في ذكرى النكبة: الإخوان المسلمون ومسار التحرر من المقاومة إلى النهوض
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
عندما استعرض الإمام الشهيد حسن البنا حال الأمة الإسلامية، وما آلت إليه من سطوة المستعمر وهيمنته على مقدرات البلاد وخيراتها، قرر أن تحرير الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي ـ سياسيًا كان أو اقتصاديًا أو روحيًا ـ حقٌّ طبيعي لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر، وأن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا بقيام دولة حرة عادلة تعمل بأحكام الإسلام، وتكون خادمة للأمة لا متسلطة عليها.
يقول رحمه الله في رسالة بين الأمس واليوم:
"اذكروا دائمًا أن لكم هدفين أساسيين:
1- أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي، سياسي أو اقتصادي أو روحي، وذلك حق طبيعي لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر.
2- أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة، تعمل بأحكام الإسلام، وتطبق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادئه القويمة، وتبلغ دعوته الحكيمة للناس".
ومن هذا الفهم كانت فلسطين- وفي القلب منها القدس والمسجد الأقصى- جزءًا أصيلًا من الوطن الإسلامي العام، الذي لا يجوز للأمة أن تفرط في حقه أو تسكت عن تهديده بالضياع والاغتصاب.
ونحن نمر اليوم بالذكرى الثامنة والسبعين لنكبة فلسطين، نستحضر تلك الجريمة التاريخية الكبرى التي ارتكبتها العصابات الصهيونية المسلحة، بدعم من الاستعمار الغربي، ضد الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية كلها؛ حين مارست القتل والتهجير والترويع، وارتكبت المجازر، وشرّدت مئات الآلاف من أبناء فلسطين عام 1948م، وأقامت كيانًا غاصبًا ما يزال مصدرًا للألم والدمار وعدم الاستقرار.
وما جرى بالأمس من اقتحام همجي للمسجد الأقصى المبارك، وانتهاكٍ لمقدساته في ذكرى النكبة ذاتها، يؤكد أن النكبة ليست حدثًا من الماضي، بل عدوان متجدد يستهدف الأرض والإنسان والمقدسات.
التحرير في التصور الإسلامي: فريضة وضرورة
إن نظرة متأملة في نصوص الوحي تكشف أن الإسلام جاء لتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية لغير الله؛ من عبودية الهوى، ومن عبودية البشر، ومن كل سلطان يسلب الإنسان إرادته وكرامته.
قال تعالى:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
وقال سبحانه:﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105].
ومن هنا لم يكن التحرير في التصور الإسلامي مجرد خيار سياسي أو موقف مرحلي، بل فريضة شرعية وضرورة إنسانية؛ لأنه مرتبط برفع الظلم ونصرة المستضعفين، كما قال تعالى:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 75].
ولهذا فإن مقاومة الاحتلال والهيمنة ليست مجرد حق مشروع، بل واجب تمليه مقاصد الشريعة، وتؤكده سنن الاجتماع؛ فالأمم التي لا تدافع عن حريتها وكرامتها تفقد قدرتها على البقاء والتأثير.
التحرير في فكر الإخوان المسلمين
من هذا المنطلق كان التحرير في فكر الإخوان المسلمين عقيدةً وضرورة، لا مجرد شعار سياسي أو رد فعل مؤقت. فالتحرير - في هذا التصور- ليس نقطة بداية، بل ثمرة مشروع متكامل يبدأ ببناء الإنسان، ويمتد إلى نهضة المجتمع، وينتهي بتحرير الوطن وصيانة استقلاله.
فمعركة التحرير تبدأ - في حقيقتها- من داخل الإنسان؛ من وعيه، وإيمانه، وقدرته على تحمل تبعات الحرية، والصبر على طريقها الطويل، والثبات حتى يتحقق وعد الله.
كيف فهم الإمام البنا قضية التحرير؟
لم يتعامل الإمام البنا مع قضية التحرير بوصفها مجرد مواجهة عسكرية، بل باعتبارها صراعًا مركبًا تتداخل فيه أبعاد السياسة والاقتصاد والثقافة.
فالاستعمار - في نظره- لم يكن احتلال أرض فحسب، بل كان: سلطانًا سياسيًا يسلب القرار، وسلطانًا اقتصاديًا يستنزف الثروات، وسلطانًا ثقافيًا وروحيًا يستعمر العقول قبل الأرض.
ومن هنا كان هدفه بناء القدرة على التحرير واستدامته، لا مجرد تحقيق انتصار عابر.
لماذا جعل الإمام البنا تحرير الوطن في المرتبة الرابعة؟
في ركن العمل من رسالة التعاليم، جعل الإمام البنا(تحرير الوطن) في المرتبة الرابعة، فقال:
" وتحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبي ـ غير إسلامي ـ سياسي أو اقتصادي أو روحي".
وقد يتساءل البعض: لماذا جاء تحرير الوطن في المرتبة الرابعة؟
والجواب أن هذا الترتيب لم يكن تأخيرًا، بل تأسيسًا.
فقد سبق تحرير الوطن ثلاث مراتب كبرى:
• إصلاح النفس،
• ثم تكوين البيت المسلم،
• ثم إرشاد المجتمع.
