الحركة الإسلامية وتحديات الخطاب الدعوي المعاصر
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
لم يعد الخطاب الدعوي المعاصر يتحرك في عالم ساكن، فقد تبدلت خرائط الفكر، واتسعت آفاق المعرفة، وأعادت الثورة الرقمية صياغة طرائق التفكير والتلقي حتى غدا الإنسان، ولا سيما الشاب في ملتقى تيارات فكرية وثقافية متشابكة.
وفي خضم هذا التحول، تقف الحركة الإسلامية أمام مسؤولية دقيقة: أن تصون صفاء رسالتها ورسوخ مرجعيتها، وأن تمتلك في الوقت ذاته خطابا حيا يفقه روح العصر، ويستوعب أسئلته، وينفذ إلى عقل الإنسان وقلبه.
وليس تجديد الخطاب الدعوي تبديلا للثوابت أو مساومة على الأصول، وإنما هو تجديد في الفهم والبيان والوسيلة، فالوحي ثابت، والواقع متحول، والرسالة خالدة، ولكل عصر لغته وأسئلته. وقد أوجز القرآن منهج الدعوة في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، فالحكمة فقه للإنسان والزمان، وبصيرة بالواقع، وكلمة تبلغ العقل في رفق، وتنفذ إلى القلب في جمال.
عالم جديد وأسئلة جديدة:
لقد نشأ جيل لا يعرف العالم إلا مفتوح النوافذ، يحمل في هاتفه مكتبة وصحيفة ومنبرا وجامعة وسوقا ومجلسا للحوار، وتصل إليه في ساعات قليلة من الأفكار والشبهات والصور والمواقف ما لم يكن يصل إلى أجيال سابقة في سنوات.
وهذا الواقع يفرض على الخطاب الدعوي أن يغادر دائرة الإجابات الجاهزة حين تكون الأسئلة أعمق منها، وأن ينتقل من مجرد التلقين إلى بناء الوعي، ومن مخاطبة الوجدان وحده إلى مخاطبة العقل والوجدان معا. فالإنسان المعاصر يسأل عن الإيمان في عالم المادة، وعن الأخلاق في زمن المنفعة، وعن الأسرة وسط التحولات الاجتماعية، وعن الحرية والمسؤولية، وعن العدالة والكرامة، وعن موقع الدين من العلم والاقتصاد والسياسة والثقافة. ولا يكفي أمام هذه الأسئلة أن يكون الداعية حسن النية، بل لا بد أن يكون واسع المعرفة، عميق الفهم، بصيرا بزمانه.
حين تضيق اللغة عن سعة الرسالة:
ومن أخطر التحديات أن تبقى لغة الخطاب أسيرة قوالب لا تنفذ إلى وجدان الإنسان المعاصر. فكم من حقيقة عظيمة حجبتها لغة ضعيفة، وكم من معنى جليل أفسده سوء العرض،
والخطاب الراشد هو الذي يجمع بين جزالة العبارة ووضوح المعنى، وبين عمق الفكرة وسهولة البيان، فلا يستسلم للسطحية باسم التبسيط، ولا يغرق في الغموض باسم العمق، ولا يجعل الخشونة مرادفة للثبات على الحق. إن مفاهيم الإسلام الكبرى من العدل والرحمة والكرامة والأمانة والشورى والتكافل والمسؤولية ليست ألفاظا تحفظ في الكتب، وإنما هي معان حية ينبغي أن يرى الناس آثارها في البيت والمدرسة والسوق والمؤسسة والمجتمع.
الدعوة أوسع من التنظيم:
ومن الضروري أن تدرك الحركة الإسلامية أن رسالتها إلى المجتمع أوسع من حدودها التنظيمية، وأن الإسلام أكبر من كل جماعة ومؤسسة وتجربة بشرية. فحين ينشغل الخطاب بتعريف الناس بالتنظيم أكثر من تعريفهم بالرسالة، أو بالدفاع عن التاريخ أكثر من صناعة المستقبل، تضيق مساحة الدعوة، ويتحول ما كان وسيلة إلى غاية. إن الناس لا يحتاجون من الحركة الإسلامية أن تحدثهم عن نفسها في كل حين بقدر ما يحتاجون منها أن تعينهم على معرفة ربهم، وفهم دينهم، وبناء أسرهم، وتربية أبنائهم، وحماية قيمهم، والنهوض بمجتمعهم. وقيمة المؤسسات الدعوية لا تقاس بما ترفعه من شعارات، وإنما بما تغرسه من فضائل، وتبنيه من إنسان، وتقدمه من خير.
من الخصومة إلى فقه الاختلاف:
لقد دفعت وسائل التواصل كثيرا من النقاشات إلى ساحات حادة من الاستقطاب، حتى غدت الكلمة أحيانا سهما، والحوار خصومة، والاختلاف سببا للتجريح والإقصاء. والدعوة أحوج ما تكون في مثل هذا المناخ إلى استعادة فقه الاختلاف وأخلاقه، فالخلاف لا يسقط حرمة الإنسان، والنقد لا يبيح الظلم، ومخالفة الرأي لا تمنح أحدا حق الطعن في النيات.
إن الخطاب الدعوي الناضج لا يصنع مجتمعا من المتخاصمين، بل يربي الناس على التمييز بين القطعي والاجتهادي، وبين الثابت والمتغير، وبين الاختلاف المشروع والعدوان المرفوض، ويفتح أبواب التعاون على الخير حيثما أمكن.
