الموقع الرسمي للإخوان المسلمون

الفكر والدعوة

مقالات فى الفكر والدعوة والحركة

عمارة القلوب في زمن الشتات نحو استثمار معية الغار في الهجرة للواقع المعاصر

عمارة القلوب في زمن الشتات نحو استثمار معية الغار في الهجرة للواقع المعاصر

وصفي عاشور أبو زيد

أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة

د. وصفي عاشور أبو زيد
يشهد تاريخ الأمة الإسلامية المعاصر فصلاً من أشد فصولها إيلاماً؛ حيث تحولت المنافي والمهاجر إلى قواسم مشتركة تجمع ملايين المسلمين الذين ضاقت بهم أوطانهم بما رحبت؛ فلم يعد اللجوء أو الاغتراب مجرد حدث عادي في حياة الفرد، بل غدا ظاهرة عامة تصبغ حياة شعوب بأكملها، نتيجـة لتسلط الظلم، وفشو الطغيان، وتكالب الفتن التي جعلت خيار الخروج بالنفس والدين والحرية ضرورة ملجئة لا ترفًا اختياريًّا.

إننا إذ ننظر في خارطة الشتات المسلم اليوم، نرى مأساة مركبّة الأبعاد:
- أرض فلسطين المباركة: التي ما زال أهلها يسطرون ملاحم الثبات والتشريد المنظم منذ عقود، حيث تحول الملايين منهم إلى لاجئين في أصقاع الأرض، يحملون مفاتيح بيوتهم في أيديهم، ويورثون جيلًا بعد جيل يقين العودة وطهر القضية.
- أرض الشام وعراق الحضارة: حيث أفضت الحروب الظالمة والاستبداد الأسود والتدخلات الخارجية إلى تفريغ حواضر الإسلام التاريخية من علمائها وعمارها، فبات السوري والعراقي يقطعون البحار والمحيطات، ويواجهون غياهب المجهول بحثاً عن ملاذ آمن يحفظون فيه كرامتهم ودينهم.
- مصر الكنانة ويمن الإيمان الحكيم: اللذان رزحا تحت وطأة النكبات والتحولات السياسية القاسية، فهاجر خيرة شبابها وعلمائها ومفكريها، ليعيشوا غربة قسرية بعيداً عن محاضنهم الروحية والدعوية.
- لبنان الجريح وليبيا المكلومة: حيث التمزق الداخلي والصراعات المزمنة أكلت الأخضر واليابس، ودفعت بأبنائهما إلى مهاجر الغربة والضياع.
- مسلمو تركستان الشرقية وطاجيكستان: وغيرهم من الأقليات والأجناس المسلمة في آسيا الوسطى، الذين يواجهون محاولات ممنهجة لطمس هويتهم العقدية واللغوية، مما جعل خروجهم من بلادهم فراراً بالدِّين في أبهى صور الهجرة الإيمانية التعبدية.

إن هذا الشتات الممتد، بأجناسه المختلفة ولغاته المتعددة، يقف اليوم في مواجهة تحديات وجودية وعقدية وأخلاقية بالغة الخطورة في بلاد المهجر القسري، فالغربة ليست مجرد انتقال من فضاء جرافي إلى آخر، بل هي زلزال يصيب البنية النفسية والقيمية للمسلم، حيث تتنازعه ضغوط الاندماج والذوبان في المجتمعات الجديدة، وصدمات الفقد والحنين، وضيق ذات اليد، والشعور بالخذلان والاضطهاد.

في ظل هذه الأمواج العاتية من الفتن والمحن، يبرز السؤال الوجودي والدعوي الأهم: ما الذي يعصم هؤلاء المهاجرين من السقوط والانتكاس؟ وما الحصن المنيع الذي يحفظ عليهم أخلاقهم وتصرفاتهم وسلوكياتهم ليكونوا شامات مضيئة ودعاة هداة في أراضي هجرتهم؟

إن الإجابة الشرعية والإيمانية تتلخص في حقيقة واحدة: عمارة القلوب؛ فالقلب هو ملك الأعضاء، وصلاحه صلاح للجسد والحياة والسلوك، وبخاصة في زمن المهاجر القسرية؛ فإذا عمر القلب باليقين والمعية الإلهية، تحولت المنافي إلى محاضن للتربية والفتح، وصار الشتات فضاءً واسعاً لنشر أنوار الرسالة النبوية.

