كلمة الدكتور صلاح عبدالحق إلى المعتقلين فى مصر وأسرهم بمناسبة شهر رمضان
الحمد لله الذي جعل رمضان شهر النفحات، وموسم القربات، وميدان الصبر والمصابرة، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، الذي علَّمنا أن طريق الحق محفوفٌ بالابتلاء، وأن العاقبة للمتقين.
إخواني المجاهدين وأخواتي المجاهدات
يا من حالت بينكم وبين أهليكم الجدران، ولم تحل بينكم وبين ربكم حواجز ولا قضبان…
يا من كتب الله لكم في هذه الأيام مقام الصابرين، ورفع لكم في الخلوات درجات المحتسبين…
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ورحمة الله التي تتنزل في ليالي رمضان على القلوب المنكسرة فتجبرها، وعلى الأرواح المتعبة فتسكنها.
يأتي رمضان هذا العام وأنتم في موضع ابتلاءٍ ظاهر، لكنه عند الله رفعةٌ واصطفاء. فما كان البلاء يومًا علامة خذلان، بل كان في تاريخ الصالحين باب تمكين، وفي سيرة الأنبياء طريق تمحيص وتزكية. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. فأنتم في وعدٍ إلهيٍّ لا يحده حساب، ولا يحيط به تصور.
إخوتي وأخواتي
اجعلوا من ليالي رمضان خلوات قرب، ومن ساعات السحر أنسًا بالله، ومن صفحات القرآن صحبةً تعوض غياب الأحبة. إن ضاق المكان فسماء الدعاء واسعة، وإن اشتد الحصار فباب الرجاء مفتوح، وإن طال الليل ففجر الله آتٍ لا ريب فيه. تذكروا أن القلوب التي عمرت بذكر الله لا تُهزم، وأن الأرواح التي تعلقت به لا تُكسر.
وإلى الأمهات الصابرات، والزوجات الثابتات، والأزواج الثابتين والأبناء الذين يكبرون على معاني التضحية…
أنتم شركاء الأجر، وأنتم الامتداد الحيّ لمعنى الثبات. دمعة الصبر عند الله نور، وكلمة الثبات في وجه المحنة عبادة، وحفظ البيوت على العهد أمانة عظيمة. لا تظنوا أن الله يضيع أنين ليلٍ، ولا دعوة أمٍّ في جوف السحر، ولا تنهيدة طفل يسأل عن أبيه أو أمّه. إن الله لطيف بعباده، يقدّر الألم ليصوغ به معادن الرجال والنساء، ويهيئ به مستقبلًا لا يُبنى إلا على الصدق والثبات.
إلى الإخوة الأحباب والأخوات الفضليات..
رمضان مدرسة تجديد العهد مع الله، لا مع الناس. هو موسم تصحيح النيات، وتزكية القلوب، وربط المسير بالآخرة قبل الدنيا. فليكن صيامكم صيامًا عن الجزع، وقيامكم قيامًا على معاني اليقين، وقرآنكم زادًا لثباتٍ لا يتزعزع. فإنما الأيام دول، والمحن مراحل، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
ثقوا أن مع العسر يسرًا، وأن وراء كل ليل فجرًا، وأن ما عند الله خيرٌ وأبقى. اصبروا وصابروا، ورابطوا على ذكر الله تعالى، واستودعوا آلامكم عنده، فإنه سبحانه أكرم من أن يرد عبدًا لجأ إليه، وأرحم من أن يضيع دمعةً سالت في سبيله.
نسأل الله أن يجعل هذا الشهر عليكم شهر فتحٍ قريب، وفرجٍ عاجل، وجبرٍ للخواطر، ولمٍّ للشمل، وأن يكتب لكم فيه من نور الطمأنينة ما يبدد ظلمات السجون، ومن سكينة الرضا ما يشرح الصدور، ومن حسن العاقبة ما تقر به العيون.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾[إبراهيم:42].
كل عام وأنتم إلى الله أقرب، وعلى الحق أثبت، وبالوعد الإلهي أوثق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الاثنين 28 شعبان 1447هـ؛ الموافق 16 فبراير 2026م