الدعوة في فضاء الإعلام الجديد:
فتحت الثورة الرقمية أمام الدعوة آفاقا واسعة، حتى أصبحت كلمة واحدة قادرة على عبور القارات في لحظات. غير أن عظم الفرصة يوازيه عظم المسؤولية. ففي عالم تتسابق فيه الأخبار، وتتنافس المنصات على جذب الأنظار، قد يصبح الانفعال أسرع من التثبت، والإثارة أسبق من الحقيقة، وعدد المشاهدات مقياسا زائفا للنجاح. ولا يليق بالدعوة أن تتحول إلى صناعة للضجيج، ولا بالداعية أن يصبح أسير منطق الشهرة والانتشار. إن رسالة تحمل هداية السماء لا ينبغي أن تفقد وقارها في زحام المنصات. وقد وضع القرآن ميزان التعامل مع الأخبار في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. ومن هنا يصبح التثبت في العصر الرقمي خلقا دعويا وضرورة معرفية في آن واحد.
الشباب بين الاستماع والتوجيه:
الشباب ليسوا مجرد جمهور للدعوة، بل هم طاقة مستقبلها وروح تجددها. ولا يمكن الوصول إليهم بخطاب لا يسمع أسئلتهم، ولا يفهم لغتهم، ولا يقدر تطلعاتهم. إنهم يحتاجون إلى من يحاورهم قبل أن يصدر الأحكام عليهم، ويستمع إلى قلقهم قبل أن يقدم لهم الإجابات، ويفتح أمامهم أبواب العمل والإبداع بدلا من حصرهم في دائرة التلقي. وتحتاج الحركة الإسلامية لذلك إلى إعداد الداعية الذي يجمع إلى العلم الشرعي وعيا بالفكر والثقافة والاجتماع والإعلام، ويعرف كيف يقدم الإيمان للشباب باعتباره قوة تبني الإنسان، وتحرر ضميره من عبودية الشهوة والمصلحة، وتدفعه إلى العلم والإتقان وخدمة الخلق.
من بلاغة الشعارات إلى بلاغة الإنجاز:
تبقى أعظم أزمة لأي خطاب إصلاحي أن تتسع المسافة بين ما يقوله وما يفعله. فالكلمات مهما بلغت من الجمال تفقد بريقها حين لا يصدقها الواقع. ولذلك فإن الحركة الإسلامية مطالبة بأن تجعل من أعمالها ترجمة صادقة لخطابها، فإذا تحدثت عن العلم فلتبن مؤسسات العلم، وإذا تحدثت عن الرحمة فلتكن إلى جوار الضعفاء، وإذا تحدثت عن الأسرة فلتقدم لها مشاريع تحميها وتعينها، وإذا تحدثت عن الشباب فلتفتح أمامهم أبواب التأهيل والإبداع، وإذا دعت إلى الإتقان فلتكن مؤسساتها نموذجا فيه. إن الناس قد ينسون كثيرا مما يسمعون، ولكنهم لا ينسون نموذجا صالحا رأوه بأعينهم. وهنا تتحول الدعوة من كلمات تقال إلى حياة تشاهد.
شجاعة المراجعة وفقه التطوير:
ولا يمكن لأي حركة بشرية أن تتقدم ما لم تمتلك شجاعة مراجعة تجربتها. فالمراجعة ليست تنكرا للمبادئ، كما أن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، بل قد يكون بداية للنضج.
إن الثوابت لا تتغير، أما الوسائل والاجتهادات والتجارب التنظيمية فهي أعمال بشرية تصيب وتخطئ، وتحتاج إلى تقويم دائم. ومن هنا تبرز أهمية مؤسسات البحث والتخطيط، والاستفادة من العلماء والمفكرين والمتخصصين في الاجتماع والاقتصاد والإعلام والتربية، حتى يكون الخطاب ثمرة معرفة بالشرع والواقع معا.
إن التحدي الأكبر أمام الخطاب الدعوي المعاصر ليس في صخب صوته، بل في عمق أثره ونفاذه إلى العقول والقلوب، وقدرته على أن يصوغ من المبادئ وعيا، ومن القيم أخلاقا، ومن الإيمان عملا وبناء. ومن هنا تتجدد رسالة الحركة الإسلامية في تقديم الإسلام بصفائه وشموله، بخطاب يستمد نوره من الوحي، ويقرأ العصر ببصيرة، ويفقه الإنسان بوعي، ويزاوج بين أصالة المبدأ وتجدد الوسيلة لتبقى الدعوة جسرا إلى القلوب، ومنارة للهداية، وقوة للإصلاح وبناء الحياة.
المراجع:
الإمام حسن البنا، مجموعة رسائل الإمام حسن البنا.
الدكتور يوسف القرضاوي، ثقافة الداعية.
الدكتور عبد الكريم زيدان، أصول الدعوة.
الدكتور طه جابر العلواني، أدب الاختلاف في الإسلام.
الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني، المدخل إلى علم الدعوة.
الدكتور فتحي يكن، مشكلات الدعوة والداعية.
الشيخ محمد الغزالي، مع الله: دراسات في الدعوة والدعاة.
الشيخ راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية.
تنويه: مقال الرأي يعبر بالأساس عن كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن المجلة أو جماعة الإخوان المسلمين