عاشوراء .. رسالة الأمل في زمن الاستضعاف
الحمد لله ربِّ العالمين، مُجري السُّنَن، ومُداولِ الأيام بين الناس، يُعِزُّ من يشاء بطاعته، ويُذِلُّ من يشاء بعدله، لا يُخلِف وعدَه، ولا يُبدِّل سُنَّتَه، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ خاتمِ النبيين، وإمامِ المرسلين، الذي جمع الله به ميراث الأنبياء، وربط أمته بتاريخ الإيمان كلِّه، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد..
فليس يوم عاشوراء مجرد ذكرى تاريخية نستحضر فيها حادثةً مضت، ولا مناسبةً تعبديةً نقف عند حدود فضل صيامها، وإنما هو يومٌ تتجدد فيه معاني اليقين، وتتجلَّى فيه سُنَن الله في نصرة الحق وإهلاك الباطل، ويبعث في قلوب المؤمنين الثقة بأن طريق الأنبياء واحد، وأن معركة الإيمان مع الطغيان ماضية ما بقيت الحياة، وأن السُّنَن التي صنعت النجاة بالأمس قادرة على أن تصنعها اليوم وغدًا.
لقد قدِم رسول الله ﷺ المدينة، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن ذلك، فقالوا: هذا يوم نجَّى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وجنده، فقال: »نحن أحقُّ وأولى بموسى منكم«، فصامه وأمر بصيامه. (رواه البخاري ومسلم).
ولم تكن هذه الكلمة إعلانًا عن مشاركةٍ في مناسبة تاريخية، وإنما كانت إعلانًا عن حقيقة عقدية كبرى؛ وهي أن رسالة الإسلام هي الامتداد الكامل لرسالات السماء، وأن أمة محمد ﷺ هي الوارثة لتراث الأنبياء، والحاملة لراية التوحيد التي رفعها نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾ [الشورى: 13]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92].
ولهذا لم يكن ارتباط النبي ﷺ بموسى عليه السلام ارتباط محبة وتقدير فحسب، بل ارتباط رسالة ومنهج وموقف؛ فهو أولى به لأنَّه يحمل دعوته، ويُتمُّ مسيرته، ويجدد في الناس معاني التوحيد والعدل والتحرير، ويقف في وجه الجبروت كما وقف الأنبياء جميعًا.
عاشوراء... مدرسة السنن الإلهية
شاء الله سبحانه أن تتكرر قصة موسى وفرعون في القرآن الكريم أكثر من غيرها من القصص؛ لأنها تمثل النموذج القرآني الأوضح لمواجهة الاستبداد والطغيان، ولأن الصراع بين الحق والباطل ليس حادثةً تاريخية عابرة، وإنما سنة ربانية تتجدد في حياة الأمم.
فالطغيان لا يقوم على شخص واحد، بل على منظومة متكاملة من القوة والمال والتضليل وتسخير المصالح لخدمة الباطل. وقد عرض القرآن نماذج ذلك في فرعون وهامان وقارون ومن التف حولهم من أصحاب الأهواء والمصالح.
ويقف الطاغية ممتلئًا بقوته وجنده وماله، ويقف المؤمن مجرَّدًا إلا من يقينه بالله، ثم تنتهي المعركة بما لم يكن يتوقعه أهل الأرض؛ ليعلم الناس أنَّ القوة الحقيقية ليست فيما يملكه المستكبرون، وإنما فيما يمنحه الله لعباده المؤمنين.
قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: 5-6].
إنها ليست آية تتحدث عن بني إسرائيل وحدهم، وإنما قانون رباني يجري في كل زمان ومكان؛ فلا يترك الله المستضعفين إذا صدقوا وصبروا، ولا يدع الطغاة مهما طال سلطانهم دون حساب.
ولهذا كان البحر الذي بدا لموسى وقومه نهاية الطريق بداية النجاة، وكان سببًا في هلاك فرعون وجنده، ليبقى هذا المشهد خالدًا في وجدان المؤمنين: أن الله إذا أراد نصر عباده هيأ لهم من الأسباب ما يعجز العقل عن إدراكه، وأن الفرج قد يولد من قلب الشدة، وأن المنحة قد تخرج من رحم المحنة.
ويتعلم المؤمن من عاشوراء أن الاستضعاف ليس قدرًا أبديًا، وأن انتظار الفرج عبادة، وأن الثقة بوعد الله ليست أمنية نفسية، بل يقين يستند إلى تاريخ الرسالات وسنن الله التي لا تتبدل. قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47].
من شاطئ البحر إلى واقع الأمة
لا يقرأ المؤمن قصة موسى عليه السلام بوصفها صفحة من صفحات التاريخ، وإنما يقرؤها بوصفها سنة من سنن الله الجارية في الأمم، تتبدل فيها الأسماء والوجوه، ويبقى الصراع بين الحق والباطل على صورته الأولى.
فما أشبه قول بني إسرائيل: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61] بما يتردد على ألسنة الناس حين تضيق الأسباب وتشتد المحن، وما أشبه جواب موسى عليه السلام: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62] بما يحتاجه المؤمن في كل زمان ومكان.
وهذه ليست كلمة تقال عند الشدائد، وإنما عقيدة تصنع الثبات، وتغرس الأمل، وتمنح الأمة القدرة على الصمود مهما اشتدت الخطوب.