لأن التحرير الحقيقي لا يصنعه إنسان مهزوم من داخله، ولا أسرة مفككة، ولا مجتمع غافل، وإنما يصنعه إنسان مؤمن، وأسرة مستقرة، ومجتمع واعٍ، قادر على حمل مشروع التحرير وحمايته بعد تحققه.
وعي بالصعوبة… ويقين بالنصر
ويختم الإمام البنا حديثه عن مراتب العمل بقوله:
" وما أثقلها تبعات، وما أعظمها مهمات… ولن نيأس أبدًا، ولنا في الله أعظم الأمل".
وتجسد هذه الكلمات منهجًا واضحًا يجمع بين أمرين:
وعيٍ عميق بصعوبة الطريق، وأنه ليس مسارًا يسيرًا أو قصيرًا، ويقينٍ ثابت بأن النصر ممكن إذا استُجمعت أسبابه؛ فالنصر من عند الله، ومن كان لله نصره الله ولو قلّ أنصاره.
إنها روح لا تعرف اليأس، تستمد ثباتها من الإيمان بأن النصر مع الصبر، وأن الفرج يولد من رحم الشدائد.
فلسطين… البداية التي لم تنتهِ
ولم يكن هذا الفهم نظريًا أو مجرد خطاب عاطفي.
فمنذ تأسيس الجماعة أدرك الإمام البنا أن فلسطين ليست قضية حدود، بل قضية أمة.
ولهذا لم يكتفِ بالخطب والبيانات، بل عمل على تعبئة الشارع، وتنبيه الأمة، وجمع التبرعات، وإعداد الرجال، وإرسال المجاهدين.
ثم جاءت حرب 1948م شاهدًا على انتقال الفكرة من التنظير إلى التطبيق، ولم يكن ذلك نهاية الطريق، بل بداية لمسار ممتد عبر الأجيال.
الإخوان ودعم إرادة التحرير والاستقلال
وفي إطار هذه الرؤية، أنشأ الإخوان قسم الاتصال بالعالم الإسلامي ليكون قناة لدعم كفاح الشعوب ومساندة قضايا المسلمين في مختلف الأقطار.
ولم تقتصر جهودهم على فلسطين.
ففي مصر شاركوا في مقاومة الاحتلال البريطاني، وكان الأستاذ محمد مهدي عاكف من الذين قادوا معسكرات التدريب في جامعة إبراهيم باشا (جامعة عين شمس حاليًا ) وأسهموا في إعداد جيل واجه الاحتلال بقيادة الشهيد يوسف طلعت والشيخ محمد فرغلي وغيرهما.
وفي أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، ورغم وجود الإخوان في السجون وما تعرضوا له من تعذيب، أرسلوا إلى القيادة المصرية يعلنون استعدادهم للمشاركة في مواجهة الاحتلال، غير أن طلبهم قوبل بالرفض.
كما أسهموا في دعم الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، وكان للإخوان المسلمين في سوريا دور بارز في مساندة الثورة الجزائرية سياسيًا وشعبيًا.
وفي ليبيا وقفوا إلى جانب قضية الشعب الليبي ودعموا حقه في الحرية والاستقلال بوسائل متعددة، وكان من أبرز من أسهم في ذلك الأستاذ الدكتور عز الدين إبراهيم.
ثم اتسعت هذه الرؤية لتتجاوز حدود الجغرافيا، فلم يعد التحرير مقتصرًا على نطاق محلي أو إقليمي، بل أصبح جزءًا من رؤية تتعامل مع الظلم باعتباره ظاهرة واحدة وإن اختلفت صوره.
ومن هنا جاء التفاعل مع قضايا أفغانستان والبوسنة وكشمير وغيرها، دعمًا للمستضعفين ونصرة للشعوب التي تواجه الاحتلال والعدوان.
ما الذي يميز هذا المشروع؟
ما يميز هذا المشروع أنه لا يختزل التحرير في لحظة مواجهة عسكرية، بل يراه عملية ممتدة تبدأ ببناء الإنسان.
إنه مشروع يجمع بين: التربية والعمل، والفكر والميدان، والإيمان والتخطيط، والصبر والحركة.
ولذلك لم يكن مجرد مشروع مقاومة، بل مشروع صناعة إنسان قادر على المقاومة والنهوض معًا.
رسالة إلى الأجيال
إن طريق التحرير ليس طريقًا قصيرًا ولا سهلًا، لكنه الطريق الذي سلكه الأنبياء، وسار عليه المصلحون عبر التاريخ.
وستبقى هذه المسيرة ممتدة تحملها الأجيال جيلًا بعد جيل، حتى يأذن الله بالنصر ويتحقق وعده؛ فالتحرير ليس نقطة بداية، بل ثمرة مشروع متكامل.
فسلام على الشهداء الذين رووا بدمائهم تراب هذه الأمة، وسلام على الأحياء الذين يواصلون المسير، وسلام على من سيأتون من بعدهم يحملون الراية.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[يوسف:21].
والله أكبر ولله الحمد.
الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الجمعة 28 ذو القعدة 1447هـ؛ الموافق 15 مايو 2026م