التاريخ : الأربعاء 07 أكتوبر 2026 . القسم : رسالة الإخوان

في ذكرى الطوفان: ثقة وثبات.. وتأهب واستعداد


بسم الله الرحمن الرحيم

الإخوة والأخوات..

تحلُّ الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى الهادر، وإخوانكم في غزة هاشم يقبضون على جمر الصبر، وقد تنكَّر لهم القريب والبعيد، لكنهم ثابتون على وعد الله، لا يضرهم من خذلهم، مرابطون في أكناف بيت المقدس، يرجون وعد الله وبشارة نبيه محمد ﷺ بالتحرير والنصر على المحتل الغاشم.

وهذه المحطة التاريخية تتطلب منا يقينًا لا يتطرق إليه شك، وإيمانًا بموعود الله لا يتزعزع، مهما ظهر على سطح الأحداث من مظاهر ضعف أو إحكام حصار، ذلك أن نصر الله لا يتنزل حتى يُبتلى المؤمنون ويُزلزلوا زلزالًا شديدًا.

إن إخوانكم في فلسطين عمومًا وغزة خصوصًا، قد بذلوا من الجهد أوسعه، فحازوا من الشرف أرفعه، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، فقد أعدوا للأمر عدته من تدريب، وبذلوا ما في استطاعتهم، ثم فاجأوا العدو وأثخنوا فيه، فأذلوا أنوفه، وأهانوا غروره، ودمّروا شعوره بالأمن والحصانة، ولولا تخلي الأنظمة، والقيود التي تحاصر شعوبنا، لكان لهذه الجولة من الصراع نتائج أكبر، لكنها حكمة الله ولكل أجل كتاب.

ومع هذا، فلم تمض هذه التضحيات الجليلة دون أثر! فقد أحيت روح الجهاد في نفوس الأمة، خاصة أجيالها الشابة، وتركت المحتل الغاصب معزولًا دوليًّا بعد أن رأت شعوب العالم بشاعة جرائمه وعدالة القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني. لقد أعاد الطوفان المبارك للقضية مركزيتها في وعي الشعوب، كما فرضها على طاولة السياسة الإقليمية بعد أن ظن الجميع أنه يمكن تجاوزها. وبدلًا من أن يتحول الكيان إلى شريك في الأمن والازدهار لبعض الأنظمة العربية، أسفر عن وجهه القبيح بوصفه مشروعًا توسعيًّا يهدد المنطقة كلها ويسعى للهيمنة عليها. لقد عاد الكيان إلى وضعه الصحيح كتهديد صريح للمنطقة حتى لو كانت حسابات السياسة تمنع البعض من الاعتراف الصريح بذلك.

واجباتنا التي لا نتخلّى عنها:

إخواني وأخواتي:

كما نتعلم من درس الطوفان حسن الإعداد، علينا أن نحافظ على دوام الاستعداد، ومسؤوليتنا ألا يؤتى إخواننا من قبلنا، ولا يتطرق الإحباط إلى النفوس، فنقعد عن المناصرة بكل أشكالها، بل تزداد مسؤوليتنا أكثر من أي وقت مضى، حين ينصرف الناس أو تدوسهم عجلة الحياة.

لقد حمل الإخوان المسلمون قضية فلسطين على أرواحهم، وقاتلوا المحتل منذ عام 1948، ودفع الإمام الشهيد حسن البنا حياته ثمنًا لتقدم كتائب المتطوعين من الإخوان المسلمين للجهاد في فلسطين، ونحن إذ نحمل هموم قضية المسلمين الكبرى، لا ينبغي لنا أن نفقد الصبر والثبات، ولا تفتر عزائمنا إن خفَّت التغطيات الإعلامية وانصرفت الكاميرات عن نقل وقائع الانتهاكات اليومية، فالمسلم لا تحركه مشاهد الدماء فحسب، بل قبل ذلك صميم الانتماء، فهلَّا أرينا الله من أنفسنا خيرًا، وواصلنا العمل لفلسطين وللمسجد الأقصى المبارك، مهما حشد الشر طاقاته وعدته وعديده:

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].

وتمرُّ القضية الفلسطينية بأخطر مرحلة تاريخية تتطلب منا المناصرة أكثر من أي وقت مضى.

فقد تحولت حياة المدنيين في غزة، ومقدساتنا في القدس والخليل وأراضينا في الضفة الغربية إلى ورقة انتخابية، وسباق مزايدة بين متطرفي حكومة الاحتلال لضمان فوز الأكثر دموية في الانتخابات التي تجري في الكيان الغاصب، وقد تخلى "مجلس السلام" المزعوم عن حياده، وتحول إلى منصة لتمرير مشروع اقتلاع الإنسان الفلسطيني في غزة من أرضه ليحقق للعدو بالسياسة والدبلوماسية مخطط التهجير الذي لم يستطع تحقيقه بالصواريخ والبندقية. وقد أدت المقاومة واجبها، ومضى قادتها يستنهضون الأمة، وعلينا ألا نفقد الأمل في خيرية هذه الأمة متى تصدّت لدعوتها وإماطة العمى عن أعينها طليعةٌ مؤمنةٌ صابرة: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: 84].

