مختارات باب الترجمة في مجلة الدعوة.. فهم جيل زد قبل وصول جيل ألفا
نشر موقع «Eurasia Review» يوم الأحد 2 أغسطس 2026 مقالًا بعنوان «فهم جيل زد قبل وصول جيل ألفا»، للكاتب الدكتور سمير كومار.
وتتمثل الفكرة الأساسية للمقال في أن الانتقال من جيل زد، الذي أعاد تشكيل الاحتجاج السياسي وريادة الأعمال عبر الشبكات الرقمية، إلى جيل ألفا الناشئ في بيئة الذكاء الاصطناعي، سيفرض تحولات عميقة على التعليم والعمل والمؤسسات العامة، ويستدعي إعادة النظر في افتراضاتها وأدواتها.
تتجه أنظار العالم نحو ظاهرة تُعرف باسم «احتجاجات جيل زد»: ففي بنغلاديش أطاحت الحركة الطلابية بالحكومة التي حكمت البلاد طويلًا؛ وفي كينيا اندلعت مظاهرات مناهضة للضرائب؛ وفي نيبال خرج الشباب إلى الشوارع؛ وفي الهند أدت الاحتجاجات الطلابية الأخيرة، بسبب تسريب أسئلة الامتحانات، إلى استقالة وزير التعليم.
ويبرز قاسم مشترك؛ إذ يُنظر إلى هذا الجيل على أنه مهووس بالهواتف الذكية، ومدمن على وسائل التواصل الاجتماعي، وغير مبالٍ اجتماعيًّا، لكنه يتمتع بقدرات مدهشة على التنظيم والتعبئة، ويشكك في السلطة السياسية. ولا يمكن تجاهل هذه المفارقة؛ فالتكنولوجيا التي يحمّلها الآباء والمعلمون والسياسيون مسؤولية «إفساد الشباب» أصبحت اليوم وسيلة لاستعادة مشاركتهم السياسية.
يمثل الانتقال من جيل زد إلى جيل ألفا أكثر من مجرد تحول بين جيلين؛ فهو انتقال عميق من عالم تهيمن عليه شبكة الإنترنت إلى عالم يتمحور حول الذكاء الاصطناعي. ويمكن لهذا التغيير أن يعيد تشكيل طرائق تعلّم المجتمع وعمله وابتكاره وحوكمته، بل أن يؤثر في الذكاء البشري ذاته.
لا يقتصر تميّز جيل زد على تعرضه للتكنولوجيا منذ الصغر؛ فهو أول جيل ينظر إلى التكنولوجيا الرقمية بوصفها امتدادًا للحياة. أما أبناء جيل الألفية فقد شهدوا ميلاد الإنترنت وظهور الاتصال الهاتفي بها، ثم واكبوا تطبيقات الدردشة وشبكات التواصل الاجتماعي.
ومن المهم أخذ هذا التمييز في الحسبان. فقد وصف عالم الاجتماع مانويل كاستلز المجتمع المعاصر بأنه «مجتمع الشبكات»؛ لأن القوة باتت تتدفق عبر شبكات المعلومات أكثر من تدفقها عبر المؤسسات.
وبعد أكثر من عشرين عامًا، أصبح جيل زد أول جيل ينشأ في عالم تتدفق فيه القوة أساسًا عبر شبكات المعلومات. ولم تعد التعبئة الجماعية لتحقيق أهداف سياسية تعتمد على الأحزاب أو النقابات العمالية أو منظمات المجتمع المدني؛ بل تستمد قوتها من شبكات رقمية مترابطة، يمكن أن تتسع من عدد محدود من الأفراد إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات.
وقد أطلق عالما السياسة دبليو لانس بينيت وألكسندرا سيغِربيرغ على هذا النمط اسم «العمل الترابطي». وبالمقارنة مع «العمل الجماعي»، يعتمد العمل الترابطي بدرجة أقل على المنظمات، ويتفاعل فيه الأفراد عبر وسائل إعلام ذات طابع شخصي؛ فالمشاركة الفردية فيه أهم من العضوية التنظيمية. وقد أظهر الناشطون الشباب في دول عديدة هذا النمط بوضوح.
ما بدأ في بنغلاديش احتجاجًا على نظام الحصص في الوظائف الحكومية تحوّل إلى مطلب وطني بمحاسبة الحكومة. وظهرت الاحتجاجات المناهضة لزيادة الضرائب في كينيا من دون قيادة تقليدية. ونظّم الناشطون الشباب في نيبال تحركاتهم حول الحوكمة والإصلاح المؤسسي، فيما حشد الطلاب في الهند عبر الإنترنت احتجاجًا على اختبارات غير عادلة وسوق عمل متردية.
