الموقع الرسمي للإخوان المسلمون

رسالة الاخوان

رسائل تحمل التوجهات الرئيسية لجماعة الإخوان المسلمين فى الفكر...

في اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب... بآلامٍ وآمالٍ

في اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب... بآلامٍ وآمالٍ

في السادس والعشرين من يونيو من كل عام، يقف العالم أمام واحدة من أبشع الجرائم التي عرفها التاريخ الإنساني: جريمة التعذيب. ورغم ما أُبرم من اتفاقيات، وما رُفع من شعارات، وما أُنشئ من هيئات ومنظمات، فما يزال آلاف الأبرياء في أنحاء العالم يذوقون مرارة التعذيب في السجون، ومراكز الاحتجاز، ومناطق النزاعات، في مفارقة صارخة بين المبادئ المعلنة والواقع الذي تشهده الإنسانية.

كرامة الإنسان في الإسلام:
لقد كرَّم الله الإنسان، فقال في محكم كتابه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]. ومن مقتضيات هذا التكريم أن حرَّم تعذيبه، بغضِّ النظر عن لونه أو عِرقه أو دينه. بل كانت رسالة الله تعالى إلى فرعون، على لسان موسى وهارون عليهما السلام، رسالةَ تحريرٍ للإنسان، ونهيًا عن تعذيبه، قال تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: 47] .

وامتدت الحماية التشريعية لتشمل كلَّ جزءٍ من الجسد الإنساني، قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45].

كما امتدت هذه الحماية إلى الأعراض والكرامة الإنسانية، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]. وقال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللهَ يُعذِّبُ الذين يُعذِّبون الناس في الدنيا» (رواه مسلم). 

بل امتدت رحمة الإسلام إلى الحيوان، ففرضت الرفق به، ونهت عن تعذيبه، فقال رسول الله ﷺ: «عُذِّبَت امرأةٌ في هرةٍ حبستها حتى ماتت جوعًا، فدخلت فيها النار» (متفق عليه). 

حظر التعذيب... بين القانون والواقع 
ولم تقتصر هذه المبادئ على التشريع الإسلامي، بل أصبحت اليوم من المبادئ المستقرة في القانون الدولي، الذي عدَّ التعذيب جريمةً لا يجوز تبريرها تحت أي ظرف.
وفي السادس والعشرين من يونيو من كل عام، تحلُّ مناسبة اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، الذي اعتمدته الأمم المتحدة سنة 1987، وانضمت إلى اتفاقيته (174) دولة، الأمر الذي جعل حظر التعذيب واحدًا من أكثر المبادئ القانونية الدولية قبولًا وإجماعًا.

غير أن الواقع العملي حافل بكوارث التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان التي يمارسها الأقوياء بحق الضعفاء. فقد رفضت ثلاثٌ من الدول الكبرى التوقيع على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، الذي يسمح بزيارات دولية مستقلة لأماكن الاحتجاز، وهي: الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وروسيا. وتتمثل خطورة ذلك في قدرتها على استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن للحيلولة دون إدانة كثير من الجرائم المرتكبة بحق الإنسان، فضلًا عما يمثله حق النقض نفسه من خللٍ بنيوي جعل مجلس الأمن عاجزًا -في كثير من الأحيان- عن التعبير الصادق عن الإرادة الدولية.

وفي الوقت نفسه، وقَّعت عشرون دولة عربية على اتفاقية مناهضة التعذيب، لكن خمسًا منها فقط صدَّقت على البروتوكول الاختياري الذي يسمح بالزيارات المفاجئة لأماكن الاحتجاز. وبذلك بقيت الاتفاقية، على سموِّ أهدافها ونبل مقاصدها، عاجزةً عن فرض إرادتها على الدول الكبرى، أو على الدول التابعة لها، التي تفتقر إلى الإرادة المستقلة والقرار السياسي الحر.

