الموقع الرسمي للإخوان المسلمون

قضايا وملفات

يقدم رؤى وتقارير ومتابعات فى قضايا وملفات محل اهتمام...

أخطاء السعودية في اليمن وحدود الرهان على الحلفاء.. قراءة في حوار الدكتور عصام عبد الشافي مع بودكاست «علم نافع»

أخطاء السعودية في اليمن وحدود الرهان على الحلفاء.. قراءة في حوار الدكتور عصام عبد الشافي مع بودكاست «علم نافع»

نشر الدكتور خليل العناني أستاذ العلوم السياسية على حسابه على اليوتيوب "بودكاست علم نافع" حواراً ضافيا ثرياً، استضاف فيه الدكتور عصام عبدالشافي أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، تناول فيه النقاش حول السياسة السعودية في اليمن، وأمن الخليج، ومستقبل العلاقات بين دول المنطقة. ونحن في مجلة الدعوة نقدم هذا الملخص، لتقريب أفكاره الأساسية وإتاحة مناقشتها، مع إبقاء الآراء والتقديرات منسوبة إلى صاحبها. وتأتي أهمية الحوار من جمعه بين مراجعة السياسات السابقة والبحث عن مخارج للأزمة، وإن ظلت بعض أحكامه ورواياته للأحداث موضع نقاش وتحتاج إلى توثيق مستقل.

يقدم الدكتور عصام عبد الشافي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، نقدية للسياسة السعودية. وخلاصة رأيه أن جانبًا كبيرًا من المأزق الذي تواجهه المملكة يعود إلى خياراتها في اليمن، وطريقة إدارتها للتحالفات، وتعويلها على الحماية الأمريكية. ويرى أن تجاوز هذا المأزق يتطلب مراجعة تبدأ من الداخل، وتمتد إلى العلاقة باليمن وإيران وسائر دول الجوار.

اليمن في قلب أزمة المنطقة

يضع عبد الشافي الحرب في اليمن ضمن سياق أوسع من الصراع السعودي الحوثي. فالمنطقة، في تقديره، تمر بمرحلة استنزاف تمس اقتصادات الدول وقدراتها الأمنية وتماسكها السياسي، وقد تنتهي إلى تهديد وحدتها. ولهذا يحذر من النظر إلى المواجهة مع إيران باعتبارها فرصة لإضعاف خصم إقليمي فحسب؛ إذ قد تدفع الدول العربية ثمنًا أكبر مما تتوقع، دون أن يتحقق الهدف الذي تراهن عليه.

ويشكك في إمكانية إسقاط النظام الإيراني بالسهولة التي تفترضها بعض الحسابات. ويعزو ذلك إلى وجود مؤسسات قادرة على تعويض القيادات والاستمرار في العمل، في مقابل نظم عربية ترتبط قراراتها بدرجة كبيرة بشخص الحاكم. ومن هنا يأتي تحذيره من احتمال اهتزاز نظم عربية قبل سقوط النظام الإيراني.

ومع تشاؤمه، لا يغلق الباب أمام تغير المسار. فهو يترك مجالًا لتحولات مفاجئة تعيد ترتيب المشهد، لكنه لا يرى في السياسات التي يناقشها الحوار ما يكفي للاطمئنان إلى اتجاه الأحداث.

جذور السياسة السعودية في اليمن

يعود الضيف إلى ستينيات القرن الماضي، حين دخل اليمن مرحلة طويلة من الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية. ويتوقف عند المواجهة بين الدعم السعودي للملكيين والتدخل المصري المؤيد للجمهوريين في عهد جمال عبد الناصر، معتبرًا أن البلدين أدارا جانبًا من تنافسهما الإقليمي على الأرض اليمنية، بينما تحمل اليمنيون الخسائر.

ثم يستعرض الانقسام السابق بين الشمال والجنوب، وارتباطه بتوازنات الحرب الباردة، وصولًا إلى الوحدة وحكم علي عبد الله صالح وثورة 2011. وفي قراءته لهذه المراحل، يبرز اعتماد السعودية على الحكام والقبائل ومراكز النفوذ، أكثر من اهتمامها ببناء دولة يمنية مستقرة.

ويرى أن الرياض سعت إلى الاحتفاظ بالقدرة على التأثير في الداخل اليمني عبر موازنة الأطراف بعضها ببعض. وقد منحتها هذه السياسة نفوذًا، لكنها أسهمت، بحسب تقديره، في إضعاف المؤسسات وإبقاء البلاد عرضة للاضطراب.