موقف الغار وظلال المعية: قراءة تدبرية في آيات سورة التوبة
حين تشتد الأزمات بالمسلمين، ليس لهم من ملجأ إلا الوحي؛ يستنطقون آياته، ويستلهمون مواقفه لتنزل على قلوبهم بردًا وسلامًا وطمأنينة، وفي تاريخ السيرة النبوية المشرفة، تبرز حادثة الهجرة النبوية، وتحديداً "موقف الغار"، باعتباره النموذج الأسمى والأكمل لكل مسلم أُخرج من دياره بغير حق إلا أن يقول ربي الله.
لقد وثَّق القران الكريم هذه اللحظة الرهيبة والمقدسة في سورة التوبة، في سياق معاتبة الذين تثاقلوا عن الجهاد، وتذكيرهم بأن الله غني عنهم، وبأن النصر والتمكين ليس مرتبطاً بالكثرة العددية، بل بمدى الاتصال الإلهي وعمارة القلوب بالإيمان. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40]. 
إن تدبر هذه الآية العظيمة يكشف عن حقائق إيمانية وتربوية ينبغي أن يتربى عليها المسلم المشتت في الأرض اليوم:
1. الاستئصال المادي والنصر الغيبي
تبدأ الآية بتقرير حقيقة عقدية حاسمة: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾، واللافت هنا أن صيغة الفعل جاءت بالماضي لتحقيق الوقوع، وفي وقت كان فيه النبي ﷺ في أضعف حالاته المادية؛ مطارداً، وحيداً مع صاحبه، ملتجئاً إلى تجويف صخري مظلم في جبل ثور، وأقدام المشركين تقف على حافة الغار لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرهما .. إن القرآن يسمي هذه الحالة من الانقطاع التام للأسباب المادية: نصراً؛ وذلك لأن النصر الحقيقي هو ثبات القلب وعمارته باليقين بالله، والتفات الروح عن الأسباب بعد الأخذ بها إلى مسبب الأسباب سبحانه وتعالى.
2. بلاغة الرفقة والإشفاق البشري
وصف القرآن الكريم للنبي ﷺ وصاحبه بـ ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ فيه دلالة إيمانية عميقة على أهمية الرفقة الصالحة والتحام القلوب في أوقات الشدائد، ثم تأتي العبارة المشحونة بالرحمة والدعوة: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾. لم يكن حزن الصديق - رضي الله عنه - خوفاً على نفسه أو جزعاً على حياته، بل كان إشفاقاً على الحقيقة الكبرى، وخوفاً على ضياع الرسالة بوقوع المكروه بنبيها ﷺ، وهنا تتجلى الوظيفة الإيمانية للقائد والدَّاعية في تثبيت القلوب المرتجفة، ليس بإعطائها وعوداً مادية زائفة، بل بربطها مباشرة بالمصدر الأعلى والأوحد للأمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
3. السكينة والجنود الخفية
يترتب على المعية نزول السكينة: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾، والسكينة هي طمأنينة وقور، تضفي على القلب السكون والرضا في مواجهة الأعاصير، وإني أستحضر هنا قراءة الشيخ محمد صديق المنشاوي لهذه العبارة الشريفة: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾، وهو يقف على كلمة (عليه) بمد اللين الذي يُشعرك بالسكينة الغامرة والراحة الكاملة .. ثم يأتي التأييد بالجنود: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾، وهي إشارة صريحة إلى أن الله عز وجل يملك من القوى والوسائل الغيبية ما لا يخضع للمقاييس البشرية أو الحسابات المادية للأعداء.

