فرسان الحقيقة في يوم الصحافة العالمي.. الواقع والمأمول
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه.. وبعد؛
فإن جماعة الإخوان المسلمين، وهي تستقبل اليوم العالمي للصحافة في الثالث من مايو من كل عام، ترى في هذه المناسبة محطةً للاحتفاء برسالة الصحافة، والتأمل في واقعها، واستحضار التحديات الجسيمة التي تواجهها، وفي القلب منها ما يلقاه الصحفيون الأحرار من تضييق وسجن وقتل واستهداف، وما يبذلونه من تضحيات في سبيل إبراز الحقيقة وحراستها.
لقد كانت الصحافة-و ماتزال- أداة نقل الأخبار وتحليلها، وواسطة بين دوائر اتخاذ القرار والمجتمع، ووسيلة لإعلام الجماهير بما يجري في عالمهم. وقد ازداد أثرها مع انتشار الطباعة، وسهولة الأسفار، وتضايق المسافات، ثم مع الوسائط الرقمية في الطور الأخير. حتى غدت الكلمة والصورة والخبر عناصر فاعلة في تشكيل الوعي العام وتوجيه الرأي.
هذا الدور الإعلامي كان موجودًا في كل عصر بما ينهض به، وفي عصور الإسلام الأولى أحيط نشر الأخبار والأقوال بسياج من التشريع والعرف الثقافي العام الذي يضمن دقة النقل، ومصداقية الناقل، أو ما أسماه علماء الحديث بالنقد الخارجي والداخلي للخبر. وتركوا لنا فيه ثروة لا نظير لها. وقد حدد القرآن الكريم إطارها في اشتراط التبيّن والتثبت في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6] مع التنبيه على شرف رسالة الإعلام؛ فنحن أمة الدعوة والبلاغ. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104] ولم يكن الالتزام بهذه الضوابط أمرًا دائمًا في الخبرة الإسلامية التاريخية، فقد استعملت الأقوال والأخبار سلاحًا ضمن الخصومات السياسية، والمنافسات المذهبية والفكرية، لكن ظلت تلك الضوابط مرجعية للفكر، وموقظة للضمير، ومقياسًا لصحة الأخذ والترك.
غير أن واقع الصحافة خاصة والإعلام عامة- اليوم- يستأهل وقفة تأمل؛ فقد اتسع نطاق المخاطبين به، وتنوعت وسائل تأثيره، وحرصت مراكز السيطرة على امتلاك زمامه، سواء كانت أجهزة حكومية تنتج الاستبداد وتحتكر الصوت العام، أو مؤسسات مالية عملاقة وشبكات نفوذ تدير الكيانات الإعلامية الكبرى، وتوجه أصوات الناخبين، وتصنع أدوات الحكم التي تراكم داخلها العنفوان والقوة، وبهذا ندور في حلقة مفرغة، تزداد من خلالها مراكز القوة الحاكمة، ويُسترقّ من خلالها الوعي الإنساني. إذ تحول الإعلام إلى أداة دعاية للأفكار والمذاهب، ووسيلة إغواء، يخلط الحق بالباطل، أو يغض الطرف عن أشياء، ويركز مساحات الضوء على أخرى، فينتج وعيًا شائهًا لا يدرك سبب علله ولا يسعى إلى تغيير واقعه.
لقد برر الإعلام المصنوع إنفاق مليارات الدولارات في غزو الفضاء، وحرب النجوم، وتكديس الأسلحة النووية، في حين تُرك ملايين البشر يموتون من الجوع، ويعانون من الاستبداد والظلم. وبرر منع الدواء عن أطفال العراق خمس عشرة سنة، وصمت عن حرق أطفال فلسطين أحياء، أو قتلهم بدم بارد، أو إماتتهم جوعًا، حتى استشهد منهم في حرب غزة الأخيرة أكثر من 21 ألف طفل، وأكثر من 12 ألف امرأة. كما أبرز زورًا اتهامات العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل، فأعطى المبرر للعدوان عليها، على حين صمت عن امتلاك إسرائيل - بالفعل - نحو 80 إلى 90 رأسًا نوويًا بحسب تقرير معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، وقد زادتها تقارير أخرى إلى 400 رأس نووي. وهكذا يصبح التضليل الإعلامي جزءًا من إدارة الحرب، لا مجرد خطأ مهني عابر.
وعلى امتداد عقود القضية الفلسطينية، كان العالم يصمت على جرائم الاحتلال في حق شعب فلسطين، ويعجز عن محاسبة قاتليه بمقتضى القانون الدولي. وفي حرب غزة "الأخيرة" لحق القتل مئات الصحفيين الذين حاولوا نقل وقائع العدوان على غزة (2023-2025)، حتى وُصفت الحرب بأنها الأكثر دموية للصحفيين في التاريخ الحديث، واستشهد نحو 250 صحفيًا حتى أغسطس 2025 وفق تقديرات محلية ودولية، وتشير تقارير أكاديمية إلى أن عدد الصحفيين الذين قضوا في غزة يفوق مجموع من قُتلوا في حروب كبرى مثل فيتنام ويوغوسلافيا وأفغانستان مجتمعين.
