحقيقة.
ومن خلال تحليل هذه المسارات يتوصل الكتاب إلى أن الزور السياسي لا يعمل غالبًا من خلال وسيلة منفردة، وإنما عبر منظومة متكاملة تتساند فيها الأخبار والخطابات والصور الذهنية والمفاهيم والشرعية وتفسير التاريخ وشيطنة الخصوم. فقد يبدأ الأمر بإعادة تشكيل خبر، ثم تُبنى عليه صورة ذهنية، ثم يعاد تفسير حدث تاريخي في ضوئها، ثم تُستخدم تلك الرواية في صناعة شرعية سياسية، ثم تتحول هذه الشرعية إلى أساس لتبرير قرارات جديدة. وهكذا لا تعود القضية مجرد كذبة منفردة، وإنما يصبح الزور بناءً معرفيًا وسياسيًا متكاملًا يعيد تشكيل فهم المجتمع للواقع، ويوجه أحكامه على الماضي والحاضر والمستقبل.

التطبيقات والنماذج التاريخية
بعد ذلك ينتقل الكتاب من التأصيل النظري إلى ميدان التطبيق العملي، فيدرس نماذج تاريخية وسياسية معاصرة بهدف اختبار المفهوم والكشف عن آليات عمله.
ففي مجال العلاقات الدولية يتناول الكتاب وعد بلفور، واتفاقية سايكس–بيكو، وقضية أسلحة الدمار الشامل في العراق.
وفي مجال الاستيلاء على السلطة بالقوة، يدرس الانقلاب العسكري في مصر عام 1952، والانقلاب العسكري في مصر عام 2013، والانقلاب العسكري في ليبيا عام 1969، مع دراسة الميثاق الوطني والكتاب الأخضر بوصفهما نموذجين للتضليل وإعادة هندسة المفاهيم السياسية.
ولا يقدم المؤلف هذه الوقائع باعتبارها سردًا تاريخيًا في حد ذاته، وإنما يوظفها للكشف عن البنية العميقة للزور السياسي، وبيان كيفية تفاعل مساراته المختلفة داخل الحدث الواحد. ولذلك اختيرت النماذج باعتبارها نماذج مركبة تجتمع فيها عدة مسارات، بحيث تتكامل الأخبار، والخطابات، والصور الذهنية، والشرعية الزائفة، والتضليل الفكري وإعادة هندسة المفاهيم في إنتاج أثر سياسي مزيف ومزور في أرض الواقع.
وتكشف دراسة هذه النماذج كذلك أن آثار الزور قد تتجاوز اللحظة التي أنتجته؛ فقد تتحول القرارات التي قامت على الخداع إلى ترتيبات قانونية وإدارية ومؤسسات سياسية تكتسب مع الزمن مظهر الشرعية، حتى يصبح الواقع الذي أنتجه الزور مرجعًا لتبرير نفسه وإعادة إنتاج آثاره.

مآلات الزور السياسي وآثاره
ولا يقف الكتاب عند رصد آليات الزور، وإنما يتتبع مآلاته وآثاره على الإنسان والمجتمع ومؤسسات الدولة والعمران.
فعلى مستوى الإنسان، يؤدي الزور إلى إفساد الإدراك، وإضعاف القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف. فقد يصل الأمر إلى مرحلة يفقد فيها الإنسان ثقته في إمكان الوصول إلى الحقيقة أصلًا، فيتعامل مع الأخبار كلها باعتبارها دعايات متقابلة، ومع الوقائع باعتبارها روايات متنافسة، فيصبح الشك قاعدة ويضعف الحكم الرشيد.
وعلى مستوى المجتمع، يؤدي إلى هدم الثقة العامة، وتعميق الاستقطاب، وتشويه العلاقات، وإضعاف المشاركة السياسية.
وعلى مستوى السلطة ومؤسسات الدولة، يُفضي إلى إضعاف الشرعية، وإفساد المؤسسات، وتراجع جودة السياسات العامة، واتساع الفجوة بين الواقع وصورته الرسمية، بحيث يصبح تصحيح الأخطاء أكثر صعوبة؛ لأن الزور يحجب أسباب الإخفاق بدل أن يكشفها.
أما أخطر مآلاته فتظهر حين يتحول الزور إلى شرط من شروط بقاء السلطة؛ إذ إن السلطة التي تستند إلى شرعية مصنوعة قد تحتاج إلى توسيع دوائر الزور باستمرار لحماية تلك الشرعية، فيتحول الزور من وسيلة استثنائية إلى نمط دائم في إدارة المجال العام.
وعلى مستوى العمران، فإن الزور السياسي لا يفسد السياسة وحدها، وإنما يمسّ العمران الإنساني، لأنه يفسد الوعي، ويقوض الثقة، ويعطل المؤسسات، ويخل بالعلاقات التي يقوم عليها انتظام الحياة العامة.

