إلى الأحرار خلف الأسوار: لستم وحدكم في مواجهة الظلم!
د. وصفي عاشور أبو زيد
الحمد لله الذي حرَّم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرَّمًا، وأمر بالعدل والإحسان، وجعل نصرة المظلوم من مقتضيات الإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، الذي أقام ميزان الحق، وصان كرامة الإنسان، وحذَّر من الظلم وعواقبه في الدنيا والآخرة، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه في نصرة الحق وإغاثة الملهوفين؛ أما بعد:
إليكم يا كرام مصر.. وراء الأسوار
إليكم، أيها الأحرار القابعون خلف أسوار السجون المصرية؛ يا من غُيِّبت أجسادكم عن أهليكم وأحبتكم، ولم تغب قضيتكم عن الضمائر، ولا حقوقكم عن ميزان العدل؛ إليكم يا من طالت عليكم الليالي، وتعاقبت الأعوام، وأنتم تنتظرون صباحًا تعود فيه الحرية إلى أصحابها، والأبناء إلى آبائهم، والعلماء إلى محاريب العلم، والمصلحون إلى ميادين الإصلاح؛ نكتب إليكم لا لنواسيكم بكلمات تنتهي بانتهاء المقال، وإنما لنعلن موقفًا نعتقده دينًا نتقرب به إلى الله، وأمانةً في أعناقنا، وعهدًا لا تنقضه الأيام: نحن معكم، ولن نكون عونًا على نسيانكم، ولن نصمت عن المطالبة بحقوقكم، ولن نعتاد الظلم حتى يصبح أمرًا مألوفًا!
وراء تلك الجدران رجال من خيرة أبناء مصر، علماء ودعاة ومفكرون وأساتذة جامعات، وأطباء ومهندسون واقتصاديون، ورجال سياسة وإدارة وإغاثة وعمل اجتماعي ورياضي، ومنهم وزراء سابقون وشخصيات تولت مسؤوليات برلمانية رفيعة؛ رجال كانوا عقولًا منتجة، وخبرات نافعة، وطاقات كان أولى بالوطن أن ينتفع بها بدلًا من تغييبها؛ وما أشد خسارة الأوطان حين تُعطَّل كفاءات أبنائها وتُستنزف أعمارهم خلف الأسوار؛ غير أن حرمة الظلم لا تستمد قوتها من مكانة المظلوم، وإنما من كرامته الإنسانية؛ فالمجهول الذي لا يعرف الناس اسمه له من الحق في الحرية والإنصاف ما لأشهر العلماء وأعظم المسؤولين.
نصرتكم دين ندين الله به
أيها الإخوة الكرام، إن وقوفنا معكم ليس انحيازًا تمليه رابطة سياسية، وإنما مقتضى دين علَّمنا أن العدل لا يتجزأ، وأن الظلم لا يصبح مباحًا إذا وقع على مخالف؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]؛ فإذا كان العدل واجبًا مع من نبغض، فكيف يسوغ التفريط فيه مع أبناء وطننا وإخواننا؟
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، فلما سُئل عن نصرة الظالم قال: «تحجزه، أو تمنعه، من الظلم، فإن ذلك نصره" [رواه البخاري]؛ فهذا ميزان يجعل نصرة المظلوم واجبًا، وكفَّ الظالم عن ظلمه نصرةً له، ويمنع أن تتحول السلطة إلى حصانة من المحاسبة؛ ولذلك فإننا لا نخاصم وطنًا نحبه، وإنما نخاصم الظلم أيًّا كان فاعله، ونطالب بالعدل أيًّا كان صاحبه؛ ومن حبنا لمصر أن نريدها وطنًا لا تُهدر فيه كرامة، ولا تضيع فيه حقوق.
وفي الحديث القدسي: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا" [رواه مسلم]؛ فأي خذلان أشد من أن يرى الإنسان أخاه يُسلب حقه، ثم يلتمس الأعذار حتى يستريح ضميره من واجب النصرة؟!
إضرابكم صرخة ينبغي أن تسمعها الضمائر
لقد تابعنا أخبار الحراك الاحتجاجي والإضرابات عن الطعام في السجون المصرية، اعتراضًا على أوضاع الاحتجاز، وطول مدد الحبس، وما يرويه المحتجزون من انتهاكات وحرمان من الحقوق؛ وهي مطالب وشكاوى تستوجب التحقيق المستقل والاستجابة العاجلة؛ فإن اضطرار إنسان إلى تعريض صحته للخطر كي يُسمع صوته ينبغي أن يهز الضمائر قبل أن تقع كارثة لا يمكن تداركها.
ونحن إذ نتفهم دوافع احتجاجكم ونؤيد حقكم في المطالبة بالإنصاف، نؤكد أن حياتكم غالية، وأن حفظ النفس مقصد عظيم من مقاصد الشريعة؛ فلا نريد أن يتحول طلب الحرية إلى فقد الحياة، وإنما نريد معالجة عادلة تحفظ الأرواح والحقوق، وتضمن الرعاية الطبية والمعاملة الإنسانية؛ فالواجب رفع أسباب المعاناة، لا معاقبة من يشكو منها.