وقد أشارت منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى شبهات استهداف متعمد للصحفيين. وتضرر نحو 48 مؤسسة إعلامية، مع غياب شبه كامل للصحافة الأجنبية داخل غزة، حيث سعى الاحتلال إلى منعهم؛ مما جعل الصحفي الفلسطيني هو الناقل الوحيد للمعلومة، وهو الضحية المباشرة. وإلى جانب قتل الصحفيين، تحدثت بعض التقارير عن قتل نحو 700 من أقاربهم، وأن كثيرًا من هؤلاء الصحفيين كانوا يعملون في ظروف التجويع المميت، والحصار الكامل، والاستهداف المستمر. ولا يمكن تفسير ذلك القدر من العدوان الهمجي إلا بأنه محاولة لحجب الحقيقة عن العالم بقتل الشهود عليها.
وليس بعيدًا عن ذلك من أن تصمت منصات إعلامية كبرى عن جرائم إبستين المشينة سنوات طويلة، وهي جرائم انغمس في وحلها بعض كبار أصحاب السطوة والنفوذ من سياسيين ورجال اقتصاد وقانون وأكاديميين وإعلاميين، ينتهكون كل ما توافقت عليه شرائع السماء والأرض من أخلاق وقيم.
كما تحولت الصحافة والإعلام عامة إلى سلاح خطير في أيدي الأنظمة السياسية المستبدة، فهي تستعمله لشيطنة معارضيها، وإثارة العالم ضدهم، ورميهم بتهم العنف والإرهاب، في حين تصمت عن ممارسات العنف والإرهاب الذي تمارسه تلك الأنظمة ضد شعوبها ومعارضيها. وقد رأينا قتل المئات، وربما الألوف، من معارضي الانقلاب العسكري في مصر عام 2013 في مشاهد مريعة بثتها بعض أجهزة الإعلام الحر، لكنها ضاعت في عجيج الصخب الإعلامي عن إرهاب الضحايا وعنفهم.
لقد مارس "الاستبداد السياسي" توظيف منظومات الإعلام لصالحه، ووضع الأطر القانونية التي يحكم بها قبضته عليها؛ فهو الذي يملك حق إصدار الصحف، أو تقييدها، أو غلقها، ويستطيع تقديم الدعم المالي أو حجبه، وتوجيه سياسات التحرير، وضبط إيقاعها لصالحه، فضلًا عن التحكم في حريات الصحفيين والإعلاميين عامة. وقد ذكرت تقارير حقوقية أن عدد الصحفييين والإعلاميين المعتقلين فى مصر تجاوز الأربعين حالياً، مع استمرار اعتقالات جديدة، ناهيك عن حجب مئات المواقع الإليكترونية، وهو ما جعل مصر فى مراتب متدنية على مؤشر حرية الصحافة العالمي (فى المرتبة 169عالمياً عام 2026).
ومع إدراج عدد من الإعلاميين المعارضين، داخل مصر وخارجها، ضمن قوائم الإرهاب، والمنع من السفر، وفرض الحراسة على أموالهم، وتعقب أهليهم بالعسف والجور، ولَّد هذا الطغيان رقابة ذاتية عند الصحفيين والإعلاميين، حتى تحدثت التقارير عن ممارسة 80 إلى 92% من الصحفيين رقابة ذاتية على أنفسهم لتجنب الملاحقة الأمنية والقانونية.
إن جماعة الإخوان المسلمين تؤكد أن الرقابة الحقيقية يجب أن تنبع من الإحساس بالمسؤولية المهنية، والالتزام بأخلاق المهنة، وقيم الموضوعية والنزاهة واحترام الخصوصية، لا من الخوف من بطش السلطان أو سطوة المال. فالكلمة أمانة، وقد قال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل يكب الناس على وجوههم، أو على مناخرهم، في النار إلا حصائد ألسنتهم».
وفي هذا اليوم، تشد جماعة الإخوان المسلمين على أيدي فرسان الحقيقة، والساعين إليها، والمضحين من أجل إبرازها وحراستها، وتحيي الصحفيين الأحرار الذين يحملون الكلمة في وجه الاستبداد والاحتلال والتضليل. كما تدين كل أدوات القمع للكلمة، سواء مارستها أنظمة الاستبداد والحكم المطلق، أو فرضتها إكراهات القوة المادية والرأسمالية المتوحشة، وتؤكد على حرية المعلومات، وعدالة العرض، ونزاهة القصد ومسؤولية الكلمة؛ وتعدها ركائز لا غنى عنها لصحافة حرة، ومجتمع واعٍ، وعالم أكثر عدلًا وإنسانية.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الأحد 16 ذو القعدة 1447هـ؛ الموافق 3 مايو 2026م