وما يجري في غزة اليوم من حصار وتجويع وقتل وتهجير، وما يقدِّمه أهلها من صبر ورباط وثبات، يذكِّر الأمة بِأنَّ الابتلاء قد يكون مقدمة للتمكين.
إنَّ الأطفال الذين وُلدوا تحت القصف، والأمهات اللاتي ودَّعن أبناءهن وأزواجهن وهن يرددن: حسبنا الله ونعم الوكيل، والرجال الذين ثبتوا على أرضهم رغم شدة البلاء، جميعهم يكتبون صفحة جديدة من صفحات الصبر التي عرفها تاريخ الأنبياء.
قد يتأخر النصر، وقد يشتد البلاء، ولكن المؤمن يعلم أن وعد الله لا يتخلف، وأن الأيام دول بين الناس، وأن الحق لا يقاس بجولة واحدة، وإنما يقاس بالعاقبة التي كتبها الله لعباده الصالحين.
وكما نجَّى الله موسى ومن معه من بطش فرعون وجنده، فهو سبحانه ناصر المستضعفين إذا صدقوا وصبروا، ومخرجهم من الضيق إلى السعة، ومن المحنة إلى المنحة، ومن الاستضعاف إلى التمكين.
خلف الأسوار.. وعد الله للمستضعفين
وليس أهل غزة وحدهم من يعيشون معنى الاستضعاف؛ فخلف الأسوار آلاف المعتقلين والمظلومين الذين ينتظرون الفرج، ويوقنون أن الليل مهما طال فلا بد أن يعقبه فجر. وفي غير بلدٍ من بلاد المسلمين ما تزال أسرٌ تتجرع ألم الفراق، وتكابد قسوة الانتظار، غير أن الابتلاء مهما طال أمده لا يقطع رجاء المؤمن بربه، ولا يحجب عنه الثقة بحسن العاقبة.
وفي مصر ما تزال آلاف الأسر تعيش آثار سنواتٍ من السجن والمطاردة والحرمان، لكنها تستمسك بالأمل، وتوقن أن الظلم إلى زوال، وأن الأيام دول، وأن الله لا يضيع أجر الصابرين. ويذكِّرنا ذلك بأن طريق المستضعفين قد يطول، لكنه لا يضيع، وأن دموع المظلومين وآهات المكروبين كلها محفوظة عند الله، الذي لا تخفى عليه خافية.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42].
بين فرعون الأمس وطغاة اليوم
تتغير الأسماء وتتبدل الوجوه، ولكن حقيقة الطغيان واحدة؛ استعلاء في الأرض، واحتقار للناس، وإفساد في البلاد، ومحاربة لأهل الحق.
وقد سجل القرآن هذه الحقيقة بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 4].
ولذلك لم يكن القرآن يقص علينا أخبار فرعون للتسلية، وإنما ليعلمنا أن كل طاغية يسلك طريقه، وأن كل مستكبر ينتهي إلى مصيره. قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: 40].
وقد يظن أهل الباطل أن ما يملكونه من قوة وسلاح وإعلام قادر على تغيير التاريخ، ولكن التاريخ كله يشهد أن الطغيان جولة، وأن الحق دولة. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].
عاشوراء.. وصناعة الأمل
ليس الأمل في الإسلام شعورًا عابرًا، بل هو يقين بوعد الله وثقة بسننه. ولذلك لا يقرأ المؤمن الأحداث بعين اللحظة، وإنما بعين الوحي؛ فيستمد من يقين موسى عليه السلام: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]، ومن يقين النبي ﷺ:﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]؛ ما يجدد عزيمته ويقوي ثباته. فإذا اجتمع اليقين مع العمل، والصبر مع الأخذ بالأسباب، تحقق وعد الله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].
واجبنا في يوم عاشوراء
وعاشوراء ليس يومًا لاستحضار الذكريات فحسب، بل هو يوم لتجديد العهد مع الله، وتعميق الانتماء لرسالة الأنبياء، واستعادة الثقة بسننه ووعده. فواجب الأمة أن تحسن صلتها بربها، وأن تنصر المظلوم، وتثبت مع صاحب الحق، وتربي أبناءها على العزة والكرامة، وتوقن أن طريق الإصلاح طويل، لكنه الطريق الذي سلكه الأنبياء والصالحون من قبل.
وإذا كان موسى عليه السلام قد صام هذا اليوم شكرًا لله على النجاة، فإن أمة محمد ﷺ تجمع فيه بين شكر النعمة، وتجديد اليقين، واستحضار وحدة رسالة الأنبياء، والعمل لنصرة المستضعفين وإقامة العدل ومقاومة الظلم.
وهكذا يبقى عاشوراء شاهدًا على أن طريق الأنبياء واحد، وأن العاقبة للمتقين، وأن سنن الله لا تحابي أحدًا ولا تتخلف عن أحد.
نسأل الله تعالى أن يجعل يوم عاشوراء يومَ يقينٍ وتجديدٍ وأمل، وأن يفرج كرب المكروبين، ويطلق سراح المظلومين، وينصر المستضعفين، ويهيئ لهذه الأمة من أمرها رشدًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الخميس 10 محرم 1448هـ؛ الموافق 25 يونيو 2026م