إغلاق المسجد الأقصى: سياسة ممنهجة لتغيير الواقع الديني والتاريخي
يمثل المسجد الأقصى ركيزةً مركزية في عقيدة المسلمين حول العالم؛ فهو أولى القبلتين، ومسرى النبي محمد ﷺ، وثالث المساجد التي تُشدّ إليها الرحال. وقد قرر القرآن مكانته بوضوح في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:1].
وعلى ذلك، فالوصول إليه وأداء الصلاة فيه ليس امتيازًا يُمنح أو "تسهيلات" تُطلب، بل هو حقٌّ دينيٌّ أصيل لا يقبل القسمة ولا التفاوض.
إن استمرار إغلاق المسجد هو خطوة عملية لفرض "التقسيم الزماني والمكاني"، وتفريغ المسجد من هويته الإسلامية لصالح روايات الكيان الصهيوني. وهو في الوقت نفسه اختبار لعاطفة المسلمين وقوة عقيدتهم؛ فالأقصى يعدُّ مؤشرًا على عزة المسلمين، وغلقه يمثل إهانة لملياري مسلم، واستباحة لأقدس مقدساتهم بعد الحرمين.
قيود الوصول تحت مبررات أمنية: معركة الهوية
تشهد السنوات الأخيرة تصعيداً خطيراً في فرض القيود، تُبرَّر غالبًا بـ "دواعٍ أمنية" واهية، وتشمل تحديد أعمار المصلين وتقييد الدخول لتأمين اقتحامات المستوطنين. إن هذه الإجراءات تحوّل حق العبادة إلى "إذنٍ مشروط"، وتكشف عن رغبة محمومة في تغيير الواقع الديني والتاريخي للمسجد. ويُحذّر القرآن الكريم من مغبة هذا الصدّ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة:114].
إن الأمن المبني على حرمان أصحاب الحق هو أمنٌ زائف، والإغلاق هو المحرك الحقيقي للتوتر والاعتداء الصارخ على وجدان الأمة.
ووفق معايير حقوق الإنسان، يُشكّل إغلاق الأقصى انتهاكًا صريحًا لحرية العبادة التي تقرّها المواثيق الدولية، ويأتي ضمن سياسات تستهدف تغيير "الوضع القائم" في ظل اقتحامات متواصلة لمجموعات متطرفة تحت حماية أمنية رسمية.
الصلاة في الأقصى: عبادة ورباط ومقاومة سلمية
تتجاوز الصلاة في المسجد الأقصى حدود الأداء الشعائري؛ فهي تعبيرٌ عن الارتباط الروحي وإثباتٌ للحضور الوجودي، فالمسجد فضاء حيٌ بالذاكرة والرباط. وقد قال النبي ﷺ: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، والمَسْجِدِ الأقْصى»[متفق عليه].
إن شدّ الرحال اليومي هو فعل مقاومة سلمية بامتياز؛ فكل سجدة في باحاته هي وثيقة مِلكية، وكل حضور للمرابطين هو حائط صدّ معنوي يحمي المحراب من محاولات التهويد والتقسيم.
الأقصى قضية جامعة تتجاوز الانقسامات
تمثل قضية المسجد الأقصى البوصلة التي تجمع شتات الأمة، متجاوزةً الانقسامات السياسية والجغرافية، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:92].
إن وحدة الموقف تجاه الأقصى تعكس وعيًا مشتركًا بالمسؤولية، وتؤكد أن المساس به هو مساسٌ بكرامة كل مسلم من أدنى الأرض إلى أقصاها.
تأثير التوترات الدولية والمرويات التوراتية
لا يمكن عزل ما يجري في الأقصى عن السياق الدولي وتصاعد التوترات في المنطقة، حيث تُوظَّف الاعتبارات الأمنية لإعادة تشكيل الواقع القائم في المقدسات. ويرتبط الإغلاق بهوس عقدي يسعى لإحلال "الرواية الأسطورية" مكان الحقيقة التاريخية، وتصوير تفريغ المسجد كخطوة لتمهيد بناء "الهيكل المزعوم". إنها "حرب وجودية" تستهدف تجريف التاريخ وتطويق المقدسات بأساطير استيطانية لفرض الرواية الأحادية وإلغاء الحضارة الإسلامية للمكان، مما يجعل الصمود في الأقصى خط الدفاع الأخير عن كرامة الأمة.
نداءُ الحق: إلى ضمير الأمة وأحرار العالم
نرفع نداءً صادعاً إلى حكام المسلمين وأحرار العالم ومنظماته الدولية؛ إن الصمت حيال هذه القيود يُعد تقصيرًا في صون المقدسات، ويمنح فرصة لتكريس واقع يرفضه الضمير الإنساني. إن واجبكم التاريخي والأخلاقي يحتِّم التدخل الفوري لمنع الكيان الغاصب من الانفراد بالمسجد وتحويله إلى ثكنة عسكرية أو ساحة لتجارب التهويد. والتاريخ لن يرحم من فرّط في حماية هذا الحق الديني الأصيل، والأجيال لن تغفر لمن صمت عن خنقِ مسرى نبيها صلى الله عليه وسلم وتدنيس مقدساتها.
من الوعي إلى الفعل: واجبنا العملي
تتطلب نصرة الأقصى الانتقال من عاطفة اللحظة إلى الفعل الدائم عبر:
ممارسة الدول مسؤولية الضغط السياسي والاقتصادي لفتح المسجد.
تفعيل دور المنظمات الدولية (كاليونسكو ومجلس الأمن).
توثيق الانتهاكات ونشرها بلغات العالم لفضح "الذرائع الأمنية" الكاذبة.
تعزيز بقاء المرابطين والمجتمع المقدسي عبر القنوات الموثوقة كخط دفاع مادي أول.
غرس قيمة الأقصى في الأجيال كـ "حق خالص".
تفعيل المقاطعة الشاملة ورفض التطبيع بكافة أشكاله مع المحتل الغاصب.
ختامًا.. ليس المسجد الأقصى مجرد حيزٍ مكاني، بل هو آيةٌ ثابتة وميثاقٌ يربط عقيدة الأمة بواقعها. ستبقى إرادة المصلين أقوى من القيود، وسيظل الأقصى حيًّا بسجدات أهله ووعي أمته، حتى تظل مآذنه شاهدةً بأن الحق الذي وراءه أمةٌ لا يمكن أن يضيع.
والله أكبر ولله الحمد