وما أشد الألم حين تعيش أسر لا تعرف مصير أبنائها المختفين قسريًّا، أو يُترك محتجزون سنوات دون حسم قضائي منصف، أو يستمر حبس من استنفدوا المدد القانونية؛ فهذه المظالم، حيثما ثبتت، لا يجوز تبريرها بدعوى الأمن والاستقرار؛ إذ الأمن الحقيقي يقوم على العدل، والاستقرار الذي تصونه الحقوق أرسخ من استقرار تصنعه المخاوف.
إلى أصحاب القرار.. اتقوا دعوة المظلوم
نقول لكل من يملك قرارًا يستطيع به رفع ظلم عن هؤلاء المحتجزين: اتقوا الله في آباء أنهكهم الانتظار، وأمهات أضناهن البكاء، وزوجات تحملن أعباء الحياة، وأطفال يكبرون في غياب آبائهم؛ وتذكروا أن المناصب تزول، وأن المسؤولية باقية، وأن التاريخ يسجل، وأن الله لا تخفى عليه خافية؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» [متفق عليه].
إن إطلاق سراح من لا مسوغ قانونيًّا لحبسهم، وكشف مصير المختفين، وضمان المحاكمة العادلة لمن وُجهت إليهم اتهامات، ورد الحقوق إلى أصحابها، واجبات تحفظ للناس كرامتهم وللدولة احترامها؛ وإننا نريد لمصر أن تكون وطنًا يتسع لجميع أبنائه، تُصان فيه الحريات، وتُحل فيه الخلافات بالعدل والقانون والحوار، ويتحقق فيه القصاص العادل من القتلة الذين تثبت جرائمهم، ومحاسبة المسؤولين عن الدماء التي أُريقت بغير حق، وعن التعذيب والاختفاء القسري وسائر الانتهاكات الجسيمة، أمام قضاء مستقل؛ فلا إفلات من العقاب، ولا انتقام خارج سلطان القضاء، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179].
نحن معكم.. عهد نصرة لا كلمات مواساة
أيها الأحبة، لسنا نزعم أننا نعيش آلامكم، أو نستطيع تعويض أبنائكم عن دفء حضوركم، لكننا نستطيع ألا نترك قضيتكم للنسيان، وألا نجعل تتابع الأخبار يميت فينا الشعور بالمسؤولية؛ فإن أخطر ما يصيب الضمير أن يألف المأساة حتى يفقد القدرة على التأثر بها.
نحن معكم بالكلمة التي ترفض الظلم، وبالدعاء الذي لا ينقطع، وبالموقف الذي يطالب بحقوقكم، وبكل جهد مشروع يسعى إلى إنصافكم؛ ومع أهليكم الذين يحملون أعباء الغياب، ومع أطفالكم الذين ينتظرون اللقاء، ومع كل مظلوم في سجون مصر، معروفًا كان أو مجهولًا، اتفقنا معه أو اختلفنا؛ فميزاننا الوفاء للحق والعدل وكرامة الإنسان، ولسنا مطالبين بأن نتفق مع كل مظلوم في آرائه حتى ننصره، وإنما بألا نرضى له ظلمًا لا نرضاه لأنفسنا.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه" [متفق عليه]؛ أي لا يتركه لمن يظلمه ولا يخذله عند حاجته إلى النصرة؛ فأي أخوة تبقى إذا استرحنا إلى صمتنا وتركنا المظلوم وحيدًا؟ إن الأخوة التي لا تظهر عند الشدائد تحتاج إلى مراجعة صدقها، والكلمة الصادقة في نصرة المظلوم أمانة يؤديها صاحبها بين يدي الله.
سيبقى الرجاء أعلى من الأسوار
أيها الأحبة، لا نملك تحديد موعد الفرج، لكننا نرجو أن يكون هذا الحراك بداية انفراج، وأن يوقظ الضمائر ويفتح أبواب الإنصاف؛ فالظلم مهما طال لا يكتسب شرعيته من طول بقائه، والحقوق لا تسقط بالنسيان؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]؛ فالتوكل على الله لا يعني الاستسلام للباطل، والصبر لا يعني الرضا بالعدوان، والرجاء في الفرج لا يلغي الأخذ بأسبابه.
فاحفظوا حياتكم وكرامتكم، ولا تيأسوا من رحمة الله؛ ونسأله سبحانه أن يربط على قلوبكم، ويشفي مرضاكم، ويرد المختفين إلى أهليهم، ويجمع شمل الأسر المكلومة، وينصف المقتولين ظلمًا وذويهم، ويفتح لمصر أبواب العدل والحرية والرحمة.
وإليكم، يا أحرار مصر خلف الأسوار، نجدد العهد: لن تكون المسافات حجابًا بيننا وبين واجب النصرة، ولن يكون طول الغياب مسوغًا للنسيان، ولن نرضى أن تصبح الزنازين قبورًا للأحياء؛ فأنتم لستم وحدكم، وحقوقكم ليست منسية، والعدل الذي نطالب به لكم هو العدل الذي نريده لمصر كلها؛ حتى يأتي يوم تُفتح فيه الأبواب، وتجتمع فيه الأسر، ويُنصف فيه المظلومون، ويُقتص فيه من القتلة الذين تثبت جرائمهم، وتلتئم فيه جراح وطن يستحق أن يعيش أبناؤه جميعًا أحرارًا كرامًا آمنين!