الموقع الرسمي للإخوان المسلمون

مقالات وآراء

باب للفكر والرأى والنقاشات الحرة. ينشر الآراء منسوبة لأصحابها...

مصر والإخوان المسلمون: تكلفة الإقصاء وضرورة المصالحة

مصر والإخوان المسلمون: تكلفة الإقصاء وضرورة المصالحة

أد. كمال الجندي
أستاذ المناهج كلية التربية جامعة الإسكندرية

تشخيص الأزمة وكسر التابوهات.. لماذا لا ينهض الوطن بالإقصاء؟
يمر المجتمع المصري اليوم بمنعطف تاريخي دقيق، يتسم بحالة من الاحتقان العميق والانقسام العمودي الذي بات يستهلك طاقاته الوطنية ويهدد استقراره على المدى الطويل.
إن إلقاء نظرة فاحصة على المشهد الراهن يكشف بلا أدنى شك أن الأزمات المتداخلة التي تعاني منها مصر – اقتصاديًا واجتماعيًا وفكريًا – ليست سوى انعكاس طبيعي لتأزم بنية المجال العام وغياب التوافق الوطني الشامل.
وفي قلب هذه الأزمات يبرز السؤال الأعمق حول مصير مكوّن بشري وتنظيمي واسع النطاق تمثله جماعة الإخوان المسلمين.
إن استمرار سياسة «الصفر السياسي»، والاعتماد المطلق على المقاربة الأمنية البحتة، والاستئصال الشامل لكل مخالف في الرأي أو التنظيم، لا يحل أزمة هيكلية واحدة، بل يرحّلها ويضاعف أوزارها أضعافًا مضاعفة. وحين يُختزل الوطن في خندق الاستقطاب الحاد، ويُمنع ملايين المواطنين من حقهم الطبيعي في الحياة والمشاركة والوجود العلني، فإن المجتمع بأسره يفقد مناعته وحيويته.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة والضرورة الوطنية لكسر حاجز الخوف والتابوهات المفروضة على هذا الملف، والتخلي عن لغة التشفي أو الشعبوية الزائفة التي لا تبني وطنًا ولا تحل أزمة.
إن التفكير الرصين يفرض علينا أن نتجاوز مرحلة ردود الفعل العاطفية، لننظر إلى القضية بمنظور استراتيجي ووطني بحت؛ منظور يؤكد أن مصلحة مصر العليا لا تتحقق بإقصاء أبنائها، بل باحتضانهم ضمن سقف الدولة الدستورية والقانونية العادلة.
من المستفيد الحقيقي من تفتيت النسيج المصري؟
رؤية في التقاطعات الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية
حين يتأمل المتابع المنصف طبيعة الصراعات الممتدة في العالم العربي، وخصوصًا في مصر باعتبارها رمانة الميزان للمنطقة، يبرز السؤال الجوهري: لمن يصب حقًا هذا النزيف الداخلي المستمر وهذا الاستقطاب العمودي الحاد؟
إن الإجابة السطحية قد تحيل الأزمة إلى صراع بين سلطة ومعارضة، لكن القراءة الاستراتيجية العميقة تؤكد أن حالة الاستنزاف الداخلي وتفتيت النسيج المجتمعي المصري هي البيئة المثالية التي تحقق مصالح قوى إقليمية ودولية تسعى دومًا لإبقاء مصر والعالم العربي في حالة من العجز والإنهاك المستمر، وفي مقدمة هذه القوى إسرائيل وبعض دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية.
الموقف الإسرائيلي.. الانقسام العربي ضمانة للأمن الاستراتيجي
لم ترَ إسرائيل يومًا خطرًا استراتيجيًا أكبر من قيام دولة عربية مركزية قوية، ديمقراطية، ومستقرة ومتحررة بإرادة شعبية حقيقية.
وفي أدبيات التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي (مثل دراسات معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي)، يُنظر دائمًا إلى الاستقرار القائم على القمع والإقصاء على أنه استقرار هش ومؤقت، لكنه في الوقت ذاته يُفضَّل إسرائيليًا مقارنة بقيام أنظمة ديمقراطية حقيقية تعبّر عن نبض الشارع العربي الرافض بطبيعته للهيمنة الإسرائيلية.
لقد استثمرت المؤسسة السياسية والأمنية في إسرائيل تاريخيًا في ترسيخ مقولة أن «البديل عن الأنظمة الحاكمة هو الفوضى أو التيارات الراديكالية»، وكان إقصاء التيار الإسلامي المعتدل والمنظم (مثل الإخوان المسلمين) وملاحقته بالقوة المفرطة وسيلة ممتازة لتثبيت السردية الإسرائيلية أمام الغرب بأن «العرب غير مؤهلين للديمقراطية».