في ظلال موقف الغار: أقوال المفسرين وتحليلها
لقد تبارى مفسرو الأمة وعلماؤها في استنباط الكنوز الإيمانية والمقاصد الدعوية من آية الغار، معتبرين إياها دستوراً ثابتاً للمؤمنين في كل زمان ومكان إذا حوصروا أو شُرّدوا.
يقول الإمام الحافظ ابن كثير (ت: 774هـ) في كتابه تفسير القرآن العظيم: "وقوله: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ : "أي: تنصروا رسوله، فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه، كما تولى نصره { إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ [إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ] أي: عام الهجرة، لما هم المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه، فخرج منهم هاربًا صحبة صدِّيقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطَّلَبُ الذين خرجوا في آثارهم، ثم يسيرا نحو المدينة، فجعل أبو بكر، رضي الله عنه، يجزع أن يَطَّلع عليهم أحد، فيخلص إلى الرسول، عليه السلام منهم أذى، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يُسَكِّنه ويَثبِّته ويقول: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما"(). 
وفي العصر الحديث، قدم الأستاذ الشهيد سيد قطب - رحمه الله تعالى - في كتابه في ظلال القرآن تحليلاً إيمانيًّا ودعويًّا فذاً لهذه الآية، يلامس نياط القلوب ويحاكي واقع المستضعفين والمهاجرين محاكاة تامة، يقول في ظلال هذه الآية: "ذلك حين ضاقت قريش بمحمد ذرعاً ، كما تضيق القوة الغاشمة دائماً بكلمة الحق ، لا تملك لها دفعاً ، ولا تطيق عليها صبراً ، فائتمرت به ، وقررت أن تتخلص منه ؛ فأطلعه اللّه على ما ائتمرت ، وأوحى إليه بالخروج ، فخرج وحيداً إلا من صاحبه الصدّيق ، لا جيش ولا عدة ، وأعداؤه كثر ، وقوتهم إلى قوته ظاهرة . والسياق يرسم مشهد الرسول وصاحبه: :" إذ هما في الغار ". والقوم على إثرهما يتعقبون ، والصديق - رضي اللّه عنه - يجزع - لا على نفسه ولكن على صاحبه - أن يطلعوا عليهما فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب ، يقول له : لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه . والرسول - [ ص ] - وقد أنزل اللّه سكينته على قلبه ، يهدئ من روعه ويطمئن من قلبه فيقول له : " يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما".
ويمضي سيد قطب في تحليل أبعاد هذه الكلمة وأثرها الإيماني على عمارة القلوب فيقول: "ثم ماذا كانت العاقبة ، والقوة المادية كلها في جانب ، والرسول - [ ص ] - مع صاحبه منها مجرد؟ كان النصر المؤزر من عند اللّه بجنود لم يرها الناس . وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار: " وجعل كلمة الذين كفروا السفلى". وظلت كلمة اللّه في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة : " وكلمة اللّه هي العليا ". وقد قرئ (وكلمة اللّه) بالنصب . ولكن القراءة بالرفع أقوى في المعنى . لأنها تعطي معنى التقرير . فكلمة اللّه هي العليا طبيعة وأصلاً ، بدون تصيير متعلق بحادثة معينة . واللّه (عزيز) لا يذل أولياؤه (حكيم) يقدر النصر في حينه لمن يستحقه .. ذلك مثل على نصرة اللّه لرسوله ولكلمته ؛ واللّه قادر على أن يعيده على أيدي قوم آخرين غير الذين يتثاقلون ويتباطأون . وهو مثل من الواقع إن كانوا في حاجة بعد قول اللّه إلى دليل!"(). 
تحليل أقوال المفسرين وربطها بالفكرة:
حين نمعن النظر في هذه التوجيهات والتفسيرات، نجد أنها تخدم فكرة المقال الجوهرية من عدة أوجه رئيسية:
أولاً: فك الارتباط بين الأمان المادي والأمان الروحي: إن المفسرين يجمعون على أن السكينة والطمأنينة نزلت في وقت كان فيه الغار محاصراً مادياً، وهذا يعلم المهاجر والشريد اليوم أن اضطراب الأحوال المعيشية، وفقدان الأوراق الثبوتية، والعيش في خيام اللجوء أو منافي الغربة، لا يعني بالضرورة ضياع الأمن النفسي .. إن الأمن ينبع من الداخل، من قلبٍ عُمّر بالصلة بالله، فاستشعر معية الله، وعندها يستوي عنده فخامة القصور وضيق الملاجئ.
ثانياً: شمولية "المعية الإلهية" واستمراريتها: إن المعية الإلهية التي أعلنها النبي ﷺ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ لم تكن حدثاً خاصًّا بزمانه أو منقطعاً بوفاته؛ بل هي حقيقة إيمانية مطردة وممتدة في كل زمان ومكان لكل من سار على دربه، وحمل دعوته، وأُخرج من أرضه مجاهداً صابراً .. إنها امتداد حي للحياة النبوية التي كانت كلها عبارة عن "سلسلة من المهاجر" والتنقل بين الغيران؛ من غار حراء حيث عمارة القلب الأولى بالوحي والاتصال برب الأرض والسماء، إلى غار ثور حيث عمارة المجتمع الجديد وبناء قواعد الثبات السلوكي والأخلاقي وسط العواصف.
ثالثاً: تحويل المحنة إلى منحة دعوية: يتبين من كلام صاحب الظلال أن الجنود الخفية والتأييد الرباني يبدأ فور تخلص القلب من حزنه وخوفه البشري واتكاله على ربه، المهاجرون من أبناء الأمة اليوم عندما يستوعبون هذا الفقه، سيتوقفون عن دور الضحية الباكية، وينتقلون إلى دور الفاتح الداعية، مستشعرين أن الله أخرجهم بتقديره وحكمته ليكونوا بذوراً طيبة تثمر إسلاماً وإيماناً وأخلاقاً في مجتمعات المهاجر الجديدة.

