الموقع الرسمي للإخوان المسلمون

رسالة الاخوان

رسائل تحمل التوجهات الرئيسية لجماعة الإخوان المسلمين فى الفكر...

انقلاب يوليو.. بعد ثلاث عشرة سنة: حين يقود الظلم إلى تراجع الأوطان

انقلاب يوليو.. بعد ثلاث عشرة سنة: حين يقود الظلم إلى تراجع الأوطان

الحمد لله رب العالمين، القائل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
لقد أمر الله بالعدل، وجعل في الظلم خرابَ العمران وهلاكَ الأمم، وفي الإصلاح نهضةَ المجتمعات وبقاءَ الحضارات. وهذه سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير. ونستحضر هذه المعاني في ذكرى انقلاب يوليو 2013؛ لنستلهم منها الدروس والعبر، فالأمم التي لا تتعلم من أخطائها تكررها، وتجري عليها سنن الله.

ثلاث خسائر كبرى
ثلاث عشرة سنة مرت على محنة الانقلاب، لم يخسر فيها الوطن رئيسَه المدنيَّ المنتخبَ، والتجربةَ الديمقراطية الوليدة فحسب، وإنما خسر ثلاثة من أعظم مقومات نهضته: إرادتَه، وريادتَه، وخيرةَ موارده البشرية. وحين تفقد الأمة مقومات نهضتها، لا تقف آثار نكبتها عند حدود السياسة، بل تمتد إلى الاقتصاد، والتعليم، والإعلام، والقضاء، والثقافة، والأخلاق، حتى يمسَّ التراجعُ والفشلُ حياةَ الناس جميعًا.

أولًا: ضياع الإرادة
إن أعظم ما منحته ثورة الخامس والعشرين من يناير للمصريين هو تحرير إرادتهم، وإيمانهم بقدرتهم على صنع مستقبلهم، بعد عقود من الاستبداد والاستعباد. وشعر المواطن لأول مرة أن إرادة الشعب هي مصدر الشرعية، حتى جاء الانقلاب العسكري فسحق هذا الحلم، وأعاد البلاد إلى حظيرة الحكم العسكري بالقوة الغاشمة، وصادر حق الشعب في الاختيار.
وأخطر ما يصيب الشعوب المقهورة أن يتربى أبناؤها على أن القوة فوق الحق، فتتنازل عن حقوقها خوفًا من بطش المستبد، وعندئذ يفسد الضمير، ويضعف الإيمان بقيمة العدل، ويحل اليأس محل المبادرة، وتسود ثقافة الاستسلام، فيحل الخراب بالعمران.

ثانيًا: تراجع الريادة
عُرفت مصر عبر تاريخها بأنها قلب الأمة النابض، ومنارة العلم والفكر، ودولة ذات ثقل تاريخي وحضاري، لها مكانتها الرفيعة، ويمتد تأثيرها إلى العالم العربي والإسلامي. غير أن سنوات حكم انقلاب يوليو المشؤوم نالت من هذا الرصيد الحضاري الهائل، وأضعفت دور مصر وريادتها ومكانتها الدولية، وأفقدتها كثيرًا من حضورها الإقليمي. فخسرت مصر بالانقلاب ما لم تخسره في كثير من حروبها في العصر الحديث.

ثالثًا: استنزاف الإنسان
وأخطر ما خسرته مصر في هذه السنوات لم يكن المال ولا الممتلكات، وإنما الإنسان. فقد غُيِّب آلاف من أصحاب الكفاءات في السجون، واضطر كثير من العلماء، والدعاة، والمفكرين، والخبراء إلى الهجرة، بينما حُرم الوطن من خبراتهم وطاقاتهم.
فالإنسان هو الثروة الحقيقية لكل أمة، وهو عماد كل نهضة. وخسارة العقول والطاقات من أخطر آثار الظلم؛ فضياع الإنسان، صانع الحضارة، وإضعاف روح المبادرة لديه، وقتل الانتماء والأمل في نفوس الشباب، كل ذلك لا يجلب للبلاد إلا التراجع والخراب.

هذه ثلاثة من أهم مقومات النهضة التي فقدتها مصر تحت حكم الانقلاب.
الكبائر الخمس التي قام عليها الانقلاب
لقد جاء الإسلام ليقيم حياة الناس على الحق والعدل، ويحفظ لهم دينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم وحقوقهم. وكلما انتُهكت هذه الضرورات العظمى كان ذلك إيذانًا بفساد العمران. وقد ارتكب نظام يوليو سلسلة من الكبائر التي لا تستقيم معها حياة الأمم، وبدأ ذلك بانتهاك جملة من القيم الكبرى التي مهَّدت لهذا الوضع المتردي، ومن أبرزها:

أولًا: تزوير إرادة الأمة
جعل الإسلام شهادة الزور من أكبر الكبائر، حتى قال النبي ﷺ: «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور»، وظل يكررها حتى قال الصحابة: ليته سكت. متفق عليه.
وإذا كانت شهادة الزور تضيِّع حق فرد، فإن تزوير إرادة شعب بأكمله أشد خطرًا؛ لأنه يصادر حق الأمة في اختيار من يحكمها، ويقلب موازين العدل، ويجعل القوة مصدر الشرعية بدل الإرادة الشعبية. وحين يفقد الناس ثقتهم في قيمة أصواتهم، يفقدون كذلك ثقتهم في المشاركة والإصلاح، ويحل الإحباط واللامبالاة.
ومن أخطر آثار هذا التزوير أنه يربي الأجيال على أن الحق لا يُنال بالوسائل المشروعة، وأن القوة تستطيع أن تلغي إرادة الشعوب، وهي رسالة مدمرة للأخلاق قبل أن تكون مدمرة للحياة السياسية.

ثانيًا: استباحة الدماء
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93].
ومن أشد ما آلم ضمير الأمة في تلك السنوات مشاهد الدماء التي أُريقت في ميادين الاعتصام، وفي مقدمتها رابعة، وما تبعها من وقائع سقط فيها مئات الضحايا، دون أن تتحقق عدالة تنصف المظلومين، وتردع المعتدين.
إن الدماء لا تتحول بمرور الزمن إلى أرقام في سجلات التاريخ، ولا تغيب عن عدل الله، بل تبقى حقوقًا معلقة حتى يقضي الله فيها يوم يقوم الناس لرب العالمين. وقد قال رسول الله ﷺ: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دمًا حرامًا» رواه البخاري.
كما حذَّر النبي ﷺ من دعوة المظلوم، فقال: «واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» متفق عليه.
وليست خطورة هذه الجريمة في عدد الضحايا الذين سقطوا فحسب، وإنما فيما تُحدثه من تصدع في الضمير الجمعي؛ إذ يعتاد الناس رؤية الظلم، ويألفون مشاهد الدم، ويضعف استنكارهم لها، فإذا هانت حرمة الدم، هانت بعدها سائر الحرمات.

ثالثًا: تلفيق التهم وانتهاك الكرامة
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 112].
ومن أخطر صور الظلم أن يتحول الاتهام إلى وسيلة لإسكات المخالفين، وأن يُلاحق الأبرياء، ويُحبس أصحاب الرأي، لا لجرم اقترفوه، وإنما لمواقف تبنوها أو كلمات قالوها.
ولم يقف أثر هذا الظلم عند السجين وحده، بل امتد إلى أسرته وأولاده ووالديه، فعاشت آلاف الأسر سنوات من الفقد والقلق والحرمان، وهي آثار لا تُقاس بالأرقام، وإنما بما تتركه في النفوس من جراح.
والمجتمع الذي يخشى فيه البريء من العدالة، ويأمن فيه الظالم من المحاسبة، يحتاج إلى إحياء الضمير قبل تعديل القوانين؛ لأن العدالة الحقيقية تبدأ من خوف الإنسان من الله قبل خوفه من العقوبة.

رابعًا: تخلي القضاء عن الحكم بالعدل
جعل الإسلام القضاء أمانة عظيمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، وقال سبحانه: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]، وحذَّر النبي ﷺ من الظلم فقال: «اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» رواه مسلم.
وبذلك لا يكون العدل في الإسلام شعارًا أخلاقيًا مجردًا، بل فريضة شرعية وقيمة إنسانية تحفظ الحقوق، وتصون الكرامة، وتمنع الاستبداد والبغي.
ومن سمات سنوات الانقلاب تحوُّل القضاء إلى أداة للإقصاء السياسي وإخلاء الساحة للمستبد، عبر محاكمات جماعية وأحكام قاسية أصدرتها محاكم عادية وأخرى استثنائية، وأثارت جدلًا واسعًا داخل مصر وخارجها.
والعدالة آخر حصون المظلوم، فإذا اهتزت ثقة الناس بها، اهتزت ثقتهم في الدولة كلها؛ لأن الدول لا تستقر بالقوة وحدها، وإنما تستقر حين يطمئن الناس إلى أن حقوقهم مصونة، وأن العدل فوق الجميع.

خامسًا: الكذب وتزييف الوعي
لم يعتمد الانقلاب على القوة الغاشمة وحدها، بل استعان بآلة إعلامية ضخمة، اتخذت من الكذب والتضليل منهجًا، ومن تبرير الظلم، وتشويه الخصوم، واحتكار الحقيقة رسالة لها، حتى غدا كثير من الناس لا يسمعون إلا صوتًا واحدًا.
وقد قال رسول الله ﷺ: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار» متفق عليه.
والكذب لا يفسد خبرًا عابرًا فحسب، بل يفسد الوعي، ويقتل الثقة، ويُعجِز الناس عن التمييز بين الحقيقة والزيف. فإذا اختلط الحق بالباطل، وتعذر الوصول إلى الحقيقة، ضعف الوعي العام، وتعاظم الانقسام المجتمعي، وغدا المجتمع أقل قدرة على تصحيح أخطائه. وهذا بعض ما أنتجه الانقلاب.