ومن الزاوية نفسها ينظر إلى المبادرة الخليجية التي أعقبت ثورة 2011؛ إذ يعتبر أنها احتوت التغيير الشعبي وأعادت توزيع السلطة، دون معالجة المشكلات التي دفعت اليمنيين إلى الثورة.

كيف أصبح الحوثيون القوة الأبرز؟

يطرح عبد الشافي تفسيرًا محوريًا لصعود الحوثيين، يقوم على أن أولوية مواجهة الإخوان المسلمين وحزب الإصلاح أفسدت الحسابات السعودية. فهو يتهم الرياض بأنها ساعدت، في مرحلة ما بعد الثورة، على تمكين الحوثيين، انطلاقًا من تصور أنهم خطر أصغر يمكن الاستفادة منه لإضعاف خصم أكبر، ثم التعامل معه لاحقًا.

لكن ما حدث، وفق قراءته، أن القوة التي ظُنّ أنها قابلة للاحتواء اتسعت، بينما تراجعت القوى التي استهدفتها تلك الحسابات. وهكذا أصبح الحوثيون أكثر قدرة على فرض الوقائع، ثم تحولوا إلى تهديد مباشر للسعودية.

ويستحضر تحالف علي عبد الله صالح معهم، بعد سنوات من الحروب التي خاضها ضدهم، ليبين تقلب التحالفات اليمنية. فصالح، الذي كان شريكًا للسعودية، دخل في تحالف أسهم في سيطرة الحوثيين وحلفائهم على صنعاء عام 2014، قبل أن ينتهي الصراع بين الطرفين بمقتله.

وبذلك يربط الضيف التدخل العسكري السعودي عام 2015 بسلسلة من الاختيارات السابقة. فالحرب، في رأيه، جاءت لمعالجة نتائج سياسات أسهمت الرياض نفسها في صنعها، ثم زادت تعقيدها مع استمرار القتال.

ما الذي كان يمكن أن تصنعه أموال الحرب؟

يتوقف الحوار عند الكلفة الكبيرة للحرب، دون أن يقدم توثيقًا تفصيليًا للأرقام المتداولة خلالها. ويستند عبد الشافي إلى تقديرات مرتفعة للإنفاق والخسائر، ليطرح سؤالًا عن النتيجة التي كان يمكن تحقيقها لو وُجّه جزء من هذه الموارد إلى إعمار اليمن وتنميته.

ويقول إن الاستثمار في البنية الأساسية والخدمات وفرص العمل كان يمكن أن يبني علاقة مختلفة بين البلدين، ويمنح السعودية قبولًا أوسع داخل المجتمع اليمني. فالعلاقات المستقرة تحتاج إلى مصالح يشعر الناس بأثرها في حياتهم، ولا تكفي لصناعتها الصلات بالحكام وزعماء القبائل.

ويشدد على ما يملكه اليمن من رصيد بشري واجتماعي، وعلى عمق الروابط التي تجمعه بالسعودية ودول الخليج. فالجوار والمصاهرة والامتدادات القبلية والعمل تشكل، في نظره، أساسًا صالحًا لشراكة طويلة الأمد.

ويرى أن إهدار هذه الروابط لصالح الصراع حرم الطرفين من فرص واسعة، وجعل الموارد التي كان يمكن أن تدعم الاستقرار تُستهلك في حرب لم تنتج تسوية قابلة للبقاء.

هل تخشى السعودية يمنًا قويًا؟

يناقش المحاور المقولة الشائعة بأن السعودية لا تريد يمنًا قويًا على حدودها. ويرد عبد الشافي بالتفريق بين مصالح الدولة وحسابات النظام الحاكم. فقد ينظر الحكم إلى صعود جار قوي بريبة، لكن ذلك لا يعني أن إضعاف هذا الجار يخدم أمن البلاد.

ويؤكد أن اليمن المستقر، المرتبط بالسعودية بمصالح وتفاهمات واضحة، يستطيع أن يسهم في حمايتها. أما اليمن المنقسم، فتتكاثر داخله الجماعات المسلحة ومراكز النفوذ والتدخلات الخارجية، وتصل آثار اضطرابه إلى الحدود السعودية.

ويقارن ذلك بتأثر مصر بما يحدث في السودان وليبيا؛ فالدولة الكبيرة لا تستطيع عزل نفسها عن انهيار محيطها. ولهذا يدعو إلى مراجعة الفكرة التي تربط أمن السعودية بضعف اليمن، واستبدالها بسياسة تسعى إلى بناء جار مستقر يمكن التفاهم معه ومحاسبته على التزاماته.

