حول الأخونة والتمكين والتوظيف.. حديث لا يفنى
قطب العربي
على طريقة القاعدة الفيزيائية الشهيرة "المادة لا تفنى ولا تُستحدث"، فإن حديث الأخونة والتمكين، وكذا التوظيف، لا يفنى، ولا يُستحدث أيضًا. مرت 15 عامًا على ثورة 25 يناير، وحوالي 13 عامًا على الانقلاب، إلا أن حملات الاتهامات التي وجهها خصوم الإخوان لهم خلال فترة الاستقطاب السياسي التي أعقبت الثورة، ومهدت للانقلاب، واستمرت بعده، لا تزال تتردد بغير تجديد ولا إبداع، متجاهلة تمامًا تغيّر الظروف المحلية والإقليمية والدولية المحيطة، وحتى تغيّر حالة الجماعة التي كانت مستهدفة بتلك الاتهامات، وأُريد منعها من الوصول إلى السلطة أو استمرارها فيها، وهو ما حدث فعلًا، بل تم حلها تمامًا، والزج بقادتها وكوادرها في السجون والمنافي، بخلاف من تم قتله منهم.
موجة العداء المستعرة حاليًا ضد الإخوان ليس لها تفسير إلا استمرار مخاوف خصومهم (المغتصبون للسلطة، والملتحقون بهم، والمجاملون لهم، والخائفون منهم) من شبح الجماعة الذي لا يفارقهم، ودماء شهدائها التي تطاردهم، وتوقعات عودتهم مجددًا استنادًا إلى تجارب أخرى في الإقليم، خاصة تجربتي طالبان في أفغانستان وجبهة النصرة في سوريا. أضف إلى ذلك شعور هؤلاء الخصوم أنهم رغم مرور 13 عامًا على التخلص من حكم مرسي، فإنهم لم يستطيعوا ملء فراغ الإخوان، ولم يستطيعوا بناء أحزاب قوية قادرة على الحلول محلهم في أي منافسة حقيقية محتملة ولو بعد سنوات. يصدق ذلك على أحزاب الموالاة التي تستفيد بكل إمكانيات السلطة، وحتى أحزاب المعارضة التي لم تستطع تقديم قائمة انتخابية واحدة في الانتخابات الأخيرة، واضطرت بدلًا من ذلك إلى ركوب سفينة الموالاة لتتمكن من تحصيل فتات المقاعد البرلمانية، من باب "ما لا يُدرك كله لا يُترك جلّه"، "Something is better than nothing."
لا يتوقف الحديث عن نية الإخوان في أخونة الحكم، والتمكين لأنفسهم، كما لا يتوقف الحديث عن كونهم مجرد جماعة أو أداة وظيفية توظفها الحكومات المصرية المتعاقبة، أو حتى حكومات أخرى في المنطقة لتحقيق أغراضها، ثم ما تلبث أن تقلب لهم ظهر المجن، بمعنى التحول من المودة إلى العداوة، وهي ادعاءات ممجوجة لا تستند إلى دليل.
بين الأسلمة والأخونة
حديث الأخونة حين ظهر عقب فوز الدكتور محمد مرسي بالرئاسة جاء ضمن حديث أوسع عن أسلمة مصر، وتغيير هويتها، وحين وجد مروجو هذا الحديث أنهم "كناطحِ صخرةٍ يومًا ليُوهِنها فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعلُ"، ذلك أنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة مع عموم الشعب المصري المتمسك بدينه وهويته، ولذا عدّلوا اتهامهم ليصبح "الأخونة"، وأوكلوا المهمة لصاحب لحية لإطلاقها دون وعي، ودون بينة. قد يدعي البعض أنه قدم قائمة طويلة عريضة بمظاهر الأخونة ضمت 13 ألف وظيفة حكومية، وهو ما تم تفنيده في حينه، ولا بأس من التذكير بهذا التفنيد مجددًا لعله يفيد من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ذاك الحديث كان كاذبًا من (ساسه لرأسه)، وادعاء أحدهم قبل أيام أن مرسي أخون الدولة بسرعة، وأن المجتمع لم يكن مع الإخوان، هو استمرار لحالة الإنكار التي لم تكن تريد أن ترى الحقائق كما هي. فالشعب المصري هو الذي انتخب مرسي، وهو الذي انتخب الإخوان في مجلسي الشعب والشورى، وهو الذي انحاز لرؤية الإخوان في استفتاءين عامين، ورقم الـ13 ألفًا الذي روج له حزب النور -فضلًا عن المبالغة الواضحة فيه- ضم أشخاصًا كثيرين ليسوا من الإخوان، كما ضم أعضاء النقابات المهنية والعمالية والاتحادات الطلابية والمراكز الشبابية، الذين تولوا مواقعهم بالانتخابات وليس بالتعيين، وكانوا في مواقعهم قبل وصول مرسي نفسه للرئاسة.