وليس ذلك بالأمر المستغرَب؛ إذ إن كثيرًا من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان في عالمنا المعاصر صدر عن القوى الكبرى التي ترفع راية الدفاع عن تلك الحقوق.

نماذج من جرائم التعذيب المعاصرة
الصين: الإيغور نموذجًا

ترتكب السلطات الصينية انتهاكات جسيمة بحق مسلمي الإيغور، وصفتها تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية بأنها قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، كما وصفتها بعض الدول والبرلمانات بأنها إبادة جماعية. وقد أقامت شبكة واسعة من معسكرات الاحتجاز، تستهدف محو الهوية الدينية والثقافية، وتقييد الشعائر الإسلامية، وتدمير المساجد، وإخضاع السكان لرقابة إلكترونية مشددة، فضلًا عن اتباع سياسات لإعادة التوطين تهدف إلى تغيير التركيبة السكانية للإقليم. كما انتهجت سياسةً ممنهجة أدت إلى فصل آلاف الأطفال عن ذويهم، وإيداعهم في مؤسسات حكومية بدعوى الرعاية.

الولايات المتحدة الأمريكية: جوانتانامو وأبو غريب
ولا تزال الانتهاكات التي ارتكبتها الولايات المتحدة بحق المعتقلين في معتقل جوانتانامو ماثلةً في الأذهان منذ إنشائه عام 2002. وقد ضم المعتقل، في بعض مراحله، نحو (800) معتقل، جُمِعوا من قرابة (45) دولة، ونُقل كثير منهم خارج الأطر القانونية. ويكشف تقرير مركز الحقوق الدستورية الأمريكي (CCR) أن نحو (86%) من المعتقلين لم يُقبض عليهم في ساحات القتال، وإنما سُلِّموا مقابل مكافآت مالية بلغت، في بعض الحالات، خمسة آلاف دولار عن كل شخص يُشتبه في انتمائه إلى تنظيم القاعدة أو حركة طالبان.

كما طبقت القوات الأمريكية، ومعها بعض القوات المتحالفة وقوات الحكومة العراقية آنذاك، أساليب التعذيب نفسها في سجن أبي غريب، وأُرسل عدد من المعتقلين إلى دول أخرى فيما عُرف ببرامج «الترحيل السري»، ليتعرضوا هناك لألوان من التعذيب بعيدًا عن أي رقابة قضائية أو حقوقية. وقد مورست بحقهم أبشع صور التعذيب الجسدي والنفسي، والاعتداءات الجنسية. ووفقًا لتقارير منظمة العفو الدولية، ووثائق أمريكية رسمية، فإن نسبةً كبيرةً من المعتقلين، تراوحت بين (70%) و(90%)، كانوا أبرياء، أو لم تثبت إدانتهم، وأُلقي القبض عليهم بطريق الخطأ أو استنادًا إلى معلومات غير موثوقة.

وما تزال أصداء الانتهاكات الصادمة المرتبطة بقضية جيفري إبستين تتردد في أنحاء العالم، لما كشفت عنه من شبكة واسعة من الاستغلال والانتهاكات التي تورطت فيها شخصيات نافذة في مجالات السياسة والمال والأعمال. وفي فبراير 2026، أصدر خبراء مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بيانًا جاء فيه أن الجرائم الموثقة في »ملفات إبستين» «تتجاوز العتبة القانونية لتُصنف جرائم ضد الإنسانية». ومما يزيد الأمر بشاعةً تورط عدد من النخب السياسية والمالية والعلمية في تلك الانتهاكات، بما يعكس كيف يمكن للنفوذ والسلطة أن يتحولا إلى وسيلة للإفلات من المحاسبة، قبل أن تنكشف الحقائق تباعًا أمام الرأي العام.