من تشخيص الداء إلى بناء البديل الحضاري
ولا يكتفي الكتاب بتشخيص المرض، وإنما ينتقل إلى السؤال الأهم: كيف يمكن مقاومة الزور السياسي وبناء بيئة حضارية تحول دون إنتاجه؟ ولهذا يخصص المؤلف جانبًا مهمًا من الكتاب لمفهوم العمران في الرؤية الإسلامية، فيبحث مفهومه في القرآن الكريم، ومرتكزاته وخصائصه، ويؤسس رؤية للعمران تقوم على أن الإنسان هو محوره، وأن الاستخلاف أساسه، وأن الإصلاح غايته، وأن الفساد من أبرز مهدداته. ثم ينتقل إلى بيان القيم المؤسسة للعمران، وفي مقدمتها: الحق، والعدل، والشورى، والصدق، والأمانة، والنصيحة، والمساءلة والمحاسبة، والإصلاح؛ وإلى السنن الإلهية الحاكمة لحركته ومصائر المجتمعات، وهي: سنة الأخذ بالأسباب، وسنة التغيير، وسنة التدافع، وسنة التداول، وسنة الإمهال، وسنة الاستبدال، وسنة الإهلاك. وبذلك لا يصبح علاج الزور مجرد عملية لكشف الأخبار الكاذبة، وإنما يتحول إلى مشروع إصلاحي حضاري متكامل يعالج الإنسان والمجتمع والبيئة السياسية والعمران في إطار واحد.

ومن ثم، فإن هذا المشروع الفكري، الذي جمع بين التأصيل والتحليل والتشخيص والعلاج، تجاوز مجرد دراسة الظاهرة إلى بناء تصور نظري متكامل، يتجسد في ثلاث حلقات مترابطة: «نظرية الخط المستدير»، ثم «كسر الدائرة»، ثم «إعادة رسم المسار».
فهذه الثلاثية تعبر عن حركة فكرية تبدأ بفهم الدائرة التي يعيد فيها النظام السياسي إنتاج الزور وآثاره، ثم البحث في كيفية كسر هذه الدائرة، وصولًا إلى إعادة رسم مسار سياسي وحضاري بديل يقوم على الحقيقة والقيم والعدل والإصلاح والمؤسسات السليمة.
وهنا تتكامل أجزاء الكتاب: فالجذور تفسر كيف تنشأ الظاهرة، والمسارات تكشف كيف تعمل، والتطبيقات تثبت حضورها في الواقع، والمآلات تكشف خطورتها، أما مشروع العمران فيقدم الطريق الذي يمكن من خلاله مقاومتها والخروج من دائرتها.