إن واجب التوعية المستمرة، وهو جهاد باللسان والحُجة، والدعم الإغاثي، وهو جهاد ضروري بالمال، يجب أن يستمر في أوساط شعوبنا المسلمة، فهذا أقل ما يتعين علينا فعله، فاخلُفوا إخوانكم وشهداءكم في أهاليهم خيرًا.

أولويتنا في المرحلة الراهنة

إننا نؤكد في هذا السياق التوجهات الأساسية التي ينطلق منها موقف جماعة الإخوان المسلمين ورؤيتها للمنطقة في مرحلة إعادة التشكل التي تمر بها منذ انطلاق الطوفان المبارك، والتي تتمثل فيما يلي:

  1. عدالة القضية الفلسطينية، وحق شعبها في مقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضه وعن بقائه عليها، وواجب الأمة الإسلامية كافة، حكومات ومؤسسات ونخب وشعوب، تجاه دعم هذا الحق وتوفير متطلبات القيام به. ولا يجوز تجريم هذا الحق حيثما وجد احتلال.
  2. إن التهديد الأكبر إقليميًّا يتمثل في مخطط تأسيس نظام إقليمي قائم على الهيمنة العسكرية الإسرائيلية؛ وهو ما يقتضي تراجع الخلافات والصراعات البينية كافة أمام خطورة هذا التهديد، وإعطاء الأولوية لحشد جهود دول المنطقة وشعوبها وقواها الحية لمواجهته.
  3. إن الترتيبات والتحالفات الدفاعية العربية والإسلامية الناشئة، التي تعزز قدرة دول المنطقة على ردع الأطماع الإسرائيلية وتوسّع هامش استقلالها الاستراتيجي، تستحق الدعم والتعزيز.
  4. يتطلب استقرار المنطقة بناء توازن إقليمي يقوم على تفاهمات واقعية بين دولها الرئيسة، تحدُّ من الصراعات البينية التي تُضعفها جميعًا وتستنزف مواردها، وتقطع الطريق على من يراهن على تأجيج هذه الصراعات واستدامتها.
  5. إن الصراعات الداخلية في عدد من دول المنطقة يجب ألَّا تُحسم بالسلاح، ولا تُنهى إلا بحلول وطنية تضع حدًّا لكلفتها الإنسانية والاقتصادية والأمنية الباهظة؛ كما يجب رفض التدخلات الخارجية التي تغذي هذه الصراعات أو تصادر القرار الوطني، أيًّا كان مصدرها.
  6. احتواء الاستقطاب المذهبي في العالم الإسلامي، ورفض توظيف المذهب في الصراعات السياسية، والكفّ عن الخطاب الذي يُعمّق الفرقة، واجبٌ على قوى الأمة كافة وفي مقدمتها العلماء؛ فهذا الاستقطاب هو الثغرة التي ينفذ منها كل من يريد بالأمة شرًّا.

فهم سنن الله لتحقيق نصرته:

ينبغي للمسلمين أفرادًا وجماعات أن يتهيئوا لمطابقة سنن الله في التغيير، ليتفيؤوا ظلال النصر، فهذا الدين ينتصر برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقد أراد الإمام الشهيد حسن البنا في رسالته "إلى أي شيء ندعو الناس" أن يذكِّر الإخوان بقانون التغيير الذاتي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. فأوضح أن سبب ضعف الأمم هو وهن نفوسها وخلو قلوبها من الأخلاق الفاضلة وصفات الرجولة، فقال:

"إن الأمة إذا رتعت في النعيم، وأنِسَتْ بالترف، وغرقت في أعراض المادة، وافتُتِنَتْ بزهرة الحياة الدنيا، ونسيتْ احتمال الشدائد ومقارعة الخطوب والمجاهدة في سبيل الحق، فَقُلْ على عزّتها وآمالها العَفاء."

فاستجمعوا قوتكم، وجددوا ثقتكم بوعد الله أولًا، ثم بدعوتكم وأنفسكم، وتخلَّوا عن شواغل الدنيا التي تعيق طلب الغاية الكبرى، أن يرضى الله عنا ويستخدمنا لنصرة دينه وإقامة عدله، والله ناصر عباده ومحرر مسرى رسوله، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: 51].

 

الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الأربعاء 26 ربيع الآخر 1448هـ؛ الموافق 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2026م