إلى أين أوصلتنا هذه الكبائر؟
إن ما تعيشه مصر اليوم من أزمات اقتصادية، وارتفاع في الديون، وتراجع في مستوى المعيشة، وهجرة للكفاءات، وانكماش في الحريات، ليس أحداثًا متفرقة لا رابط بينها، وإنما هو نتيجة طبيعية لمسار بدأ يوم غُيِّبت إرادة الأمة، وأُهدر العدل، واستُبيحت الحقوق.
فالظلم لا يفسد السياسة وحدها، بل يضعف الاقتصاد، ويقتل روح المبادرة والانتماء، ويهدم الثقة بين الحاكم والمحكوم، ويزرع اليأس في نفوس الشباب.
وقد علمتنا سنن الله أن الأمم لا تنهض مع الظلم، ولا تستقر مع القهر، وإنما تقوم على العدل، وصون الحقوق، واحترام الإنسان. فإذا غاب ذلك كله، كان التراجع نتيجة طبيعية، مهما علت الشعارات.

رسالة إلى شعب مصر
إلى أهلنا الكرام في مصر...
لقد كشفت السنوات الماضية أن الظلم لا يصنع استقرارًا، وأن الكذب لا يبني وطنًا، وأن القوة إذا انفصلت عن العدل تحولت إلى عبء على أصحابها قبل غيرهم. كما أثبتت أن الأوطان لا تُبنى بإقصاء أبنائها، ولا بإهدار كفاءاتها، ولا بإسكات أصواتها، وإنما ببناء الثقة، وإشاعة العدل، واحترام إرادة الناس.
ومن هنا، فإن واجب المرحلة ليس تعميق الانقسام، ولا استدعاء روح الانتقام، وإنما ترميم ما تصدع، وجمع الكلمة على الحق، والعمل من أجل مستقبل يقوم على الحرية، والعدل، وسيادة القانون، وصيانة كرامة الإنسان.

مسؤولية المصلحين
إن مسؤولية المصلحين لا تقف عند كشف الظلم، ولا عند تسجيل المظالم للتاريخ، وإنما تبدأ ببناء الإنسان الذي يرفض الظلم، ولا يشارك فيه، ولا يعين عليه، ولا يسكت عنه.
فالإصلاح الحقيقي يبدأ من تربية الضمير، وغرس قيمة العدل، وتعظيم حرمة الدماء، وصيانة الكرامة الإنسانية، واحترام إرادة الأمة، حتى ينشأ جيل يؤمن أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على البطش والظلم، وإنما في القدرة على إقامة الحق، وأن الوطن لا يحيا إلا بالعدل، ولا ينهض إلا بأبنائه جميعًا.
ولذلك فإن الدعاة، والعلماء، والمربين، والمثقفين يتحملون اليوم مسؤولية عظيمة تجاه تصحيح ما أفسده الانقلاب، بالعمل على بناء الوعي، وترسيخ القيم، وحماية الأجيال من اليأس والكراهية، وغرس الأمل في مستقبل يصنعه الصادقون، لا المتجبرون.
ومن أجل ذلك أوجب الله على هذه الأمة القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعله من أعظم أسباب حفظ المجتمع من الفساد، فقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104].

بشائر الأمل
ومهما طال ليل الظلم، فإن سنة الله لا تتبدل؛ فالحق قد يُبتلى، لكنه لا يموت، والباطل قد ينتفخ، لكنه لا يدوم. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42].
ولذلك ينبغي أن تكون ذكرى الانقلاب مناسبة لمراجعة عميقة لآثاره، وتجديد الإيمان بأن العدل فريضة، والحرية مسؤولية، والكرامة حق، وأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، وأن مقاومة الظلم لا تكون بالظلم، وإنما بالثبات على الحق، والصبر، والعمل، وإعداد الأجيال التي تحمل رسالة الإصلاح.
ولعل أعظم ما ينبغي أن نخرج به من هذه الذكرى أن نربي أبناءنا على أن الأوطان لا يحفظها الخوف، وإنما يحفظها العدل، ولا تصنع مستقبلها الكراهية، وإنما يصنعه الإيمان، والعلم، والعمل، ووحدة الصف، والوفاء لقيم الحق والحرية.
وسيظل المؤمن على يقين بأن الله لا يضيع حق المظلوم، ولا يخلف وعده للمصلحين، وأن العاقبة للحق وأهله، مهما طال الطريق. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
والله أكبر ولله الحمد

الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الأحد 20 محرم 1448هـ؛ الموافق 5 يوليو 2026م