ويستشهد بلقاءاته مع يمنيين يعبرون عن رغبة في التقارب الواسع مع المملكة، مستدلًا بها على وجود استعداد اجتماعي يمكن البناء عليه، وإن كانت هذه اللقاءات لا تكفي وحدها للحكم على اتجاهات المجتمع اليمني كله.

إيران والفراغ الذي تركته هشاشة الدولة

لا ينكر الضيف أن لإيران مشروعًا ونفوذًا في اليمن، لكنه يرفض أن يبدأ تفسير الأزمة من التدخل الإيراني وحده. ويسأل عن الظروف التي سمحت بهذا التدخل، وعن مسؤولية السياسات التي أضعفت الدولة وأتاحت للقوى الخارجية توسيع حضورها.

ويرى أن هشاشة المؤسسات وغياب مشروع وطني جامع يخلقان فراغًا يستفيد منه من يملك التنظيم والموارد والحلفاء. وبناء عليه، فإن مواجهة النفوذ الإيراني تحتاج إلى معالجة البيئة التي سمحت بنموه، إلى جانب التعامل مع أدواته السياسية والعسكرية.

كما يعترض على اختزال الصراع السعودي الإيراني في الخلاف المذهبي. فالدولتان، بحسب رأيه، تتحركان لحماية المصالح والنفوذ وبقاء النظام، وتوظفان الانتماء المذهبي في التعبئة. ولهذا يعتقد أن التفاوض ممكن متى وُجد استعداد لمناقشة المصالح والمخاوف، بعيدًا عن خطاب العداء الدائم.

مشكلة القرار والرهان على واشنطن

يفسر عبد الشافي التعثر السعودي بسوء تقدير موازين القوى، والمبالغة في توقع نتائج العمل العسكري، وعدم فهم حدود التزام الحلفاء. ويضيف إلى ذلك ضعف المؤسسات التي يفترض أن تراجع القرارات وتقيس كلفتها وتدفع إلى تصحيحها.

فحين تتركز السلطة، وتضعف المحاسبة، يصبح استمرار الخطأ أسهل، حتى بعد ظهور نتائجه. ويرى أن غياب المراجعة المؤسسية يفسر تكرار الرهانات نفسها بدل إعادة النظر فيها.

ويخص العلاقة بالولايات المتحدة بنقد واسع. فالسعودية، في تقديره، بالغت في اعتبار الإنفاق والصفقات والعلاقات السياسية ضمانًا للحماية. ويستحضر استهداف المنشآت النفطية عام 2019 لبيان الفجوة بين ما ينتظره الحليف وما تكون واشنطن مستعدة لفعله.

كما يقرأ بعض تحركات الرياض نحو الصين وإيران بوصفها خطوات لم تصل إلى تحول استراتيجي ثابت. فتنويع العلاقات، عنده، يحتاج إلى إرادة مستمرة ومؤسسات وقدرات ذاتية، ولا يتحقق بمجرد عقد القمم أو الإعلان عن اتفاقات واستثمارات.

تحالفات لا تصمد أمام الاختبار

يميز الضيف بين العلاقة مع نظام حاكم والعلاقة مع دولة ومجتمع. ويرى أن السعودية استثمرت كثيرًا في الأولى، فربطت نفوذها ببقاء أشخاص وترتيبات سياسية قد تتغير، دون أن تبني دائمًا قاعدة أوسع للمصالح المشتركة.

ويقارن ذلك بإيران التي يصفها بأنها تستثمر على المدى الطويل في قوى اجتماعية وتنظيمية متماسكة، بما يمنحها حضورًا يصعب اقتلاعه. وتكشف المقارنة عن اهتمامه باستمرارية النفوذ، وإن كان الحوار لا يتوسع بالقدر نفسه في الأثمان التي تدفعها المجتمعات نتيجة هذه السياسة الإيرانية.

وفي الدائرة الخليجية، يرى أن الخلافات الحدودية وأزمة حصار قطر والتنافس على النفوذ أضعفت الثقة، وحدّت من قدرة دول المنطقة على العمل المشترك. فالتقارب الجغرافي والتاريخي لا يتحول تلقائيًا إلى تحالف، ما لم تصحبه تسويات واضحة واحترام لمصالح الأطراف.

حدود الدعم التركي والباكستاني

يناقش الحوار ما يسميه «تحالف مكة للدفاع المشترك»، ويتساءل عن قدرته على توفير دعم عسكري مباشر للسعودية. ويشكك عبد الشافي في هذا الاحتمال بسبب اختلاف أولويات الأطراف، وعدم اتفاقها على تعريف واضح للتهديد الذي يستدعي القتال.