المستفيد الأكبر من بقاء مصر منشغلة بمعاركها الداخلية وسجونها وتأمين الجبهة الداخلية هو الجانب الإسرائيلي، الذي يجد يديه طليقتين لتنفيذ مخططاته الإقليمية دون وجود ظهير عربي جماهيري ضاغط ومستقر.
المعضلة الأمريكية.. بين الخطاب الحقوقي والارتياح الاستراتيجي للاستبداد
على الجانب الأمريكي، تتكشف المفارقة بوضوح تام بين الخطاب المعلن لوزارة الخارجية الأمريكية بشأن «حقوق الإنسان والديمقراطية» وبين الممارسة الفعلية لدوائر الاستخبارات وصنّاع القرار في البنتاغون ووزارة الخارجية (كما تشير أدبيات مراكز مثل كارنيغي وبروكينغز).
ففي عام 2011 وما بعده، أبدت الدوائر الغربية والأمريكية تخوفًا شديدًا من وصول الإسلام السياسي إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، ليس حرصًا على العلمانية، بل خوفًا من أن تؤدي هذه الحركات إلى استقلالية قرار وطني حقيقي قد يتقاطع مع المصالح الأمريكية والغربية في المنطقة.
من هنا، جاءت المواقف الأمريكية المتحفظة أو الداعمة ضمنًا لسياسات الثورة المضادة وإغلاق المجال العام؛ حيث ترى هذه الدوائر أن الأنظمة السلطوية التي تقمع معارضيها بقسوة تكون غالبًا أكثر «طواعية» في تمرير السياسات الإقليمية الغربية وأكثر التزامًا بالمعاهدات والاتفاقيات الاستراتيجية.
لقد وفرت سياسة شيطنة الإخوان وإقصائهم المطلق غطاءً مريحًا لواشنطن لتغض الطرف عن الانتهاكات الحقوقية الكبرى، مقابل استمرار المصالح الأمنية والعسكرية المشتركة. لكن التكلفة بعيدة المدى لهذه السياسة – كما يحذر دائمًا المحللون الجادون في الغرب – هي خلق بيئة طاردة للاستقرار، ومفرخة دائمة للتطرف، وتدمير مقدرات الدول من الداخل.
الثورة المضادة وهندسة الكراهية
لقد جرى استثمار المخاوف الحقيقية للمواطنين المصريين بعد ثورة يناير، وتم توجيه الآلة الإعلامية والسياسية بذكاء شديد لتحويل هذه المخاوف إلى كراهية عمياء وممنهجة ضد كل التيارات الإسلامية.
لم تكن هذه البروباجندا عفوية، بل جاءت متناغمة تمامًا مع الرغبة الإقليمية والدولية في إعادة إنتاج الأنظمة القمعية السابقة بصيغة أكثر حدة.
بهذا، تم إدخال مصر في دائرة مفرغة: دولة تستهلك ميزانيتها وطاقتها في الحراسة الأمنية والاستقطاب السياسي الداخلي، ومجتمع ممزق تسيطر عليه الهواجس والاتهامات المتبادلة، بينما المستفيد الوحيد يتربع خارج الحدود، يراقب انهيار البيت المصري من الداخل وهو مطمئن تمامًا إلى أن مصر لن تنهض طالما ظلت تقصي جزءًا أساسيًا من لحمها الحي.
نقد «البروباجندا» المجتمعية.. لماذا يكره الكثير من المصريين الإخوان اليوم؟
لا يمكن لأي قراءة موضوعية للأزمة المصرية الراهنة أن تتجاهل البعد النفسي والإعلامي الذي لعب دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل وعي المواطن المصري. فظاهرة الكراهية الجارفة التي باتت تطفو على السطح تجاه جماعة الإخوان المسلمين لم تكن وليدة الصدفة البحتة، ولا هي نتاج وعي جمعي عفوي، بل هي ثمرة هندسة إعلامية وسياسية بالغة التعقيد والتنظيم.
صناعة «الخطر الوجودي» وتوسيم الجماعة بالشيطنة المطلقة
عقب الأحداث الكبرى التي شهدتها مصر منذ عام 2011 وما تلاها، تعرض الشارع المصري لكمّ هائل وممنهج ويومي من التعبئة الإعلامية والسياسية التي استهدفت ترسيخ صورة واحدة لا تقبل التعدد: صورة «الخطر الوجودي المطلق» الذي يهدد الدولة والمجتمع وهوية الوطن.