أوجه استثمار نموذج "المعية الغارية" في حياة المسلمين والمهاجرين اليوم
إن تحويل فقه "معية الغار" وعمارة القلوب من أطرها النظرية والتفسيرية إلى برامج عمل واقعية وحالة سلوكية معاشة في بلاد الشتات، يتطلب تمثل هذا النموذج النبوي في عدة صور وأشكال تطبيقية، تجمع بين أصالة الإيمان ونقاء الأخلاق وحسن التصرف:
1. الاستعلاء الإيماني على قيم المادة والذوبان
إن كبرى المعارك التي يخوضها المهاجر السوري أو المصري أو التركستاني في بلاد اللجوء (سواء في الشرق أو الغرب) هي معركة الهوية .. إن "معية الغار" تمنح المؤمن حصانة رصينة تمنعه من السقوط والذوبان في قيم المجتمعات المستضيفة إذا كانت تخالف دينه وعقيدته.
الشكل التطبيقي: يتجلى هذا الاستعلاء في اعتزاز المهاجر بشعائر دينه؛ من إقامة الصلاة، والحفاظ على لباس المرأة وبناء الأسرة المسلمة، والامتناع عن المحرمات المالية والأخلاقية، لا على سبيل الانعزال والعداء، بل على سبيل التميز الإيماني الذي يثير احترام الآخرين ويدعوهم لمعرفة هذا الدين العظيم .. إن قلب المسلم المعمور بربه يرى في بلاد الهجرة مسجداً كبيراً وفضاءً للدعوة، لا حانة للشهوات والضياع.
2. التضامن والتكافل وصناعة "مجتمعات الأخوة"
في الغار، تجلت أسمى معاني الأخوة والتحام الأرواح بين النبي ﷺ والصديق رضي الله عنه، والمسلمون في مغارب الأرض ومشارقها اليوم بحاجة ماسة إلى استحضار هذا النموذج لإنهاء حالة التشرذم والفرقة.
الشكل التطبيقي: إن المهاجرين من مختلف الجنسيات (الفلسطيني واليمني والطاجيكي والليبي واليمني وغيرهم) ينبغي أن تذوب بينهم فوارق القوميات واللغات، ليلتقوا في ظلال "أخوة الغار"، ويظهر هذا من خلال تأسيس المراكز الإسلامية، والمحاضن التربوية، والجمعيات الخيرية الدعوية التي تأخذ بيد القادم الجديد، وتوفر له السند النفسي والمادي، وتحميه من التيه، وتذكره دائماً بـ: "لا تحزن إن الله معنا". إن عمارة القلوب هنا تنتقل من الفرد إلى الجماعة، لتصنع مجتمعاً طاهراً متماسكاً في بلاد المهجر.
3. الصبر الجميل ونبذ اليأس والإنتاجية الدعوية
من أخطر أمراض الهجرة القسرية الاستسلام لليأس، والشعور بالإحباط والخذلان من القريب والبعيد، مما قد يؤدي ببعض الشباب إلى الانحراف السلوكي أو الفكري.
الشكل التطبيقي: إن فقه الغار يربي في نفس المهاجر يقيناً جازماً بأن العاقبة للمتقين، وأن كلمة الله هي العليا دائماً وأبداً .. هذا اليقين يدفع المسلم ليكون عنصراً صالحاً ومنتجاً؛ فيتعلم لغة البلاد الجديدة، ويتفوق في دراسته وعمله، ويقدم صورة مشرفة عن المسلم الصادق الأمين والمخلص. إنه يحول طاقة الحزن واللجوء إلى طاقة بناء وعطاء وتأثير إيجابي، مستشعراً أن ربه الذي نجى نبيه وصاحبه من حصار الغار، قادر على أن يخرج هذه الأمة من قمقم الاستضعاف والشتات إلى فضاء التمكين والعزة.
4. التربية الروحية وتعميق العبادات الخفية
كان الغار في أصله مكاناً للخلوة والتعبد والتبتل، وبناءً عليه، فإن أراضي الشتات والهجرة ينبغي أن تُستغل لإعادة بناء الصلة الخاصة بين العبد وربه، بعيداً عن مُلهيات الأوطان وشواغل العادات.
الشكل التطبيقي: إحياء السنن الراتبة، وقيام الليل، وملازمة الاستغفار، وتدبر القرآن العظيم، وصيام النوافل .. هذه العبادات الروحية والدعوية هي بمثابة "الوقود الإيماني" الذي يغذي القلب المعمور، ويمده بالطاقة والتحمل لمواجهة غياهب المنافي، ويحفظ تصرفاته من الطيش أو الجزع عند نزول الملمات والخطوب.

