العمل الصالح في العشر الأوائل
العشر الأوائل من ذي الحجة فيها مواسم الرحمات والفيضات الربانية، جعل الله تعالى فيها لحجاج بيته المعظم أن يعودوا من حجهم المبرور كيوم ولدتهم أمهاتهم، كما جعل سبحانه أبواب الخير مفتَّحةً لعامة المسلمين بمضاعفة ثواب الأعمال الصالحة فيها. "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام".
سعة دائرة الأعمال الصالحة
تتسع دائرة العمل الصالح أمام المسلمين، حتى يتنافس فيها المتنافسون، ويتسابق في الفوز بالخير والرضوان المتسابقون، ففي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "على كل مسلم صدقة، قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق، قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قيل له: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير، قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها له صدقة". فصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتابعون تساؤلاتهم حتى يصل كلٌّ منهم إلى ما يناسبه من عمل صالح ميسور.
وفي الحديث الشريف: "أربَعونَ خَصلةً، أعلاهنَّ مَنيحةُ العَنزِ، ما مِن عامِلٍ يَعمَلُ بخَصلةٍ منها رَجاءَ ثَوابِها، وتَصديقَ مَوعودِها؛ إلَّا أدخَلَه اللهُ بها الجَنَّةَ"، ومنيحة العنز هي الأنثى من الماعز تُعار لشخص ليشرب لبنها ويستفيد من صوفها ثم يردها بعد ذلك. قال بعض الصحابة: "فعَدَدنا ما دونَ مَنيحةِ العَنزِ، مِن رَدِّ السَّلامِ، وتَشميتِ العاطِسِ، وإماطةِ الأذى عَنِ الطَّريقِ، ونَحوِه؛ فما استَطَعنا أن نَبلُغَ خَمسَ عَشرةَ خَصلةً".
التفاضل بين الأعمال الصالحة
وكان دأب الصحابة رضي الله عنهم الحرص ليس على العمل الصالح فقط، ولكن التطلع لأفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى، فيسألون النبي عليه الصلاة والسلام: أيّ العمل أحب إلى الله؟ أيّ العمل أفضل؟ ثم أيّ؟ وتأتي الإجابة متفاوتة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ربما بتفاوت حال السائل، فمرة الصلاة على وقتها، أو بر الوالدين، أو الجهاد في سبيل الله، ومرة إيمان بالله ورسوله، أو حج مبرور...
وهناك من الأحاديث ما يعلمنا الأفضل من الأعمال: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر"، وهناك ما يعلمنا التفاضل في النفقة: "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك".
وكان الصالحون يميزون بين الأعمال الفاضلة، فالأفضل منهما ما ناسب الحال والوقت لكل شخص على حدة. فهذا الشاب الذي خرج إلى الجهاد متحمسًا بغير إذن والديه، يخاطبه أبوه بأبيات من الشعر مؤثرة:
تركت أباك مرعشـــــة يداه *** وأمك ما تسيغ لها شرابا
أبراً بعد ضيعة والديــــــــه *** فلا والله أبدًا ما أصـــابا
فإنك والتماس الأجر بعدي *** كباغي الماء يتبع السرابا
وهذا المجاهد في الميدان يخاطب الإمام العابد بقوله:
يا عابد الحرمين لو أبصــرتنا *** لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه *** فنحورنا بدمائنا تتخضب
أيّ العمل أولى؟
أيّ العمل أفضل هذه الأيام؟ هل هو الأشق؟ هل هو المتعدي نفعه؟ ربما لا توجد أفضلية بإطلاق، إنما لكل وقت عبادة؛ فوقت المجاعة إطعام الطعام، ووقت غزو الكفار لبلد مسلم الجهاد، ووقت قلة العلماء العلم، ووقت الغزو الفكري لأخلاقنا وقيمنا الدعوة والتربية...
وهناك مسلمات في الأولويات، تُقدم الفريضة على النافلة، وفرض العين على فرض الكفاية، وفرض الكفاية الذي لم يتوفر له عدد يكفي على الذي قام به من يكفي، وفرض العين المتعلق بالأمة والجماعة على المتعلق بالأفراد، والواجب المحدد الوقت على الواجب الموسع في وقته، والمصالح الضرورية مقدمة على الحاجية والتحسينية، والاهتمام بالأصول قبل الفروع، والمتفق عليه قبل المختلف فيه.
ومن العمل الصالح هذه الأيام
• ومن الأعمال الصالحة حب الأعمال الصالحة، فهذه الأخت المجاهدة أم أسامة الحية تحتسب عند الله أربعة من أبنائها شهداء بإذن الله، وتتغزل في آخر شهدائها فتقول: كان كالغزال، حامل القرآن، مجاهدًا في الخنادق وليس في الفنادق، والله فخورة جدًا بهم، أبنائي هم غرس الياسين، غرس أبو العبد، غرس السنوار. سجدت شكرًا لله عندما تلقيت نبأ استشهادهم.
• ومن الأعمال الصالحة حب الصالحين الصادقين، ففي الحديث: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب".
• ومن الأعمال الصالحة الاهتمام بأمر الناس، والانشغال بما ينفعهم، والمشاركة في أي أمر من شأنه الحفاظ على هويتنا وقيمنا وأخلاقنا.
• ومن العمل الصالح أن نعيش مع الحجيج بقلوبنا وأفئدتنا، وندعو لهم بالتيسير والقبول، حيث يجتمعون على اختلاف أجناسهم وألوانهم، يلبون ويتضرعون:
تساووا فلا الأنساب فيها تفاوت *** لديك ولا الأقدار مختلفات
• ومن العمل الصالح أن نتذكر آخر الوصايا التي أوصى بها الحبيب أمته في حجة الوداع يوم عرفة، وهو الشفوق عليهم والرؤوف بهم: "تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا: كتاب الله وسنة نبيه"، وهو اليوم الذي امتن الله على عباده ونزلت فيه الآية الكريمة: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا".
دعوتنا
وقد قامت دعوتنا بواجب الوقت حين تفتتت الأمة، واستبدلت الشريعة، وغابت الخيرية، واحتلت الديار، فكان من أوجب الأعمال إقامة صف يفهم الإسلام، ويعيش بالإسلام، ويدعو للإسلام. فالعمل في مجال الدعوة إلى الله من أجل التمكين لدين الله وإقامة دولة الإسلام من أفضل مجالات العمل وأشرفها، وكان للعمل مراتبه وخطواته وتبعاته، وما أثقلها تبعات، وله آماله وأهدافه، وما أعظمها مهما يراها الناس خيالًا، ويراها الأخ المسلم حقيقة، ولن نيأس أبدًا، ولنا في الله أعظم الأمل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ونسأل الله تعالى أن يوفقنا للعمل الصالح دائمًا، وأن يعيد هذه الأيام على بلادنا وأمتنا بالخير والعزة والحرية والنصر والتمكين، اللهم آمين.
قسم التربية - جماعة الإخوان المسلمين
الأحد 30 ذو القعدة 1447هـ؛ الموافق 17 مايو 2026م