وقد أغنتنا منصة صحيح الإخوان عن عناء الرد المفصل على كذبة الأخونة، نقلت المنصة عن مركز "بدائل" للدراسات أن نسبة "الإخوان" في المناصب القيادية بالدولة لم تتجاوز 2% إلى 5%، وهي نسبة ضئيلة جدًا لا تكفي لفرض "إخضاع وأخونة كاملة على الدولة"، كما أوضحت المنصة أن مجلس الوزراء كان مكونًا من 35 وزيرًا في حكومة هشام قنديل، ولم يتجاوز عدد المنتمين للإخوان 8 وزراء فقط في التشكيل الأخير، بينما كانت الحقائب السيادية (الدفاع، الداخلية، الخارجية)، والمالية والاقتصادية بيد تكنوقراط من داخل مؤسسات الدولة، وفي حركة المحافظين الشهيرة التي سبقت 30 يونيو 2013، عُيّن 17 محافظًا جديدًا، كان من بينهم 7 فقط من الإخوان، ووفقًا للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، فإن مفاصل الدولة (الدرجات الوظيفية العليا) ظلت بنسبة تفوق 95% بيد موظفي "دولة مبارك"، الذين أبدوا ممانعة شرسة لأي قرارات تصدر من الرئاسة.
العسكرة في مقابل الأخونة
الذين يعيدون ويزيدون في حديث الأخونة لا ينبسون ببنت شفة عن عسكرة الدولة منذ العام 1952، والتي ازدادت عسكرة بعد 2013. انظر حولك، راجع قائمة المحافظين لتعرف كم محافظًا من ذوي الخلفيات العسكرية (17 محافظًا في حركة 2024، و14 في حركة 2026 من رجال الجيش أو الشرطة أو أجهزة المخابرات)، وبخلاف المحافظين، فإن الغالبية العظمى من سكرتيري عموم المحافظات ورؤساء المدن والأحياء ورؤساء الهيئات العامة هم من العسكريين السابقين.
لم تقتصر العسكرة على الوظائف العليا، بل شملت كل الوظائف المدنية الجديدة، حيث يتم إجبار المرشحين الجدد للوظائف أيًا كان نوعها في الأوقاف أو التعليم أو المحليات... إلخ، لتدريبات لمدة ستة أشهر في الأكاديمية العسكرية، وحتى حملة الدكتوراه في الأزهر يخضعون لدورة مماثلة لتلقينهم العلوم والسلوكيات العسكرية، وهلم جرًا.
الرؤية الأمنية للتمكين
فرية التمكين التي تنشط الكثير من الأقلام في ترديدها مجددًا استقاءً من تقارير أمنية هي فرية قديمة أيضًا، ظهرت عقب مداهمة الشرطة مطلع التسعينيات لشركة البرمجيات الشهيرة "سلسبيل" المملوكة للمهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام للإخوان ورجال أعمال آخرين، وقد عثرت الشرطة في حواسبها على خطة مفصلة للعمل الإخواني ومستهدفات مستقبلية، ومن هنا ظهر مصطلح التمكين، ونشرت مجلة المصور بعض تلك الوثائق تحت هذا المصطلح، ولأن نشر تلك الخطة في ذلك الوقت جلب المزيد من التعاطف مع الإخوان، كونهم لا يفعلون شيئًا مجرمًا، وكونهم يستخدمون أساليب علمية حديثة في التخطيط والإدارة، فلم تكن خطة الانتشار في المجتمع جريمة بالأساس، بل إن ذلك هو واجب كل تيار أو تنظيم أو جمعية أو حزب لديه رؤية يسعى لتسويقها طالما أنه يفعل ذلك بشكل سلمي، كما أن التخطيط لخوض الانتخابات النقابية والطلابية والبرلمانية وحتى الرئاسية، إلخ، ليس جريمة، فالأنظمة الاستبدادية فقط هي التي تعتبره جريمة!
أي قوة سياسية تستعد لمنافسة السلطة المستبدة بشكل جدي ستتعرض لما تعرض له الإخوان. انظر إلى ما حدث مع سامي عنان وأحمد شفيق وعبد المنعم أبو الفتوح وهشام جنينة، وحازم حسني، ويحيى حسن، وأحمد قنصوة، وانظر إلى خلية الأمل التي داهمتها الشرطة في 2019، وكانت تضم كوكتيلًا يساريًا ليبراليًا للتخطيط لخوض الانتخابات البرلمانية في مصر في العام 2020، وقد تم حبس المقبوض عليهم، وبينهم نواب سابقون وصحفيون ونشطاء سياسيون، وانظر إلى ما حدث مع أحمد طنطاوي حين حاول الاستعداد للترشح للانتخابات الرئاسية الأخيرة، ثم حين حاول تشكيل حزب سياسي.