الاحتلال الإسرائيلي:  غزة وفلسطين
وفيما يتعلق بجرائم الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين عامة، وفي غزة على وجه الخصوص، فإننا نثمِّن موقف محكمة العدل الدولية، التي طالبت باتخاذ تدابير احترازية لحماية المدنيين، ومنع الأعمال التي قد تندرج في إطار الإبادة الجماعية، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية. كما أصدرت رأيًا استشاريًا تاريخيًا يقضي بعدم قانونية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

لكن مجلس الأمن ظل عاجزًا أمام الاستخدام المتكرر للولايات المتحدة حق النقض (الفيتو)، الذي حال دون صدور قرارات تُلزم الاحتلال بوقف إطلاق النار، أو تُحمِّل إسرائيل المسؤولية عن مخالفة القانون الدولي.

وشهد العالم سابقةً بالغة الخطورة، تمثلت في تهديد أعضاء بارزين في الكونغرس الأمريكي، علنًا، بفرض عقوبات مالية، وحظر سفر قضاة المحكمة الجنائية الدولية، والمدعي العام، وأفراد عائلاتهم، إذا صدرت مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين.

كما لوَّحت قوى كبرى بقطع التمويل عن المحاكم والمنظمات الدولية التي تتبنى مواقف قانونية حازمة تجاه الاحتلال، وبفرض عقوبات على بعض مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، في محاولة للضغط عليها وفي محاولة للتأثير في استقلال القضاء الدولي.  

سوريا
وفي سوريا، تشير التقديرات إلى أن ما لا يقل عن ثلاثين ألف شخص قد أُعدموا، أو قضوا تحت التعذيب، أو ماتوا جوعًا داخل السجون، بين عامي 2011 و2018. ووفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد اختفى قسرًا ما لا يقل عن خمسةٍ وتسعين ألف شخص، بينهم آلاف الأطفال والنساء، في سجون نظام الأسد خلال الفترة من عام 2011 إلى عام 2022.

مصر
وفي مصر، جرى فضُّ اعتصامي رابعة العدوية والنهضة لمعارضي الانقلاب العسكري على مرأىً ومسمعٍ من العالم، ونُقلت وقائعه مباشرة عبر وسائل الإعلام. ومع ذلك، لم يُحاكم -حتى اليوم- مسؤول واحد عن تلك الأحداث.
وأعقب ذلك اعتقال عشرات الآلاف، تعرَّض كثير منهم لصنوفٍ متعددة من التعذيب وسوء المعاملة، فضلًا عن وقوع حالات وفاة داخل أماكن الاحتجاز.
وقد أشارت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، في ملاحظاتها الختامية بشأن مصر الصادرة عام 2017، إلى ما وصفته بممارسة التعذيب على نحوٍ منهجي، وأبدت قلقها من عدم تعاون السلطات تعاونًا كافيًا مع اللجنة في معالجة هذه الانتهاكات.
ويزيد الأمر بشاعةً الإهمال الطبي المتعمَّد داخل أماكن الاحتجاز، الذي أودى –بحسب تقارير حقوقية مستقلة– بحياة نحو (1300) معتقل سياسي.
وتؤكد هذه النماذج، على اختلاف أماكنها وظروفها، أن جريمة التعذيب ليست مرتبطة بدين، أو ثقافة، أو نظام سياسي بعينه، وإنما هي ثمرة مباشرة لغياب العدالة، وضعف المساءلة، وازدواجية المعايير، حين يصبح القوي فوق القانون، ويُترك الضعيف دون حماية أو إنصاف.

آثار التعذيب على الإنسان والمجتمع:
ولا يقتصر أثر التعذيب على الجسد الذي تُنهك أعضاؤه أو تُكسر عظامه، بل يمتد إلى النفس والعقل والأسرة والمجتمع. فالضحية قد تحمل آثار التعذيب سنواتٍ طويلة، وتظل أسيرة الذكريات المؤلمة، وتعاني آثارًا نفسيةً وجسديةً قد لا تزول مع مرور الزمن. كما أن المجتمعات التي ينتشر فيها التعذيب تدفع ثمنًا باهظًا يتمثل في انهيار الثقة بين المواطن والدولة، وتفكك الروابط الاجتماعية، وانتشار الخوف والصمت والإحباط، وسيادة ثقافة الإفلات من العقاب.