القضايا مختلفة، لكن أشكال التنظيم متشابهة. تنتشر الأخبار بوتيرة أسرع من استجابة المؤسسات الحكومية. وقد اعتادت الحكومات التعامل مع قائد يتحدث باسم المجموعة، لكنها تواجه الآن جماعات لا مركزية بلا قائد واضح. ولا ينتهي الاحتجاج بمجرد اعتقال عدد من المنظمين؛ لأن القيادة موزعة عبر الشبكات الرقمية.
ومع ذلك، فإن اختزال أثر جيل زد في الاحتجاجات وحدها يُغفل جانبًا كبيرًا من قصته.
فجيل زد يغيّر، بالقوة نفسها، طبيعة ريادة الأعمال. كان رواد الأعمال في الأجيال السابقة فئة مميزة، وكان المسار المهني المتوقع يبدأ بالحصول على شهادة جامعية، ثم الالتحاق بوظيفة والترقي فيها، وصولًا إلى التقاعد بعد عقود في الشركة نفسها أو مجال العمل ذاته.
أصبح هذا المسار أقل شيوعًا اليوم.
وبات في إمكان طالب جامعي إطلاق مشروع يصل إلى العالم كله. فبفضل الهاتف الذكي والحاسوب المحمول والحوسبة السحابية وأنظمة الدفع والذكاء الاصطناعي، يمتلك رائد الأعمال الشاب أدوات كان توفيرها يحتاج، قبل عشرين عامًا، إلى ملايين الدولارات. كما تتيح الأسواق الإلكترونية ومنصات المحتوى والتجارة الرقمية دخول الأسواق بسهولة أكبر.
وانتشرت «ثقافة ريادة الأعمال»، التي ارتبطت سابقًا بوادي السيليكون، في أنحاء العالم. ويتنافس رواد الأعمال الشباب في كوالالمبور ونيروبي ودكا وجاكرتا وبنغالور داخل السوق الرقمية نفسها.
ولا يرغب كثير من أبناء جيل زد بالضرورة في العمل المكتبي؛ بل يطمحون إلى أن يكونوا صنّاع محتوى رقميين، أو مؤسسين، أو مستقلين، أو رواد أعمال. وقد رأى شومبيتر أن رواد الأعمال يدفعون الاقتصاد من خلال «التدمير الخلّاق»، ويبدو أن جيل زد يوسّع نطاق هذه العملية؛ فلم يعد الابتكار حكرًا على الشركات الكبرى ومراكز التكنولوجيا النخبوية، وصار الأفراد ينتجونه بمساعدة المنصات الرقمية.
ويُسرّع الذكاء الاصطناعي هذا الاتجاه.
يستطيع رواد الأعمال اليوم استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم الشعارات، وكتابة المحتوى التسويقي، وإنشاء المواقع الإلكترونية، وإجراء تحليلات السوق، بل تقديم الدعم الفني للعملاء بأنفسهم. فنحن نعيش في زمن يستطيع فيه شخص واحد، مستعينًا ببرنامج ذكي، إنجاز مهام كانت تتطلب في السابق فريقًا كاملًا.
ولعل أكثر جوانب جيل زد إثارة للدهشة جانب لم يحظَ باهتمام كافٍ حتى الآن. فعلى خلاف الصور النمطية الشائعة، يُظهر هذا الجيل وعيًا صحيًّا أكبر؛ إذ انخفضت معدلات التدخين بين المراهقين في بلدان عديدة، وأصبح الحديث عن القلق والصحة النفسية أكثر انفتاحًا مما كان عليه لدى الأجيال السابقة، كما تراجع الخوف من تلقي العلاج بدرجة كبيرة، في تحول ثقافي مهم.
وتحوّل رمز تمرد الشباب من السجائر والكحول إلى سباقات الماراثون ورفع الأثقال والتأمل والتغذية الصحية. غير أن لهذا التطور حدودًا؛ فقد ازداد استهلاك السجائر الإلكترونية في بعض البلدان، بالتزامن مع انخفاض استهلاك السجائر التقليدية. ومع تزايد الاهتمام بالصحة النفسية، ارتفعت أيضًا معدلات القلق والشعور بالوحدة.
وفي حين توفر الشبكات الرقمية المفتوحة وصولًا غير مسبوق إلى المعلومات، فإنها تؤدي أيضًا إلى فيضان معلوماتي وتجزئة تصنعها الخوارزميات. ولذلك يعيش جيل زد تناقضات عدة: يبدو أكثر الأجيال اهتمامًا بالصحة، لكنه كذلك أشدها قلقًا؛ ويُفترض أنه الأكثر اتصالًا، لكنه كثيرًا ما يشعر بالوحدة؛ وهو متمرس في استخدام التكنولوجيا، لكنه أكثر قلقًا بشأن مستقبلها.
