﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ في ذكرى المولد النبوي الشريف
تَمُرُّ بنا في شهر ربيع الأول الذكرى العطرة لمولد رسول الله ﷺ، والمسلمون أحوج ما يكونون إلى العودة إلى هديه، واستحضار رسالته التي أخرج الله بها الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
لقد جاء الإسلام برسالة نبيِّه ﷺ ليحرِّر الإنسان من كل ألوان العبودية لغير الله؛ من عبودية الوثن، والهوى، والطغيان، ومن عبودية الإنسان للإنسان، وليقيمه عزيزًا بعبوديته لله وحده.
قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤].
فقد جاء رسول الله ﷺ إلى عالم امتلأت جوانب كثيرة منه بالشرك والظلم والاستبداد والتمييز بين الناس، فأشرقت برسالته أنوار التوحيد والهداية والعدل والرحمة.
وصدق شوقي حين قال:
أَتَيْتَ وَالنَّاسُ فَوْضَى لَا تَمُرُّ بِهِمْ ⸫ إِلَّا عَلَى صَنَمٍ قَدْ هَامَ فِي صَنَمِ
وَالْأَرْضُ مَمْلُوءَةٌ جَوْرًا مُسَخَّرَةٌ ⸫ لِكُلِّ طَاغِيَةٍ فِي الْخَلْقِ مُحْتَكِمِ
وهكذا جاء النبي ﷺ رحمةً بالناس، حريصًا على هدايتهم، مشفقًا عليهم، كما وصفه ربُّه سبحانه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
هَدْيٌ يَصْنَعُ الْحَيَاةَ
لم يكن هدي النبي ﷺ مواعظ تُقال فحسب، وإنما كان منهجًا يصوغ الإنسان والأسرة والمجتمع، ويقيم الحياة على الإيمان والعدل والرحمة والأمانة.
مرَّ ﷺ على طعام في السوق أخفى صاحبه عيبه، فقال ﷺ»:مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي«(رواه مسلم)، ليعلِّمنا أن الأمانة أساس المعاملات، وأن صلاح المجتمع يبدأ من استقامة الضمير في أبسط صور الحياة اليومية.
ولما حاول بعض الناس الشفاعة في المرأة المخزومية التي سرقت، قال ﷺ: »وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا« (متفق عليه)، ليؤكد أن العدل لا يفرِّق بين قوي وضعيف، ولا غني وفقير.
ومن هديه ﷺ في الدعوة والتربية الرفق بالناس، ومراعاة أحوالهم، وتعليم المخطئ بالحكمة بعيدًا عن التعنيف والتنفير؛ فالمقصود من التربية هداية الإنسان وإصلاحه، لا مجرد إظهار خطئه. وقال ﷺ:»يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا «(متفق عليه).
وكان ﷺ يراعي الحقوق حتى مع الصغار؛ فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أُتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام»: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟« فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، فتلَّه رسول الله ﷺ في يده. (متفق عليه). وفي هذا تأكيد لاحترام الحق ولو كان صاحبه صغيرًا.
وفي بناء المجتمع أقام ﷺ الشورى، وأصغى إلى آراء أصحابه، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وجمع هديه بين الرحمة والعزة، وبين العفو وحفظ الحقوق، وبين الصلح عند المصلحة والثبات على الحق؛ فكان منهجه منهجًا متكاملًا.
ولهذا وجَّهنا القرآن إلى التأسي برسول الله ﷺ، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
هِدَايَةٌ لِلْعَالَمِينَ
وقد عبَّر الإمام حسن البنا رحمه الله عن عالمية هذه الرسالة، وعن حاجة البشرية إليها، بقوله: »إِنَّ العَالَمَ كُلَّهُ حَائِرٌ يَضْطَرِبُ، وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنَ النُّظُمِ قَدْ عَجَزَ عَنْ عِلَاجِهِ، وَلَا دَوَاءَ لَهُ إِلَّا الإِسْلَامُ، فَتَقَدَّمُوا بِاسْمِ اللهِ لِإِنْقَاذِهِ، فَالجَمِيعُ فِي انْتِظَارِ المُنْقِذِ، وَلَنْ يَكُونَ المُنْقِذُ إِلَّا رِسَالَةَ الإِسْلَامِ الَّتِي تَحْمِلُونَ مِشْعَلَهَا وَتُبَشِّرُونَ بِهَا «(رسالة إلى الشباب).
فالإسلام ليس رسالةً خاصةً بالمسلمين وحدهم، وإنما هو هداية ورحمة للإنسانية، ومنهج يسعى إلى إقامة العدل والتوازن وصيانة الكرامة الإنسانية. ومن هنا فإنَّ حمل رسالة الإسلام لا يعني الانكفاء على الذات أو الدفاع عن هوية خاصة فحسب، وإنما يعني القيام بواجب التعريف بهذه الرحمة، وتجسيدها في الأخلاق والعدل والإصلاح وخدمة الإنسان.
