في ذكرى مذبحة سربرينتسا وصمود أهل البوسنة
في 11 يوليو 1995 وقعت مذبحة سربرينيتسا شمال شرق البوسنة التي تعد جريمة إبادة جماعية، بحسب ما وصفتها به المحاكم الدولية. وهي أبشع جريمة جماعية شهدتها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبدأت أحداثها الدامية في 6 يوليو 1995 حيث شنّ الصرب هجومهم ضد المدنيين العزل من مسلمي سريبرينيتشا. وتوالت أحداث المذبحة على مدى أيام من 11 يوليو حتى 22 يوليو، وارتكبت فيها القوات الصربية شتى أنواع جرائم مثل القتل الجماعي والتهجير واغتصاب النساء المسلمات، واستشهد في هذه المذبحة أكثر من 8300 بوسني مسلم، وبلغ عدد النساء اللاتي تعرّضن للاغتصاب الجماعي ما بين 20 إلى 50 ألف امرأة.
وفي مساء أول يوم للمذبحة تجمع ما بين 20 و25 ألف لاجئ بوسني من أهل المدينة في مقر أفراد الكتيبة الهولندية ومحيطها - التي كلفتها الأمم المتحدة آنذاك وأمينها العام بطرس غالي - بحفظ السلام في هذه الأنحاء، طالبين الحماية منها، وكانت الغالبية العظمى من النساء والأطفال والمُسنين وذوي الاحتياجات الخاصة
وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت في 16 أبريل 1993 منطقة سيربرينتسا منطقة آمنة تحت حماية القوات الأممية بعد اتفاق على تجريد أهلها من السلاح، ومن عجب أنها أمرت بتسليم سلاح البوسنيين أولاً، ثم بعد ذلك تسحب "الأسلحة الثقيلة من القوات الصربية التي تضم ثلاثة كتائب تابعة لجيش الصرب مُجهزة بالدبابات والمُدرعات وسلاح المدفعية والهاون، ولم يقم الصرب أبدًا بسحب أسلحتهم الثقيلة. بينما كانت قوة الجيش البوسني تعاني قلة السلاح، وتبعات حصار ضار عانته البوسنة كلها منذ بدء الحرب سنة 1992، بل إن المدنيين البوسنيين كانوا يتساقطون موتى من الجوع.
يعني ذلك أن الأمن المبذول للمسلمين في المنطقة المنكوبة كان مقابل تسليم سلاحهم، ليتم ذبحكم بدم بارد! وفي 11 يوليو 1995 اقتحمت قوات صرب البوسنة مدينة سربرينيتسا، وتم ُفصل الرجال والفتيان عن النساء والأطفال، ثم إعدامهم بصورة منهجية، ودفنهم في مقابر جماعية، وترحيل نحو 30 ألف امرأة وطفل ومسنٍّ قسراً من المدينة، فنجوا من القتل الذي حصد بوحشية أرواح نحو 8 آلاف مُعظمُهم من الرجال والشيوخ والأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 12 و77 سنة.
لا شك أن الجريمة قد أثقلت الضمير العالمي، فبدأت الأنظمة الرسمية تحاول غسل أيديها من المشاركة فيها، فالأمم المتحدة التي أعلنت المنطقة تحت حمايتها، وطلبت من أهلها تسليم سلاحهم، أوكلت ذلك إلى قوة هولندية يبلغ عدد أفرادها 400 جندي فقط، لم تزودهم بتسليح كافٍ، ولا غطاء جوي لازم، ولا صلاحيات قتال حقيقية، وبدل أن تقدم للسكان المدنيين اللاجئين إليها الحماية الواجبة سلمت الآلاف منهم إلى القوات الصربية. ولم تمنع فصل الرجال عن النساء. ولم تقاوم عمليات الترحيل القسري لهم، أما بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة فقد تحجج بأن المنظمة الدولية كانت مكبلة بإرادة الدول الكبرى، ولم تمتلك القوات والإمكانات اللازمة. ولما ذهب عهده وجاء كوفي عنان أمينًا عامًا أصدر عام 1999 تقريراً تاريخياً اعترف فيه بأن المنظمة أخفقت إخفاقاً كبيراً في حماية المدنيين، وعدّ ما حدث أحد أسوأ الإخفاقات في تاريخ الأمم المتحدة. وأنشأ مجلس الأمن عام 1993 المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY).التي أصدرت أحكامها بإدانة عدد من قادة المجزرة بارتكاب الإبادة الجماعية، وحمت على رادوفان كارادجيتش وراتكو ملاديتش بالسجن المؤبد، وحمّلت حكومة صربيا مسؤولية الإخفاق في منع الإبادة وعدم معاقبة مرتكبيها والتعاون في تسليمهم للعدالة
وبعد 10 سنوات من المذبحة في 27 يونيو 2005، أصدر مجلس النواب الأمريكي قرارًا بإحياء الذكرى العاشرة للإبادة الجماعية في سربرينيتسا. جاء فيه أن سياسات العدوان والتطهير العرقي التي نهجتها القوات الصربية في البوسنة والهرسك ما بين عام 1992 وعام 1995 بدعم مباشر من النظام الصربي أدت إلى نزوح أكثر من مليوني شخص، ومقتل نحو مائتي ألف، مع عشرات الآلاف الذين تعرضوا للاغتصاب والتعذيب وسوء المعاملة.
