لماذا قد يكون الاتفاق الدفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا في الواقع شبكةً لتبادل المعلومات الاستخباراتية؟
يُنظر إلى الأزمة في الشرق الأوسط، التي دخلت الآن شهرها الثامن، على نطاق واسع باعتبارها صراعاً عالقاً بين "حرب ساخنة" و"حرب باردة". إذ تستمر المواجهات العسكرية المحدودة والمضبوطة في مناطق رمادية، وتحديداً في مضيق هرمز وما حوله -وهو ممر مائي بات محل نزاع حالياً-، في حين فتح التصعيد الأخير بين جماعة الحوثي (المعروفة أيضاً باسم "أنصار الله") في اليمن والمملكة العربية السعودية جبهةً جديدةً في خضم الاضطرابات المستمرة بالمنطقة.
ومنذ فبراير، حين دفعت الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران منطقة الشرق الأوسط نحو حالة من الاضطراب الشامل، حرصت الرياض في المرحلة الأولى من الصراع على النأي بنفسها؛ بينما تبادلت الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إطلاق الصواريخ، وتحملت دول خليجية أخرى العبء الأكبر من رد طهران. واليوم، نجح الحوثيون في تعطيل المطار الدولي الرئيسي في الرياض باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، مما أدى إلى تأجيل مؤتمر "دافوس في الصحراء" -الحدث الأبرز في المملكة-، وجعل السعودية تبدو في موقفٍ ضعيفٍ وعاجزٍ عن الرد.
وهنا يأتي "اتفاق مكة" -وهو اتفاق أمني بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، وُقِّع في السابع من أغسطس من هذا العام-، حيث تشير صياغته إلى تحالفٍ يشبه حلف الناتو بين الدول الثلاث. ويُعد هذا الاتفاق -الذي جاء كنتيجة حتمية لانهيار النظام الأمني الأمريكي في المنطقة- خطوةً بدأت الرياض في التحضير لها منذ وقتٍ مبكر. فقد كان مسار التطبيع الدبلوماسي مع إيران عام 2023، برعاية صينية، يهدف في جوهره إلى إبعاد المملكة عن أي حرب قد تشنها الولايات المتحدة أو إسرائيل ضد إيران. ومع ذلك، كان هذا مسعىً بالغ الصعوبة؛ إذ تعرضت القواعد الأمريكية في السعودية أيضاً للاستهداف من قِبل إيران، رداً على الضربات الجوية الأمريكية وما تلاها من استهدافٍ لقياداتٍ مدنية وعسكرية في الجمهورية الإسلامية.
ولكن، ما هو "اتفاق مكة" حقاً، بعيداً عن بيانات الإعلان واللقاءات البروتوكولية؟ وكيف يعمل؟ وهل يُصنف كتحالفٍ بالمعنى الدقيق للكلمة، أم أنه مجرد ترتيبٍ لسد ثغراتٍ أمنية ملحة؟ لا توجد إجاباتٌ بسيطةٌ على هذه الأسئلة. لا يزال النص الكامل للاتفاقية طي الكتمان. وقد أدت الهجمات التي شنها الحوثيون ضد المملكة العربية السعودية إلى تفعيل "اتفاقية مكة" على الفور، بل قبل أن يتاح للبرلمان التركي فرصة التصديق عليها. وفي غضون ذلك، لم تضيع باكستان وقتاً طويلاً في اتخاذ خطوات عملية؛ إذ تم اختيار الفريق أول نعمان محمود، القائد السابق في الجيش الباكستاني، ليشغل منصب أول أمين عام لهذا التحالف.
لقد وضعت هجمات الحوثيين ضد المملكة العربية السعودية مدى عزم التحالف على المحك، وهو اختبارٌ يُقال إن التحالف قد أخفق فيه بالفعل؛ إذ لم تنضم باكستان ولا تركيا إلى الرياض في أي عمليات عسكرية معلنة ضد الحوثيين على الخطوط الأمامية. كما نفت إسلام أباد بشدة التقارير التي أشارت إلى وجود دور لباكستان في هذا الصدد. ومما تجدر الإشارة إليه أن التصور الذي ساد حول "تحالف مكة" -باعتباره كياناً مشابهاً لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بنسخة إسلامية، وفقاً لبعض الآراء- كان تصوراً مضللاً منذ البداية. ورغم أن جذور هذه الاتفاقية تعود إلى "اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك" الموقعة بين باكستان والمملكة العربية السعودية في سبتمبر 2025، إلا أن طبيعة عملها المستقبلي لا تزال محل نقاش.
وبدلاً من كونه كياناً يشبه حلف الناتو، يمكن النظر إلى "تحالف مكة" باعتباره هيكلاً قائماً على التعاون الاستخباراتي لا على البنية العسكرية التقليدية. وربما يكون هذا التحالف أقرب في جوهره إلى تحالف "العيون الخمس" (Five Eyes) -وهو تكتل استخباراتي راسخ يضم دولاً غربية، وهي: الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وأستراليا، وكندا، ونيوزيلندا- بدلاً من كونه نسخة من حلف الناتو. وقد تأسس تحالف "العيون الخمس" بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عام 1946، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ثم توسع ليضم أعضاءه الخمسة الحاليين في الفترة ما بين عامي 1948 و1956.