النتائج والخلاصات
بعد هذا المسار الطويل يصل الكتاب إلى مجموعة من النتائج التي تمثل الخلاصة الحقيقية لمشروعه الفكري.
· أولى هذه النتائج: أن الزور السياسي ليس مجرد كذب في المجال العام، وإنما انحراف متعمد عن الحقيقة ينمو خصوصًا في البيئات الاستبدادية، ويعمل من خلال تزيين الباطل، وتزييف الوعي، وقلب المفاهيم، وتشويه الخصوم، وتضليل الرأي العام، وصناعة شرعية زائفة، وتوجيه المواقف والقرارات العامة.
· وثانيها: أن المعركة مع الزور السياسي ليست معركة إعلامية أو سياسية فقط، وإنما هي في جوهرها معركة حضارية؛ لأن الحضارة لا تقوم بالقوة أو الثروة أو التقدم التقني وحده، وإنما تقوم قبل ذلك على منظومة قيم تجعل الحق مرجعًا، والصدق قاعدة، والعدل ميزانًا، والأمانة مسؤولية، والشورى منهجًا، والمساءلة والمحاسبة ضمانة، والإصلاح غاية.
· وثالثها: أن الزور السياسي ليس أصل الداء، وإنما هو أحد أبرز مظاهر اختلال أعمق أصاب المنظومة القيمية والبيئة السياسية وأفضى إلى مخالفة السنن الحاكمة للعمران؛ ولذلك لا يكفي القضاء على مظاهره، وإنما لا بد من إصلاح الأصول التي أنبتته وتجديد البناء الحضاري الذي يحول دون عودته في صور جديدة.
· ورابعها: أن الأمة التي تفقد احترامها للحقيقة لا تستطيع أن تحافظ طويلًا على حريتها ووحدتها وعدالتها وعمرانها؛ لأن قيام المجتمعات واستمرارها مرتبطان بمنظومة القيم التي تحكمها.
· وخامسها: أن مقاومة الزور ليست مسؤولية مؤسسة بعينها أو سلطة دون أخرى، وإنما هي مشروع أمة تتكامل فيه مسؤولية الفرد والمجتمع والسلطة والمؤسسات والعلماء والمفكرين والإعلاميين؛ لأن الجميع شركاء في صناعة الوعي العام وحماية الحقيقة أو التفريط فيها.
· وسادسها: أن الحضارات تبدأ بالفكرة وتتأسس على القيمة وتستقيم بالعدل وتستمر بالصدق؛ وأنها لا يمكن أن تحافظ على قوتها المادية إذا استُبيح الحق وحل الزيف محل الحقيقة.
· وسابعها: أن حماية الحقيقة هي حماية لمستقبل الأمة؛ فالمجتمع الذي يتسامح مع الزور يهيئ أسباب ضعفه بيده، وأعظم ما يمكن أن تورثه الأمة للأجيال ليس كثرة المال ولا ضخامة العمران وحدهما، وإنما ضمير لا يبيع الحق، وعقل لا يُستعبد للباطل، وإرادة لا تساوم على العدل.

خلاصة العرض
كتاب: "الزور السياسي: رؤية حضارية إسلامية" لا يقدم دراسة عن الكذب السياسي بالمعنى الضيق، وإنما يطرح سؤالًا أعمق عن العلاقة بين الحقيقة والسلطة والوعي والشرعية والعمران.
فالخطر الحقيقي لا يبدأ عندما تُقال الكذبة فحسب، وإنما عندما تنجح الكذبة في إعادة تشكيل وعي الناس، ثم تتحول إلى صورة ذهنية، ثم إلى قناعة، ثم إلى شرعية، ثم إلى قرار أو مؤسسة أو واقع سياسي جديد. عندئذ لا يعود الزور مجرد انحراف في الخطاب، وإنما يصبح أداة لإعادة تشكيل الواقع نفسه.
ومن هنا تتجلى القيمة الأساسية لمشروع الدكتور يحيى سعد فرحات: في أنه لا يكتفي بتسمية الظاهرة أو وصف مظاهرها، وإنما يحاول تأصيلها، وبناء مفهوم لها، والكشف عن جذورها وبيئتها الحاضنة، وتحليل مسارات عملها، واختبارها في نماذج تاريخية وسياسية، والكشف عن مآلاتها، ثم الانتقال من التشخيص إلى بناء رؤية حضارية لمواجهتها.
وبذلك يتحرك الكتاب في مسار متكامل: من المفهوم إلى الجذور، ومن الجذور إلى المسارات، ومن المسارات إلى التطبيقات، ومن التطبيقات إلى المآلات، ومن المآلات إلى مشروع العمران والمقاومة الحضارية.

وتبقى الرسالة الأعمق التي ينتهي إليها الكتاب أن الزور السياسي لا يُهزم بمجرد كشفه، وإنما بإعادة بناء البيئة التي تجعل الحقيقة ممكنة، والعدل قائمًا، والمساءلة فاعلة، والإصلاح مستمرًا.
ولهذا يختتم المؤلف مشروعه بالأمل في أن تستعيد الأمة وعيها بقيمة الحقيقة، وأن تعود السياسة إلى رسالتها في خدمة الإنسان، وأن تصبح قيم الحق والعدل والصدق والأمانة والشورى والمساءلة والإصلاح قيمًا حاكمة للممارسة السياسية، لا مجرد شعارات ترفع عند الحاجة.

ويبقى في النهاية أن الحق هو أقوى أسباب البقاء، وأن الزور ـ مهما امتد زمانه وتعددت أدواته ـ إلى زوال؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81].