وقد تبدو هذه التناقضات أكثر إثارة عند النظر إلى التغييرات التي سيشهدها الجيل التالي، أي جيل ألفا. فإذا كان أبناء جيل زد «مواطنين رقميين»، فإن أبناء جيل ألفا هم «مواطنو الذكاء الاصطناعي».
والفرق جوهري؛ فقد تعلّم جيل زد استخدام «غوغل» للبحث، بينما تعلّم جيل ألفا استخدام أدوات مثل «تشات جي بي تي» لطرح الأسئلة. يتصفح جيل زد المواقع الإلكترونية، في حين يتفاعل جيل ألفا مع العالم عبر الحديث إلى الأنظمة الذكية. وقد تكيّف جيل زد مع الهواتف الذكية، بينما يعدّها جيل ألفا جزءًا من البنية التحتية اليومية، مثل الكهرباء والشبكات اللاسلكية. وقد غيّر ذلك جذريًّا طريقة تقديم التعليم.
ركز التعليم في البداية على حفظ المعلومات وتنظيمها بسبب ندرتها. وفي عصر الإنترنت، ازداد الاهتمام بكيفية العثور سريعًا على المعلومات المطلوبة. أما عصر الذكاء الاصطناعي فيتطلب نهجًا مختلفًا؛ فمع إتاحة المعرفة فورًا عبر المساعدات الصوتية، تزداد قيمة القدرات البشرية المتعلقة بطرح الأسئلة الجيدة، وفحص الأدلة نقديًّا، وإصدار الأحكام السليمة، والإبداع.
ويتغير دور المعلم أيضًا من مجرد ناقل للمعرفة إلى مرشد يساعد على توليد الأفكار وتوجيهها. ويشمل هذا التحول الاهتمام بالأخلاق والتفكير في التفكير، وهو تطور يتجاوز عملية التدريس نفسها. في المقابل، ما تزال معظم المؤسسات العامة قائمة على افتراضات العصر الصناعي وبدايات عصر المعلومات.
يُصنّف النظام التعليمي الطلاب بحسب أعمارهم، لا بحسب ما يعرفه كل طفل أو ما هو مستعد لتعلمه؛ لأن ذلك كان السبيل العملي الوحيد لإدارة التعليم الجماعي قبل أن تتمكن البرمجيات من تتبع ملايين المسارات الفردية. ويمكن للقانون تحديد صور معينة من علاقات العمل، تقوم على صاحب عمل واحد وساعات ثابتة ومكان محدد، لكنها تصنيفات تعجز عن وصف مراهق يدير ثلاثة مصادر للدخل من حاسوب محمول واحد. كما يستطيع النظام الضريبي التمييز بين الشركة ومكان العمل، في حين ينظر إليهما عدد متزايد من الشباب بوصفهما شيئًا واحدًا.
وتفترض المؤسسة السياسية أن نسبة كبيرة من السكان ستتفاعل مع المعلومات التي تقدمها الصحف والتلفزيون والأحزاب السياسية، وهو افتراض دحضته تجارب بنغلاديش وكينيا ونيبال والهند بهدوء خلال العامين الماضيين. ولم تُبنَ هذه الأنظمة بسوء نية، لكنها صُممت لعالم لم يعد قائمًا؛ ومن الفجوة بين العالمين ستنشأ كثير من الاحتكاكات المقبلة.
ومع دخول جيل ألفا سوق العمل، لن يصبح التعاون مع الذكاء الاصطناعي مجرد مهارة تُضاف إلى الوصف الوظيفي؛ بل سيكون أقرب إلى معرفة القراءة والكتابة، أي قدرة أساسية مفترضة قبل بدء العمل. وستغدو ريادة الأعمال خيارًا شائعًا بين الشباب، لا لأن الجميع يرغبون في إدارة شركات، ولكن لأن الأدوات التي كانت تتطلب فريقًا أصبحت تحتاج إلى شخص واحد واشتراك في خدمة رقمية. وقد تكتسب الهوية الرقمية نفسها قيمة اقتصادية فعلية؛ بما تشمله من سمعة مبنية عبر منصات متعددة، وقاعدة متابعين، وسجل أعمال متاح للعلن، فتؤدي وظيفة أقرب إلى أصل يحمله الشاب معه من فرصة إلى أخرى، بدلًا من أن تكون مجرد سيرة ذاتية.
المصدر: Understanding Gen Z, Before Gen Alpha Arrives – Eurasia Review