ولا يعود السبب وراء هذا الطرح إلى اعتبارات جيوسياسية أو أيديولوجية أو حتى دينية، بل إلى اعتبارات تكنولوجية. فالحروب التي شهدها العقد الماضي تختلف جوهرياً عن الحروب التي تُخاض اليوم. فمنذ هجمات 11 سبتمبر الإرهابية على الولايات المتحدة، وما تلاها من حقبة "الحرب على الإرهاب" التي أعادت تشكيل الهيكل الأمني العالمي -لا سيما من خلال الحروب في العراق وأفغانستان- تغيرت طبيعة خوض النزاعات تغيراً جذرياً. نجد أنفسنا اليوم في حقبة "نصف الحروب"، حيث تسود نزاعات عسكرية ممتدة في ظل غياب الحلول السياسية. ويتجلى هذا الواقع -الذي يحمل تداعيات خطيرة على استقرار النظام الجيوسياسي على المدى الطويل- في ساحات عدة، بدءاً من روسيا وأوكرانيا وصولاً إلى إيران ومنطقة الشرق الأوسط الأوسع. أما مسارات الخروج المتاحة فتبدو محدودة، وما يوجد منها يظل متعثراً بسبب غياب الإرادة السياسية اللازمة لتقديم تنازلات. وهذا أيضاً هو السبب وراء اقتصار دعم دول مثل تركيا للرياض -حتى الآن- على جوانب "الردع" و"الدفاع"، دون أن يمتد ليشمل الجوانب الهجومية.
بناءً على ما سبق، عادت الاستخبارات -لا سيما تلك القائمة على التكنولوجيا، مثل استخبارات الإشارات (SIGINT) والاستخبارات الإلكترونية (ELINT)، وهي مصطلحات شاعت خلال الحرب الباردة- إلى الواجهة من جديد. ففي عام 2026، تُعد المعلومات أداةً لا تحظى بالتقدير الكافي رغم أهميتها البالغة. ويُمثّل الصراع في أوكرانيا مختبراً نموذجياً للحرب في العصر الحديث؛ ففي بداياته عام 2022، اعتمدت روسيا على تكتيكات تقليدية، مستخدمةً المشاة والدبابات كأسلحة في الخطوط الأمامية. أما أوكرانيا، التي كانت في موقف دفاعي لكنها حظيت بتمويل جيد من داعميها الغربيين، فقد اضطرت إلى الارتجال؛ إذ لجأت إلى التكنولوجيا الحديثة -كالطائرات المسيرة- لتؤدي دوراً محورياً في الخطوط الأمامية ضمن ما يُعرف بـ "الحرب الهجينة". وفي المقابل، وجدت موسكو نفسها مضطرة للحاق بالركب، فاستعانت بطائرات مسيرة "بسيطة" (غير ذكية) من إيران -مثل طائرات "شاهد"- وعملت على تطويرها بتكنولوجيا محلية لمواجهة المكاسب الميدانية التي حققتها كييف.
وبعد مرور بضع سنوات، أصبحت تقنيات مثل "ستارلينك" (Starlink) -المملوكة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك- في قلب الصراع؛ فقد لعبت دوراً جوهرياً في كيفية تطوير أوكرانيا وتشغيل بنيتها التحتية الخاصة بالاستطلاع والاستخبارات والطائرات المسيرة. ووفقاً لبحث صادر عن "مركز الدراسات الأمنية" في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا (ETH Zurich)، كان هناك أكثر من 50 ألف محطة "ستارلينك" قيد الاستخدام في أوكرانيا بحلول عام 2025. وفي إيران أيضاً، استُخدمت تقنية "ستارلينك" كأداة تم تهريبها لدعم المعارضين -لا سيما أولئك الموجودين داخل أجهزة النظام- للعمل ضد السلطة الحاكمة. ومنذ ذلك الحين، صنّفت إيران "ستارلينك" كـ "أداة حرب"، وفرضت قيوداً صارمة على الاتصالات والوصول إلى الإنترنت لشعبها.
وفيما يتعلق بـ "اتفاق مكة"، قد لا يكون تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة ضد الحوثيين بالمفهوم التقليدي -كالغارات الجوية المشتركة أو الهجمات البرية المنسقة- هو النهج الأمثل. وبدلاً من ذلك، يبدو أن تبادل المعلومات الاستخباراتية، واستخبارات الإشارات (SIGINT)، والاستخبارات الإلكترونية (ELINT)، والتعاون في مجالي الأمن السيبراني وتكنولوجيا الدفاع، يمثل نموذجاً تشغيلياً أكثر فاعلية على المدى الطويل، رغم الضغوط التي يفرضها الصراع الراهن. ومع أن التكنولوجيا تحتل مركز الصدارة، إلا أن الأساليب التقليدية -مثل العمليات السرية وبناء القدرات باستخدام الأدوات الاستخباراتية- ستظل أيضاً مجالاً حيوياً للتعاون المشترك.
لم تعد الحروب التقليدية في وقتنا الراهن باهظة التكلفة فحسب، بل تبدو أيضاً حروباً يستحيل حسمها. فمن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان عام 2021 -وما تلاه من تمهيد الطريق لعودة حركة طالبان- وصولاً إلى الحرب التي تخوضها إسرائيل على "سبع جبهات" رداً على هجوم حركة حماس عام 2023؛ لم ينجح أي من هذه النزاعات في تحقيق نصر حاسم. وينطبق هذا أيضاً على المواجهة المستمرة منذ سنوات بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثي. ولعل "إدارة النزاعات" -بدلاً من السعي إلى حلها عبر إلحاق هزيمة ساحقة بأحد الطرفين- هي التي ستشكل النمط الاستراتيجي السائد في المستقبل. وفي هذا السياق، ستؤدي التكنولوجيا دوراً تكتيكياً حاسماً، بينما لا تزال السياسة والدبلوماسية تبحثان عن مسارهما الخاص على الصعيد الاستراتيجي.