فباكستان، في رأيه، لا تملك مصلحة في فتح جبهة مع إيران، وهي تواجه أصلًا تحديات مع الهند وأفغانستان، فضلًا عن تعقيدات الداخل والحدود وملف البلوش. لذلك يرجح أن يقتصر تعاونها على التدريب والمعلومات والمناورات والصناعات العسكرية، دون التورط في حرب مفتوحة.

وبالمثل، تربط تركيا بإيران مصالح اقتصادية واحتياجات للطاقة وحسابات أمنية تتعلق بالجوار والملف الكردي. ومن ثم يستبعد أن تدخل أنقرة مواجهة واسعة من أجل الرياض.

ويحذر من منح هذا التعاون وصفًا مذهبيًا، لأن تقديمه باعتباره تحالفًا سنيًا ضد إيران يعمق الانقسام، ويضع أطرافه أمام تعقيدات داخلية وإقليمية إضافية.

مصر والإمارات وحسابات المساندة

يربط الضيف سعي السعودية إلى القاهرة بالحاجة إلى دعم سياسي ودفاعي وبحري، وبالمصالح المشتركة في البحر الأحمر وقناة السويس. لكنه لا يتوقع أن يؤدي الدعم المالي والاستثماري إلى مشاركة مصرية مباشرة في حرب اليمن.

ويوجه نقدًا حادًا للنظام المصري، ولرهان السعودية على أن المساعدات تضمن التزامًا عسكريًا عند الحاجة. كما يشكك في أثر الأطر البحرية المشتركة، معتبرًا أن قيمتها تقاس بما تحققه من أمن فعلي.

أما الإمارات، فيرى أن سياساتها في اليمن اصطدمت بالمصالح السعودية، من خلال دعم قوى محلية والسعي إلى مناطق نفوذ. ومع ذلك، لا يستبعد عودة التعاون بين البلدين، إذا دفعت الحاجة الرياض إلى الاستفادة من قنوات أبوظبي وعلاقاتها.

لكنه يحذر من أن إعادة استخدام الشخصيات والأدوات نفسها، دون مراجعة أسباب الإخفاق، قد تعيد إنتاج الأزمة، حتى لو وفرت تهدئة مؤقتة.

التطبيع وتفسير المؤامرة

يرفض عبد الشافي الفرضية التي تجمع إيران والحوثيين وإسرائيل في خطة واحدة لدفع السعودية إلى التطبيع. ويتساءل عن المصلحة التي تحققها طهران أو الحوثيون من علاقة سعودية إسرائيلية أوثق، في ضوء الصراع القائم بين هذه الأطراف.

ويرى أن مسار التقارب السعودي الإسرائيلي كان مطروحًا من قبل، وبالتالي لا يحتاج تفسيره إلى افتراض اتفاق شامل بين الخصوم. لكنه يتخذ موقفًا رافضًا لهذا المسار، ويشكك في قدرة إسرائيل على توفير حماية مستقلة للسعودية، في ظل اعتمادها على الدعم الأمريكي.

من أين يبدأ الخروج؟

يدعو عبد الشافي إلى اعتبار أمن الخليج مسؤولية إقليمية تشارك فيها الدول المطلة عليه، بما فيها إيران والعراق. وهو يقر بوجود مخاوف خليجية مشروعة من السياسات الإيرانية، لكنه يرى أن هذه المخاوف تستدعي التفاوض على ضمانات وترتيبات واضحة.

ويدعو إلى وقف الحرب في اليمن، وقبول خفض الخسائر بوصفه قرارًا مسؤولًا، ثم العمل من أجل يمن موحد ومستقر تربطه بالسعودية شراكة دائمة. ويضيف إلى ذلك إصلاح آليات مجلس التعاون، وتطوير التعاون الدفاعي، وتوطين الصناعات العسكرية وبناء الكفاءات القادرة على تشغيل السلاح وصيانته.

ويجعل الإصلاح الداخلي شرطًا لهذه المراجعة: توسيع الحريات، والإفراج عن المعتقلين، وتعزيز القبول الشعبي، وبناء اقتصاد منتج ومؤسسات فعالة وإعلام مهني. فالدولة التي تستند إلى مجتمع متماسك تملك، في تقديره، قدرة أكبر على اتخاذ قرار مستقل وتحمل تبعاته، والتفاوض مع الآخرين من موقع أكثر قوة.

رابط المصدر