الموقع الرسمي للإخوان المسلمون

رسالة الاخوان

البيانات الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين

رمضان… والرقي الروحي

رمضان… والرقي الروحي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. 

أما بعد..

ساعات قليلة.. ويطل علينا هذا الشهر الكريم، بنفحاته ورُوحانياته.. ومع بزوغ هلاله، ندعو بدعاء النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللَّه».

ونتهيأ لأداء هذه الفريضة.. امتثالا لأمر الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [ البقرة: 183].

فنمتنع عن الطعام والشراب وحاجات الجسد طوال ساعات النهار ولمدة ثلاثين يوما متتابعة؛ كي نترك للروح فرصة الرقي والسمو والاتصال بالله العلي الأعلى.. الذي جعل القيام بهذه الفريضة من أعظم القربات لديه سبحانه.. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ...).

وحينما يصوم المسلم بالنهار.. ويشغل وقته بالذكر والدعاء والاستغفار؛ يتهيأ لزاد آخر من غذاء الروح بتلاوة آيات الكتاب العظيم.. آناء الليل وأطراف النهار.. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185].   

وكأننا نصوم النهار لنقوم الليل.. فيكون الشهر كله مددا روحيا للإنسان.. يقربه من مولاه، ليصفو بروحه، ويرقى بسلوكه ويسمو بتعامله بين الناس.. فيقابل الإحسان بالإحسان.. والإساءة بالعفو والغفران.. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا كان يومُ صَومِ أحَدِكم فلا يَرفُثْ، ولا يصخَبْ، فإن سابَّهَ أحدٌ، أو قاتَلَه؛ فلْيقُلْ: إنِّي امرؤٌ صائِمٌ».

فالصوم مدرسة راقية يدخلها المسلمون أفرادا وجماعاتٍ، ليخرجوا منها أرقى فكرا، وأنقى قلبا، وأعظم سلوكا، وأطهر نفسا، وأقرب إلى الله تعالى.. حتى تدعو لهم ملائكة الرحمن.. ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:7-9].

إنَّ أساس النجاح في هذه الحياة.. قوة الإرادة ومخالفة الهوى.. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:40].

ورمضان فرصة سانحة؛ لتغليب زاد الروح على زاد الجسد، بتقليل الطعام ونزغات الهوى..

ما أحوجنا لهذا الزاد الروحي العظيم! في وقت طغت فيه (المادة) على كل شيء.. وأصبح فيه العالم كأنه أتون مشتعل يحترق فيه الناس بنيران الشهوات والملذات والتنافس المذموم للغلبة والقهر والعدوان.. فاشتعلت الحروب في كل مكان، وأريقت الدماء، وأزهقت الأرواح وانتهكت الحرمات…

وقُتل الأطفالُ والنساء والشيوخ، ودمرت البيوت والمدارس والجامعات والمستشفيات، وجرفت الأرض والزروع، ودمرت كل مظاهر الحياة.

ونالت بلاد المسلمين منها النصيب الأكبر في (غزة وفلسطين) على أيدي الصهاينة المجرمين، وقادة الغرب الظالمين، ومن عاونهم من الطواغيت والجبارين من حكام المسلمين.

وعرف العالم كله مَنْ وراء هذه الشرور والآثام؟ مَنْ الذين أوقعوا قادة العالم وكبراءه في أتون الشهوات والملذات.. حتى إذا أوقعوهم في الرذيلة تحكموا فيهم.. وساقوهم لتحقيق مآربهم في تدمير العالم، والتحكم فيما يتبقى منه بالحديد والنار.. 

لم تكشف (فضيحة القرن) سقوط أفرادٍ فحسب، بل كشفت هشاشة المنظومةٍ الأخلاقية والقيمية. فالقيم إذا بقيت شعاراتٍ بلا تزكية داخلية، أمكن للمال والنفوذ أن يخترقاها.

فما أحوج العالم أن يعرف حقيقتهم الشريرة!

ـ فهم قتلة الأنبياء والمرسلين..

ـ وهم (المغضوب عليهم) إلى يوم الدين..

ـ وهم السماعون للكذب الأكالون للسحت..

ـ وهم سفاكو الدماء، وآكلو الربا، ومشعلو الحروب، وناشرو الفساد في الأرض ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾  [المائدة:64].

ولن يمر وقت طويل حتى يعرف العالم حقيقتهم ويستيقظ ليطهر الأرض من رجسهم، ويعيد للأرض أمنها وسلامتها وطمأنينتها..

ومهمتنا – كما قال الإمام البنا- «أن نقف في وجه هذه الموجة الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات، التي جرفت الشعوب الإسلامية فأبعدتها عن زعامة النبي صلى الله عليه وسلم وهداية القرآن وحرمت العالم من أنوار هديها، وأخرت تقدمه مئات السنين.. حتى تنحسر عن أرضنا ويبرأ من بلائها قومنا بل العالم أجمع».                         

إيهِ يا رمضان! نشتاق إليك الآن لتُطهِّر بنسماتك أرواحنا، وتداوي قلوبنا، وتنشر شذاك العَطِر في أرجاء هذا العالم المضطرب المحزون..

ونهيب بأمتنا الإسلامية أن تحمد الله سبحانه وتعالى على نعمة الإسلام العظيم، وأن تعتز به، وأن تَدخل هذا الشهر بعزيمة ماضية.. إقبالا على العبادة، وتزكية للنفوس، وتطهيرا للأخلاق، وسموًّا للأرواح، وتحقيقا للتقوى، واستمطارا لرحمات الله تعالى ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:56].    

ـ وعلينا أن نمد يد العون للمحتاجين والمحرومين والمنكوبين في أنحاء العالم.. خاصة في غزة وفلسطين واليمن والسودان وكشمير وتركستان.. وكل بقعة من بقاع العالم يئن فيها المظلومون.

ـ ولنعمل على رفع الظلم وتحرير الأسرى، والمسجونين ظلما في ربوع الأرض.. فلن يُرفع البلاء عن هذا العالم حتى تتحقق فيه العدالة والحرية والمساواة بين البشر جميعا.

ـ وإن نسينا فلا ننسى-أبدا- إخوانا لنا وأخوات.. شيبا وشبابا.. غيبتهم جدران السجون.. وظلم السجان.. فسلام على صبرهم حين يطول الليل.. وسلام على أمهاتٍ يبلّلن الوسادة بالدعاء.. وسلام على قلوبٍ ما زالت تؤمن أن فجر الله أقرب من قيود البشر..

ونتمنى أن يفيء العالم كله إلى هذا الدين العظيم.. دين الحق والعدل والمساواة والتكامل والرحمة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107].   

﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: 25].                 

وكل عام وأنتم بخير 

والله أكبر ولله الحمد

الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الأربعاء 30 شعبان 1447هـ؛ الموافق 18 فبراير 2026م