لقد جرى خلط مقصود وذكي بين الأخطاء السياسية والتقديرات التنظيمية الخاطئة التي وقعت فيها الجماعة خلال فترة حكمها القصيرة، وبين تجريم وجودها التاريخي والاجتماعي بأسره.
وتحت وطأة المخاوف المشروعة للمواطنين على استقرار بلدهم وهويتهم، نجحت آلة البروباجندا في تحويل الخلاف السياسي والمجتمعي إلى حرب وجودية صفرية؛ لا تكفي فيها هزيمة الخصم السياسي، بل يلزم استئصاله وتجفيف أي أثر لوجوده العلني أو حتى الإنساني.
استثمار الثورة المضادة لمخاوف المواطن البسيط
لقد استثمرت قوى الثورة المضادة والدوائر المستفيدة من عودة الاستبداد هذه المخاوف الشعبية إلى أقصى مدى ممكن. فالإنسان المصري العادي، المأزوم اقتصاديًا والمعاني من ضغوط الحياة اليومية، وجد نفسه محاصرًا بخطاب إعلامي يصور له أن كل أزمات المعيشة، والبطالة، والانفلات، والتهديدات الأمنية، إنما هي نتاج تآمر مباشر من هذا الفصيل وحده.
هكذا تم إزاحة أسباب الأزمات الحقيقية البنيوية – كالسياسات الاقتصادية الخاطئة، وسوء الإدارة، وغياب الشفافية، وتآكل المؤسسات – ليتم تعليقها جميعًا على شماعة واحدة.
وبدلًا من أن يتجه الوعي الجمعي نحو مساءلة السلطة الحاكمة عن أدائها، تم توجيه طاقة الغضب الشعبي نحو كراهية مكون مجتمعي واسع، وإقناع المواطنين بأن سحق هذا المكون هو الشرط الوحيد لبقاء الدولة.
صرخة شجاعة.. آن الأوان لتحرير عقولنا من أسر الكراهية
هنا تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة نقدية شجاعة وجريئة يخاطب بها العقل المصري نفسه: آن الأوان لتحرير عقولنا من أسر هذه الكراهية الممنهجة.
إن الكراهية المطلقة لا تبني وطنًا، ولا تحل أزمة اقتصادية، ولا تعيد استقرارًا حقيقيًا. على العكس من ذلك تمامًا، تُعمي الكراهية الأبصار عن رؤية الحقائق، وتغلق منافذ الحوار، وتخلق مجتمعًا مقسمًا يعيش حالة من الحرب النفسية المستمرة ضد ذاته.
حين يكره المواطن أخاه في الوطن لمجرد انتمائه السياسي أو الفكري، فإن الدولة برمتها تكون قد خسرت معركة الوعي والبناء. إن التنوع السياسي والاجتماعي هو قانون العمران البشري، وإلغاء الآخر لا يعني إلغاء وجوده، بل يعني تدمير مناعة المجتمع نفسه.
إن تحرير العقول من كراهية الإخوان لا يعني بالضرورة تبني أفكارهم أو تبرير أخطائهم، بل يعني الانتصار لمبادئ العدالة، والإنسانية، وسيادة القانون، وإدراك أن الوطن يسع الجميع، وأن الكراهية لا تطعم جائعًا ولا تبني مستقبلًا.
تكلفة الإقصاء.. المخاطر الكارثية على مستقبل الدولة والمجتمع
حين تُقدِم الدولة على خيار الاستئصال السياسي وإقصاء مكون مجتمعي وتنظيمي واسع الجذور – بحجم جماعة الإخوان المسلمين – فإنها لا تتخلص من مشكلة، بل تفتح الباب على مصراعيه أمام حزمة من الأخطار الهيكلية المدمرة التي تطال بنية الدولة والمجتمع معًا.
إن القراءة العلمية لتجارب الأمم، وتحديدًا في ضوء التحليلات المعمقة لأدبيات الأكاديمية الأمريكية كاري ويكهام (في كتابها الشهير «تعبئة الإسلام») ودراسات تحولات الحركات الإسلامية وقمع الدولة، تؤكد أن تكلفة الإقصاء باهظة وفادحة، ويمكن رصد مخاطرها الكارثية في أربعة مسارات رئيسية:
المخاطر السياسية.. تآكل التعددية وإغلاق آفاق التحول الديمقراطي
- غياب المعارضة المنظمة: إن إقصاء التيار الإسلامي المنظم، بصرف النظر عن أي خلاف معه، لا يترك مجالًا لأي معارضة حقيقية قادرة على التوازن، بل يحول الساحة السياسية إلى لون واحد يفتقر إلى الحيوية والتنافسية السليمة.
