القرآن الكريم… ومنهج النهوض الحضاري في زمن اختلال القيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
في زمنٍ تتسارع فيه الوسائل، وتتراكم فيه الإنجازات المادية، في حين تضطرب فيه القيم وتتراجع الأخلاق - تتجدد الحاجة إلى إعادة النظر في علاقتنا بالقرآن الكريم، لا بوصفه كتاب تلاوةٍ وشعائر فحسب، بل بوصفه منهج هدايةٍ وبناءٍ وحضارة. فالقرآن لم ينـزل ليكون نصًّا محفوظًا في الصدور أو متلوًّا في المحاريب دون أثرٍ في الواقع، بل أنزله الله تعالى ليكون نورًا للناس كافة، وميزانًا تستقيم به الحياة.
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: 174].
فالخطاب القرآني خطابٌ إنسانيٌّ عام، يعالج جوهر الإنسان: وعيه، وضميره، ووجهته في الحياة، قبل أن يعالج تفاصيل نُظُمه ومؤسساته.
وقد صدع الإمام الشهيد حسن البنا – رحمه الله – بحقيقةٍ موجعة حين قال: «ما رأيت ضائعًا أشبه بمحتفظٍ به، ولا مهملًا أشبه بمعنيٍّ بشأنه، من القرآن الكريم في أمتنا هذه». فالقرآن عند كثيرين محفوظٌ في الصدور، مُكرَّمٌ في المصاحف، لكنه مُعطَّلٌ في الواقع. وهو في حقيقته كتابٌ محكم، ونظامٌ شامل، وقوامٌ لأمر الدين والدنيا: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42].
ولخص الإمام البنا مقاصد الأمة حياله في ثلاثة: تلاوةٍ تعبُّدية، واستمدادٍ تشريعي، وتحكيمٍ واقعي في شؤون الحياة. وهي مقاصد إن غابت اختلّ الميزان، وإن حضرت استقام المسار.
وسار على هذا المعنى تلميذه الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – حين نبه إلى أن القرآن لا ينبغي أن يُختزل في كتاب بركةٍ ومناسبات، بل يجب أن يعود قائدًا للفكر، ومهيمنًا على مصادر المعرفة، ومحررًا للعقل من التقليد الأعمى والخرافة.
كما تحدث الشيخ يوسف القرضاوي – رحمه الله – عن هجر القرآن بأشكاله المتعددة: هجر التدبر، وهجر التحكيم، وهجر العمل، لا هجر التلاوة وحدها.
ولعل الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – لخص هذه المعاني بقوله: «الحياة في ظلال القرآن نعمة»، إذ أدرك أن القرآن ليس خطابًا يُسمع فحسب، بل حياة تُعاش، ووعي يُشكَّل، ومقام يرفع الإنسان إلى أفق التكريم الإلهي.
لقد كان القرآن هو (الرحم) الذي وُلدت منه ﴿.. خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ..﴾؛ منه تشكل تصورها للإنسان بوصفه مستخلفًا، وللحياة باعتبارها أمانة، وللكون (كتاب الله المنظور)، وللسلطة بوصفها مسؤولية مقيدة بالعدل.
ومن سور القرآن وآياته تبلورت مقومات هذه الأمة وجوامع وحدتها: في العقيدة أساسًا، وفي الشريعة نظامًا، وفي الحضارة أثرًا، وفي وحدة الأمة رابطةً، وفي تكامل دار الإسلام إطارًا جامعًا.
ولذلك جاء النداء العلوي: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52]. جهادًا بالحجة والبرهان، وبناء الوعي، وإقامة الحجة، وحفظ هوية الأمة من الذوبان.
فالقرآن لم يكن في الحضارة الإسلامية نصًّا تعبديًا يُتلى في المحاريب فحسب، بل كان عقلها المؤسِّس وروحها الحاكمة؛ به قامت مدارس العلم، ونُظُم الوقف، وموازين القضاء، وتمازجت العبادة بالعمارة، وارتبط العلم بالخشية، والقوة بالأمانة، والسيادة بالمحاسبة. لم تكن النهضة الإسلامية فائض مادة، بل ثمرة مرجعيةٍ عليا صاغت الضمير قبل أن تنظم القانون.
وفي المقابل، تكشف أزمات العصر وتراجع منظومة القيم في (الغرب) أن التقدم إذا انفصل عن مرجعيةٍ أخلاقيةٍ عليا، أصبح هشًّا من الداخل. فاختزال الحضارة في المؤشرات المادية(فقط) يجعل القيم اتفاقاتٍ قابلةً لإعادة التعريف وفق موازين القوة، ويغدو القانون تابعًا للنفوذ لا قيدًا عليه.
ومن هنا تتجلى مركزية الشريعة في التصور القرآني؛ فهي الميزان الذي يعيد وصل الوسائل بالغايات، ويضبط حركة القوة بمعيار العدل، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].
إن الله لم يترك الإنسان في ظلمات الحيرة وتخبط الأهواء، بل أنزل نورًا يكشف له الطريق:
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16].
فهو كتاب بيانٍ يكشف الحقائق، وكتاب شفاءٍ يزكي القلوب، وكتاب رحمةٍ يفيض بالسكينة، وبه تتحقق الهداية التي تُصلح الفرد وتبني الأمة وتستقيم بها الحضارة.
فيا أيها المسلمون… ويا أيها الناس أجمعون.. هذا كتاب الله بين أيديكم؛ نورٌ لا يخبو، وهدىً لا يضل، ورحمةٌ لا تنقطع. من أقبل عليه بقلبٍ صادق أخرجه من ضيق الحيرة إلى سعة اليقين، ومن ظلمات التيه إلى وضوح الطريق. ليس القرآن حكرًا على قومٍ دون قوم، بل هو دعوةٌ مفتوحة لكل إنسانٍ أنهكته الأسئلة وأتعبته المتاهات.
إن النهوض الحضاري يبدأ من هنا: من عودة القرآن إلى موقع القيادة، في الفكر والقيم والنظام، لا في الشعائر وحدها. فإذا استضاءت به العقول، وخشعت له القلوب، وتحاكمت إليه الحياة، استقام العمران، واستعاد الإنسان معناه.
والقرآن لا يزاحم العالم في تقدمه، ولا ينافسه في تقنيته، بل يقدّم له معيارًا يحميه من الانحراف، ويمنحه بوصلة تهديه في لحظات الاضطراب. فإذا عاد الوحي إلى موقع القيادة في تشكيل الوعي وبناء النظام، استقامت العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين القوة والعدل، وبين الحرية والمسؤولية. وحينئذٍ فقط يمكن أن ينهض العمران على أساسٍ راسخ، لا تهزه العواصف، ولا يختل بتغير المصالح.
فالقرآن ليس ماضيًا يُستدعى، بل مستقبلٌ يُبنى عليه. والقرآن ليس خيارًا ثقافيًا، بل شرط بقاء، ومفتاح نهوض، وضمان نجاة. كما أراد ربُّنا جل شأنه.
والله أكبر ولله الحمد
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الإثنين 12 رمضان 1447هـ؛ الموافق 2 مارس 2026م