ولا يقف ضرر التعذيب عند حدود الضحية وحدها، بل يمتد أثره إلى أسرته وأبنائه، وإلى المجتمع بأسره، فيورث الأحقاد، ويقوض الثقة في مؤسسات الدولة، ويغذي دوائر العنف والانتقام، ويحول دون بناء مجتمع يقوم على العدل وسيادة القانون.

مسؤولية الجميع في مواجهة التعذيب
إن مقاومة التعذيب ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل هي واجب أخلاقي وإنساني تتشارك فيه مؤسسات المجتمع المدني، والهيئات الحقوقية، ووسائل الإعلام، والمفكرون، ورجال القانون، والعلماء، وكل صاحب ضمير حي. فالصمت على التعذيب يطيل أمده، والتغاضي عنه يوسع نطاقه، أما كشفه، وتوثيق جرائمه، ومحاسبة مرتكبيه، ومساندة ضحاياه، فتمثل جميعها خطوات ضرورية نحو بناء مجتمع أكثر عدلًا وإنسانية.

كما أن مسؤولية العلماء والدعاة لا تقل أهمية عن مسؤولية الحقوقيين؛ إذ يقع على عاتقهم ترسيخ حرمة الدماء، وصيانة الأعراض، وحفظ الكرامة الإنسانية، وغرس قيم الرحمة والعدل في النفوس، وبيان أن الظلم والتعذيب من أعظم الجرائم التي توعد الله أصحابها بالعقاب في الدنيا والآخرة.

طريق الخلاص
ونرى أن حجر الزاوية في مواجهة هذا العار الإنساني يبدأ بإحياء الضمائر، وتربية النفوس على قيم الدين الحق، واستحضار مراقبة الله تعالى، الذي يقوم على كل نفس بما كسبت، فلا يظلم عنده أحد، ولا تضيع لديه مظلمة. فإذا امتلأت القلوب بخشية الله، كانت تلك الخشية باعثًا على الرحمة بالخلق، وكفَّ الأذى عنهم، وصيانة كرامتهم، وإقامة العدل بينهم.

وإذا كانت الأمم تُقاس بمدى احترامها لكرامة الإنسان، فإن التعذيب يظل شاهدًا على سقوط القيم حين تنفصل القوة عن العدل، والسياسة عن الأخلاق، والقانون عن الضمير. وسيبقى واجب الأحرار في كل مكان أن يقفوا إلى جانب المظلوم، وأن يرفضوا التعذيب، أيًّا كان مرتكبه، وأيًّا كانت هوية ضحيته؛ لأن كرامة الإنسان لا تتجزأ، والعدل لا يعرف ازدواجية المعايير.

إن رسالة الإسلام لم تأتِ لتصون جسد الإنسان فحسب، بل جاءت لتصون إنسانيته، وكرامته، وحريته، وتجعل الرحمة أساس العلاقة بين الناس، والعدل ميزان الحكم بينهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

وهكذا يلتقي هدي الإسلام مع الضمير الإنساني السليم في رفض التعذيب وتجريم كل اعتداء على كرامة الإنسان، أيًّا كان دينه أو جنسه أو لونه. 

فنسأل الله أن يرفع الظلم عن المظلومين، وأن يفكَّ أسر المعتقلين، وأن يشفي الجرحى، ويرحم الشهداء، وأن يرزق الإنسانية رشدها، حتى يسود العدل، وتُصان الكرامة، ويُرفع عن الإنسان كل لونٍ من ألوان الظلم والتعذيب.

الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الجمعة 11 محرم 1448هـ؛ الموافق 26 يونيو 2026م