التاريخ : الأحد 04 أكتوبر 2026 . القسم : رسالة الإخوان
رسالة الدكتور صلاح عبدالحق إلى المعتقلين فى مصر
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى أحبتنا خلف الأسوار في سجون مصر..
أحمد الله إليكم، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعدُ؛
قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]
بهذه الآية الكريمة أستهل رسالتي، مبشرًا إياكم أن الظلم مهما طال لا بد له من نهاية، وأن إرادة الله غالبة، وأنه سبحانه لو أذن بالفرج، فلا رادَّ لفضله، ولا ممسك لرحمته. ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: 2]، وقال تعالى: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 56].
إلى أحبتنا المعتقلين وأخواتنا المعتقلات من الإخوان المسلمين،
وإلى أحبتنا المعتقلين وأخواتنا المعتقلات من نبلاء الوطن وشرفائه،
إليكم أيها القابعون خلف أسوار القهر والاستبداد، ظلمًا وعدوانًا،
قُيِّدتم بالحديد، وأُرهقتم بالتعذيب، وحِيل بينكم وبين أهليكم وذويكم.
إلى من يضحون بزهرة أعمارهم من أجل أن تعيش بلادهم حرة،
إلى الأعزّة الذين لم يقبلوا الدنيّة في دينهم أو وطنهم، ولا يزالون ثابتين على مبادئهم، صامدين في وجه المحنة.
إلى المظلومين الذين لم يقبلوا الضيم، ولا يزالون يأبون الخضوع للظلم.
وقد ضجت صدورهم بالقهر من صنوف العذاب، يتقلبون فيها ليل نهار،
إهدارًا للعدالة، ولحقوقٍ كفلها الشرع الحكيم والدستور والقانون،
ونصَّت عليها لوائح السجون ومواثيق حقوق الإنسان الدولية.
وفي مقدمتها الحق في الحياة، الذي يُعد انتهاكه أشدَّ صور الاعتداء على حقوق الإنسان.
فكم من شهيد قضى تحت التعذيب أو بسبب الحرمان من العلاج!
ويليه إهدار الحق في الحرية؛ إذ حِيل بينكم وبين أهليكم وذويكم وفلذات أكبادكم، وحُرمتم دفء الأسرة، وحق اللقاء، ومشاركة أحبتكم أفراحهم وأتراحهم.
ومنعتم من حقوق السجناء في الطعام، والزيارة، والعلاج، والرياضة،
بل حُرمتم حتى نور النهار، ونسائم الصيف الباردة، ودفء ليالي الشتاء.
حتى من طال حبسهم احتياطيًّا خابت آمالهم في إنصاف طال انتظاره، وعدالة مؤجلة بغير مبرر.
حقوق كثيرة مهدرة، وظلمات بعضها فوق بعض.
حُقَّ لكم معها أن تضجوا، وأن تطالبوا بحقوقكم كاملة غير منقوصة،
وواجب على من وَلِيَ الأمر أن يستجيب لمطالبكم العادلة.
***
إخواننا المعتقلون، أخواتنا المعتقلات
إن ما يتنامى إلى أسماعنا من انتهاكات في حقكم
يجعل من الطبيعي أن تطالبوا — إن قررتم ذلك — بحقوقكم المهدرة دون كلل أو ملل،
فحقوقكم مشروعةٌ مكفولةٌ، لا منحة فيها، ولا مِنَّة من أحد.
﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [سورة الشورى: 41].
وواجبنا نحوكم دعم مطالبكم، وعرض مظالمكم.
ونحن ندعم حريتكم "حرية مطلقة"، وندعم حقوقكم الكاملة، ليس فقط داخل السجون.
ونبذل في سبيل ذلك قصارى جهدنا.
ولن يستريح لنا بال، أو يقرَّ لنا قرار، حتى تعودوا إلى بيوتكم.
لقد جعلت جماعة الإخوان المسلمين قضية الإفراج عن المعتقلين السياسيين في قلب تحركاتها السياسية، واتصالاتها المتنوعة، وقضية أساسية في تنسيق الجهود المستمرة مع كافة القوى الوطنية. فتبناها كثير من السياسيين والمثقفين،
حتى باتت حريتكم مطلبًا وطنيًّا وشعبيًّا لكل وطنيٍّ غيور، وهي تكسب كل يوم أنصارًا وداعمين.
وكذلك نواصل جهدنا في نشر قصتكم والتعريف بقضيتكم عبر وسائل الإعلام، حتى يصل صوتكم، رغم الحجب والتعتيم، إلى أبعد مدى نستطيعه.
وحقوقياً تقف الجماعة على كل صغيرة وكبيرة من الأخبار والانتهاكات بحقكم ترصدها وتوثقها، وتبثها إلى أصحاب الشأن المعنيين بحقوق الإنسان في مصر والعالم، لنقل معاناتكم وآلامكم من أجل أن تنالوا حريتكم.
وستظل قضيتكم على قمة أولويات جهودنا السياسية والإعلامية والحقوقية.
***
وإلى أصحاب الشأن..
إننى من مقامي هذا أتوجه بالنصح إلى أولئك الذين يظلمون الناس بغير حق، ويشدون الوثاق على أرواح بريئة،
أعظهم أن يتدبروا أمرهم، وما استخلفهم الله فيه!!
وقد دخلت امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ حبستها؛ فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
فكيف بمن يحبس إنسانًا دون أهله وفلذات كبده، ودون أبيه وأمه،
أو يحبس امرأة ضعيفة، أو شيخًا طاعنًا في السن مريضًا بغير ذنب ولا جريرة؟
إن الموقف بين يدي الله شديد: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: 111].
***
وختاماً
فإننا نحث على دوام الدعاء لكم بظهر الغيب، عند من بيده ملكوت السموات والأرض
مخبتين إلى الله تعالى أن يكشف الضر عنكم.
أملنا أن نبلغ بجهودنا منتهى الوسع،
وتصادف دعواتنا لحظة صدق في ساعة إجابة،
فتُفتح لها أبواب السماء، ويبدل الله الحال ويفك الكرب،
فتسعدوا بالحرية، وتنعموا بخير الجزاء وأوفاه،
ويذهب الألم، ويبقى الأجر،
وتفرح قلوبنا.
أحبتنا وسادتنا.. نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.. وإننا لنشد على أيديكم أن تتذرعوا بالصبر، وتأنسوا بالذكر؛
فالصبر زاد المؤمنين، والنصرُ عقبى الصابرين.. وإن غدًا لناظره قريب.
قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227].
الدكتور صلاح عبدالحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الأحد 23 ربيع الثاني 1448 هـ الموافق 4 أكتوبر 2026 م