العبور من ضيق الغار إلى أفق الفتح
إن هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن قصةً تُروى للذكرى والبركة، بل هي منهج حياة مستمر، وخريطة طريق متجددة تسير عليها الأمة في كل أوقات محنها واستضعافها، وإن هذا الشتات الواسع والمؤلم الذي يعيشه ملايينُ المسلمين اليوم من مشارق الأرض ومغاربها، ليس نهاية المطاف، بل هو إرهاص لولادة جديدة، شريطة أن تعمر القلوب بالمعية الإلهية التي أُعلنت من جوف غار ثور.

عندما يستقر في رُوع المهاجر المسلم المظلوم المطرود من أرضه أن انقطاع الأسباب الأرضية هو بداية النصر الإلهي الغيبي، وعندما يمحو من قاموسه الحزن البشري المقعِد ليحل محله اليقين والسكينة والعمل الدؤوب، وعندما يدرك أن الله قد ابتعثه في هذه الأرض ليكون شاهداً بالحق وذائداً عن الفضيلة، عندئذٍ فقط تتحول هذه الجموع المتشتتة من عبء تاريخي إلى شراكة دعوية ورافعة حضارية كبرى.

إن ضيق الغار كان البوابة الشرعية والإيمانية لفتح مكة وتأسيس دولة الإسلام العالمية التي أضاءت المشرق والمغرب؛ وإن شتات المسلمين اليوم، في مخيمات اللجوء ومنافي الاغتراب وعواصم الغرب والشرق، سيكون - بإذن الله تعالى وبفضل عمارة القلوب باليقين والمعية - البوابة الكبرى لنشر أنوار هذا الدين، وهدم عروش الطغيان، وإعلاء كلمة الله لتكون هي العليا في كل صقع ووادٍ، وصدق الله العظيم؛ إذ يقول متبوعًا بالوعد المبين والمطلق: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].