منافع متبادلة أم توظيف؟
تبقى الفرية الثالثة وهي التوظيف، أي أن السلطات الحاكمة في مصر أو غيرها تتعامل مع الإخوان باعتبارهم كيانًا وظيفيًا أو أداة توظفها السلطة لتحقيق بعض سياساتها، ثم تهملها أو تتخلص منها، وهذا إن صح مع كيانات صغيرة ديكورية فإنه لا يصح أبدًا مع كيان كبير متجذر تاريخيًا، ومنتشر في كل مكان، سواء في مصر أو في عشرات الدول الأخرى، وصاحب تجربة طويلة في العمل العام، والمواجهة للفساد والاستبداد.
طبيعة الأمور أن العلاقة تتقلب بين الود والمجابهة بين النظم الحاكمة والقوى المنافسة، وهذا الأمر انطبق في مصر على الإخوان وعلى الوفد وحتى الشيوعيين، مرت هذه التيارات الثلاث بعلاقات متنوعة مع السلطة من الهدوء إلى المواجهة حد الاستئصال (من السلطة طبعًا). تتعاون إحدى هذه القوى مع السلطة أحيانًا لتوافق الرؤى وتحقيق المكاسب، ولا يمكن اعتبار ذلك توظيفًا من السلطة لها، بل لماذا لا يكون العكس هو الصحيح، أي توظيف تلك القوى للسلطة لتحقيق بعض أهدافها؟! هذه القوى ذاتها دخلت مواجهات مع السلطة حين استشعرت الأخيرة خطرها عليها، حدث ذلك مع الوفد في العهد الملكي، وفي العهد الجمهوري، وحدث ذلك مع الشيوعيين في العهدين، وتكرر أيضًا مع الإخوان، وهكذا هي السياسة التي لا تفهمها النظم الاستبدادية وأبواقها، ولا النخب التي لم تمارس عملًا سياسيًا، وتكتفي بالتنظير والتقعير!!
لنعد إلى التاريخ قليلًا ونسأل: هل وظف النحاس باشا، رئيس وزراء مصر، حسن البنا المرشد العام للجماعة حين طالبه بسحب ترشحه للانتخابات بناء على طلب الإنجليز؟ أم أن حسن البنا هو من وظفه لتحقيق بعض مطالب الإخوان ثمنًا للانسحاب، مثل إلغاء الدعارة رسميًا من مصر، والسماح للإخوان بفتح فروع لجماعتهم في كل ربوع مصر، بعد أن كانت الجماعة نفسها مهددة بالحل بقرار من الإنجليز؟! وهل وظف السادات الإخوان لمصلحته أم أنهم هم من وظفوه لتحقيق رؤيتهم؟ نعم، كان السادات يحتاج لظهير شعبي لمواجهة التحدي اليساري، وقد وجد هذا الظهير في الإخوان الذين كانت لديهم الرغبة ذاتها في مواجهة الفكر الشيوعي، لكنهم حصلوا أيضًا من السادات على مكاسب جيدة، حيث سمح لهم بالعمل العام (دون تصريح قانوني)، وسمح لهم بإعادة إصدار مجلة الدعوة، وتحرك دعاتهم في عموم مصر بحرية، والفوز في الاتحادات الطلابية، إلخ. وحتى فيما يخص دعم الإخوان للمجاهدين الأفغان فقد تم برغبة الإخوان ووفق رؤيتهم في تلك الفترة، وليس فقط بناء على رغبة السادات أو غيره من الحكام. كان الإخوان في ذاك الوقت يرون ضرورة مواجهة التمدد الشيوعي الذي يمثل خطرًا على الأمة الإسلامية وهويتها، ولا مشكلة أن توافق ذلك مع رغبة بعض الحكام في ذاك الوقت، حتى لو ظهر لاحقًا أن هؤلاء الحكام كانوا يفعلون ذلك تلبية لطلب أمريكي. وهل وظف النظام السعودي الإخوان لمصلحته في السبعينيات والثمانينيات لمواجهة التيارات الشيوعية والقومية؟ أم أن الإخوان هم من وظفوا الحكم السعودي وإمكانياته في نشر رؤيتهم وبرامجهم الدعوية داخل السعودية وخارجها؟!
هو توظيف متبادل إذن، يحصل كل طرف على بعض ما يريد من الطرف الآخر، مع التأكيد أن السلطة هي الأقوى دومًا، لكن ذلك لم يمنع الطرف الأضعف من حصد مكاسب لمشروعه تتراكم مع الوقت، وهذا ما يصفه بعضهم بـ"التمكين".
تجدد الحملات ضد الإخوان في مصر وخارجها يؤكد أنهم رغم ضعفهم لا يزالون يمثلون تحديًا حقيقيًا للنظام المصري، ولغيره من النظم الاستبدادية، بل لكل القوى الكارهة للإسلام في العالم، وهذا لا يعني نقاء الإخوان من الأخطاء، فهم بشر يخطئون ويصيبون، ولكنهم في كل ذلك مجتهدون، ولكل مجتهد نصيب.