مَا أَحْوَجَنَا الْيَوْمَ إِلَى سِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ
وتأتي هذه الذكرى وأمتنا الإسلامية تمرُّ بمرحلة قاسية من الاستضعاف؛ بين تجبُّر عالمي تفرض فيه موازين القوة والمصلحة نفسها على حساب العدل والحق، واستبداد داخلي يضيِّق على الشعوب، ويصادر حرياتها، ويستنزف طاقاتها، ويحول بينها وبين القيام بدورها في الإصلاح والنهوض.
وتتجلى آثار هذه الأزمة في صور مؤلمة؛ في معتقلين غُيِّبوا خلف السجون، ومغرَّبين أُبعدوا عن أوطانهم، ومصلحين ودعاة ومفكرين أُقْصُوا عن مجتمعاتهم بالسجن أو النفي أو التهديد، أو انسحب بعضهم تحت وطأة الضغوط والمخاطر. ومع غياب كثير من هذه الطاقات الإصلاحية، اتسع المجال للفساد والانحراف، وضعفت منظومة القيم، وتراجعت معاني الصدق والحياء والأمانة والمسؤولية، وأصبحت المجتمعات أكثر عرضة لتيارات التفكك وما يصادم قيم الإسلام ويضعف تماسكها.
ومع ذلك، فإن الاستضعاف ليس قدرًا محتومًا، ولا المحنة نهاية الطريق؛ فقد مرت الدعوة في عهد النبي ﷺ بمراحل من الاضطهاد والحصار والهجرة، ثم أعقب الله ذلك تمكينًا ونصرًا. ومن هنا نستمد من السيرة فقه الصبر والثبات، وحسن الإعداد، والمحافظة على الإيمان والقيم، وعدم اليأس من الإصلاح مهما اشتدت المحن.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].
وقال سبحانه:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥].
بَشَائِرُ الْأَمَلِ
ومن بشائر الأمل أن شعوب أمتنا، على ما أصابها من محن، ما زال فيها إيمان حي، ورفض للظلم، وتطلع إلى الحرية والعدل والكرامة.
ومنها ما نراه من صمود أهل فلسطين وفي القلب منهم أهل غزة، وتمسكهم بأرضهم وحقوقهم رغم ما نزل بهم من قتل وتهجير ودمار، وما أثارته معاناتهم في ضمائر الملايين في أنحاء العالم.
ولا تقتصر بشائر الأمل على داخل أمتنا؛ فالأزمات الأخلاقية التي تعانيها الحضارة المادية المعاصرة تعيد طرح أسئلة كبرى عن الأسرة والفطرة والسكينة والغاية من الحياة، ويملك الإسلام لها جوابًا متوازنًا يجمع بين الروح والجسد، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الفرد والمجتمع.
لكن أعظم البشارات وعد الله لعباده المؤمنين:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].
ووعد الله مرتبط بالإيمان والعمل والإصلاح، لا بالأماني المجردة.
وَاجِبُنَا فِي ذِكْرَى الْمَوْلِدِ
إنَّ الاحتفاء الحقيقي برسول الله ﷺ أن يتحول حبُّه إلى اتباع، وذكرُه إلى عمل، وسيرته ﷺ إلى منهج حياة.
قال تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
وأول ما نحتاج إليه أن نتأسى به ﷺ في أخلاقنا؛ فقد قال: » إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا «(رواه الترمذي).
فنربي أبناءنا على الإيمان والصدق والعدل والعفة والحياء والرحمة، ونربطهم بسيرة نبيهم ﷺ وبسيرة الصحابة والصحابيات؛ حتى يجدوا فيها القدوة والنموذج.
وتبقى الأسرة الحصن الأول للأخلاق والإيمان، وعلى الآباء والأمهات أن يجعلوا بيوتهم بيئة للحب والحوار والفهم والتوجيه والقدوة.
كما نحتاج إلى جمع الكلمة والتعاون على الخير، امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]؛ فلا تنهض الأمة بالتنازع وتبادل الاتهامات، وإنما بالتعاون، واحترام آداب الاختلاف، وجمع الكلمة على الحق والخير.
وتبقى نصرة المظلوم، ورفض العدوان، والوقوف مع الحق من ثوابت أخلاقنا، قال تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
وهكذا تكون ذكرى المولد النبوي انطلاقةً متجددة لإصلاح أنفسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا، وتجديد صلتنا بهدي النبي ﷺ، واستحضار رحمته وعدله وحكمته في واقع حياتنا.
وقد عبَّر الإمام حسن البنا رحمه الله عن بدء الإصلاح من الإنسان بقوله:»كَوِّنُوا أَنْفُسَكُمْ تَتَكَوَّنْ بِكُمْ أُمَّتُكُمْ«.
فلتكن هذه الذكرى تجديدًا للعهد مع هديه ﷺ، واستنهاضًا للنفوس إلى الاقتداء به، والعمل برسالته، وحمل دينه، ورفع لوائه، وتبليغه للعالمين.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديه إلى يوم الدين.
الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الثلاثاء 12 ربيع الأول 1448هـ؛ الموافق 25 أغسطس 2026م