الموقع الرسمي للإخوان المسلمون

مقالات وآراء

باب للفكر والرأى والنقاشات الحرة. ينشر الآراء منسوبة لأصحابها...

التغيير في مصر.. ضرورة وطنية في ظل وضع مأزوم

التغيير في مصر.. ضرورة وطنية في ظل وضع مأزوم

بقلم: د. حلمي الجزار – مسؤول القسم السياسي بجماعة الإخوان المسلمين

إننا حين نتحدث اليوم عن التغيير في مصر، فإننا لا ننطلق من رؤية خاصة وفقط، وإنما من استشعار لحجم التحديات التي تواجه وطننا الحبيب، ووعي عميق بالمسؤولية العظيمة الملقاة على عاتقنا جميعًا، حكومةً ومعارضة وشعبًا. إن الوضع المأزوم في مصر يفرض على الجميع، دون استثناء، أن يعملوا من أجل الانتقال بالبلاد من حال إلى حال.

لقد أصبح التغيير واجبًا تفرضه الظروف والضرورات. وحين تدرك أمة من الأمم حاجتها إلى النهوض والتقدم، لا بد لها من مراجعة ذاتها، وإعادة ترتيب أولوياتها، والانطلاق برؤية جديدة. ونحن اليوم، في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ الوطن، أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء المشهد الوطني، والعمل بجد من أجل مستقبل أفضل لمصر.

ليس خافيًا أن نظام الحكم في مصر يواجه أزمات داخلية وخارجية متزايدة. فالأزمة الاقتصادية الطاحنة باتت تثقل كاهل المواطن المصري، وانعدام الحريات السياسية أصبح واقعًا، وانسداد الأفق أمام القوى الوطنية صار سمة المرحلة. أما حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي، فهي غير مسبوقة، وتعم البلاد بصورة لافتة.

لقد عبّرت كافة القوى تقريبًا عن استيائها من هذا الواقع، وامتد طيف المعارضين ليشمل الاتجاه المدني بشقيه الليبرالي واليساري، إلى جانب التيار الإسلامي. كما تشهد النقابات المهنية والعمالية حالة من التململ بسبب القوانين المقيدة للحريات. وعلى الجانب الآخر، هناك تحديات إقليمية ودولية تضاعف من الضغوط الواقعة على مصر، وتحد من قدرتها على مواجهة الأزمات وحل المشكلات.

في ضوء هذه الأوضاع، تصبح الحاجة إلى اصطفاف وطني حقيقي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ولا يمكن الوصول إلى هذا الاصطفاف إلا من خلال حوار جاد، وانفتاح سياسي حقيقي، وسعي صادق لإيجاد حلول جذرية تخرج البلاد من أزمتها. ولكن المعضلة الكبرى تكمن في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لدى النظام للانخراط في مسار إصلاحي جاد. فالعقلية الحاكمة لا تزال أسيرة الخوف من تكرار سيناريو يناير 2011، وهو ما يدفعها إلى مزيد من الانغلاق والتشبث بالسلطة، ولو كان ذلك على حساب استقرار الوطن ومستقبله.

من بين المظاهر الأشد وضوحًا لحالة الانسداد السياسي، استمرار اعتقال الآلاف من أبناء مصر في ظروف غير إنسانية، وجلّهم من الكفاءات والخبرات الوطنية التي تحمل الخير لهذا الوطن المكلوم. من بينهم أكثر من تسعين نائبًا برلمانيًا انتخبتهم الملايين من أبناء الشعب في انتخابات ديمقراطية حرة، فضلًا عن العلماء، والخبراء، والوزراء، وغيرهم من القامات الوطنية. وتدين مؤسسات حقوقية عتيدة هذه الانتهاكات بحق المعتقلين، مما يضع النظام أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية، خاصة أن هذا القمع يطول معارضة سبق أن وصلت إلى الحكم عبر صناديق انتخابات حرة.

لقد أصبحت قضية المعتقلين مؤرقة لكل مصري حر، وبات إطلاق سراحهم مطلبًا مشروعًا لكل السياسيين الوطنيين الشرفاء. وقد آن الأوان لتوجيه رسالة إيجابية من النظام إلى المجتمع السياسي والوطني، عبر الإفراج عن هؤلاء المعتقلين، ولا سيما المحتجزين رهن الحبس الاحتياطي المتطاول، والنساء، وكبار السن. إصدار قرارات إخلاء سبيل شاملة سيكون خطوة أولى نحو استعادة الثقة المفقودة بين النظام والقوى السياسية.

أما على جانب المعارضة، فإن المسؤولية لا تقل أهمية. فواجب التنسيق والعمل المشترك من أجل بناء جبهة وطنية موحدة بات ضرورة وطنية. ولا ينبغي تكرار أخطاء الماضي أو السماح للخلافات الأيديولوجية أن تكون عائقًا أمام وحدة العمل الوطني. فلقد شهدنا كيف أدى التنسيق بين القوى الوطنية، قبيل ثورة يناير، إلى إنجاح الحراك السياسي والشعبي، عندما التقت التيارات الإسلامية مع باقي القوى السياسية على أرضية وطنية جامعة.

إن التغيير الحقيقي يبدأ بإرادة صادقة، وإيمان بأن الوطن ملك لجميع أبنائه، وليس حكرًا على فصيل أو نظام بعينه. وقد قال الله تعالى: **"إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡ"** (الرعد: 11). والسؤال اليوم: هل نحن مستعدون لأن نغير ما بأنفسنا؟ أن نتجاوز خلافاتنا؟ أن نضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار؟

ما تحتاجه مصر الآن هو شجاعة في اتخاذ القرار، وإدراك عميق لحجم المسؤولية، وعمل جاد بكل السبل السلمية والقانونية لتحقيق التغيير المنشود. فمستقبل هذا الوطن لا يحتمل مزيدًا من التأجيل، ولا رفاهية الوقت.