أما الحكومة الهولندية التي تمت الجريمة تحت أعين قوة الحماية من أبنائها فقد منحت في ديسمبر 2006 أفراد قوة حفظ السلام الهولندية أوسمة بحُجة أنهم «يستحقون الاعتراف على تعامُلهم في هذه الظروف الصعبة»!
أما روسيا فقد ضنت بوصف المذبحة بأنها جريمة إبادة جماعية، واستخدمت الفيتو ضد مشروع قرار في 8 يوليو 2015يقضي باعتبار مذبحة سريبرينيتشا جريمة إبادة جماعية
أصبحت مأساة سربرينيتسا رمزاً لإخفاق المجتمع الدولي في الوفاء بمسؤوليته عن حماية المدنيين، وعجز منظماته الدولية عن القيام بواجبها الذي تأسست من أجله، بل لم تكن قواتها الدولية بعيدة عن خيانة الضمير الإنساني، لقد تعودت المنظمة الدولية منذ زمن طويل على الاكتفاء بالشجب والإدانة، والتعبير عن قلق أمينها العام على مآسي العالم من حوله.
وبعد ثلاث سنوات من الحصار والتجويع والقتل والاغتصاب تدخلت القوات الأمريكية والأوروبية لإجبار الصرب على الانصياع لوقف الحرب، وفرضت - بالاتفاق مع روسيا - على الأطراف توقيع اتفاقية دايتون للسلام، خوفًا من تطورات الحرب في البلقان، تلك المنطقة شديدة الحساسية في موازين القوى، وفي مرحلة كان يتشكل فيها النظام العالمي الجديد.
لم تلق التضحيات الهائلة التي قدمها مسلمو البوسنة أذنًا صاغية من المجتمع الدولي، ولم تتحقق رغبتهم القومية في الاستقلال كما تحققت رغبات مقدونيا وكرواتيا وسلوفينيا. وقد نص اتفاق دايتون في أوله على صونِ وحدة جمهورية البوسنة والهرسك، وفي نفس الوقت قسَّمها إلى كيانين سياسيين هما فيدرالية البوسنة والهرسك التي تضم البوسنيين والكروات معًا، وجمهورية صرب البوسنة. وتديرها سلطات محدودة لمجلس رئاسي ثلاثي يُمثل المكونات الثلاثة: الصرب والكروات والمسلمين .مع منح صلاحيات واسعة لمندوب سام يمثل المجموعة الدولية، ويقيم في سراييفو عاصمة البوسنة، وتحت قيادته قوة دولية عسكرية من ستة آلف جندي.
لم تكن مأساة البوسنة ومدينتها الشهيدة سربرينتسا فريدة فيما تعرضت له من جور في عالمنا المعاصر.. فعلى مرأى من العالم جرى ذبح حقوق الإنسان في غزة، بعد أن قتل الاحتلال الصهيوني نحو 77 ألفًا من أهلها، وأصابوا قرابة 170 ألًفا آخرين، مع تدمير نحو 90% من البنية التحتية والنزوح شبه الكامل للسكان. وبعد أن رأى العالم آلاف الأطفال يتضورون جوعًا، فمنهم من لقي ربه، ومنهم من بقي يعاني أمراض التجويع وسوء التغذية، وانعدام الرعاية الطبية، وموت الضمير العالمي.. وقد تم ذلك بمشاركة أمريكية صريحة، ودعم أمريكي كامل بالسلاح والمال والرجال. وبعجز من المنظمات الدولية مهيضة الجناح، فقد تعرضت مقار وكالة الإغاثة الإنسانية (الأونوروا) للقصف والعدوان، وتعرضت المحكمة الجنائية الدولية للتربص والعداء، وظل قضاتها تحت التهديد. وقراراتها رهن التبديد.
لا شك في أن العدالة الدولية العاجزة تحتاج إلى نظر جديد قبل أن تنحدر البشرية إلى هوة سحيقة لا نجاة منها، ولا ريب في أن المنظمات الدولية المنوط بها تحقيق العدالة باتت في مسيس الحاجة إليها.
إن شرعة الإسلام العلوية ترفض البغي والعنصرية، وتحارب الأهواء، وتفرض العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، وترفع ناموس الحق، فليس بعد الحق إلا الضلال والزيغ، وتحض على الإحسان اللائق بالإنسان الذي أكرمه الله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]