- فقدان الشرعية التمثيلية: إن أي نظام سياسي يرتكز على إلغاء جزء معتبر من الشريحة الشعبية يفقد تدريجيًا صفته التمثيلية الشاملة، ويتحول من نظام يدير دولة إلى نظام يدير أزمة بقاء وأمن مستمر.
- تعطيل العقد الاجتماعي: بناءً على أطروحات كثير من المفكرين حول شروط التحول الديمقراطي، فإن بناء دولة المؤسسات الحديثة يستند إلى عقد اجتماعي جامع يسع الجميع تحت سقف القانون. وحين يُستبعد ملايين المواطنين من دائرة المشاركة، ينهار هذا العقد، وتصبح الدولة في قطيعة دائمة مع قطاعات واسعة من شعبها.
المخاطر الاجتماعية.. تمزيق النسيج الأهلي وتجريف العمل العام
- تدمير شبكات التكافل والخدمات: تشير الدراسات المعمقة لتطور الحركات الاجتماعية إلى أن حضور الإخوان لم يكن سياسيًا بحتًا، بل كان متجذرًا في البنية التحتية للمجتمع (النقابات المهنية، والجمعيات الخيرية، والخدمات الأهلية). ولذلك، فإن محاولة اقتلاع هذا التيار لا تعني القضاء على فكرته، بل تؤدي بالضرورة إلى «تجريف الحياة المدنية ذاتها» وخلق فراغ مؤسسي لا تستطيع البيروقراطية الحكومية وحدها ملأه.
- توليد ثقافة الثأر والاستقطاب العميق: إن استمرار قمع جيل كامل وإغلاق الأفق في وجهه يغذي مشاعر المظلومية العميقة، ويحول المجتمع إلى شظايا متنافرة تتبادل الكراهية، مما يقضي على أي فرصة للتماسك المجتمعي أو العيش المشترك.
المخاطر الاقتصادية.. استنزاف الموارد في الأمن بدلًا من التنمية
- اقتصاد الخوف والحراسة: إن الدولة التي تنشغل كليًا بالهاجس الأمني وملاحقة المعارضين وإدارة السجون تضطر بالضرورة إلى إعادة توجيه مواردها الضخمة نحو القطاعات الأمنية والشرطية على حساب الاستثمار الحقيقي في التعليم، والصحة، والبنية التحتية والإنتاج.
- طرد الاستثمار الأجنبي والمحلي: إن بيئة الاستقرار الحقيقي هي البيئة التي تحكمها سيادة القانون، واستقلال القضاء، واستقرار القواعد الدستورية. أما بيئة الاستقطاب الحاد والإقصاء المستمر فتخلق حالة من الضبابية وعدم اليقين، وهي البيئة الطاردة الأولى لرؤوس الأموال والمستثمرين الذين يبحثون عن استقرار مستدام لا استقرار قمعي مؤقت.
المخاطر المستقبلية.. هندسة التطرف وإنتاج اليأس
- الخروج عن السيطرة والاندفاع نحو السرية: تُحذر أدبيات القمع والسرية التنظيمية من أن الدرس التاريخي الأهم هو أن إغلاق المجال السياسي العلني والشرعي أمام أي تيار جماهيري لا يقضي على الفكرة، بل يدفع بها حتميًا نحو السرية، والانكفاء، والتقوقع، ويفقد القيادات المعتدلة السيطرة على قواعدها الشابة، مما يفتح الباب واسعًا أمام الراديكالية واليأس.
- القنابل الموقوتة للجيل الناشئ: إن الأجيال الجديدة التي تنشأ وهي ترى آباءها وأقاربها في السجون أو المنافي، محرومين من أبسط حقوق المواطنة، تحمل في طياتها طاقة هائلة من النقمة والرفض للنظام القائم. إن تفريغ هذا الاحتقان لا يكون بالمزيد من القمع، بل بفتح الأبواب والعودة إلى السياسة بمعناها الواسع.
الكفاءات المهدرة، وسقوط خرافة التعميم، ونداء المصالحة الوطنية
خرافة التعميم.. متى أصبحت الأفكار جريمة؟
من أبجديات العدالة الإنسانية التي استقر عليها الضمير البشري منذ العصور الحديثة أن «المسؤولية جنائية فردية وليست جماعية». وإن إلصاق تهمة «الإرهاب» المطلق وتعميمها على مئات الآلاف أو ملايين المواطنين والشباب لمجرد انتمائهم التنظيمي أو الفكري لجماعة الإخوان المسلمين هو سقوط منطقي وقانوني يعود بنا إلى منطق العصبيات البدائية في العصور الوسطى.
صحيح أن التاريخ الطويل للجماعة – الممتد لأكثر من عشرة عقود – قد شهد محطات خلافية، وربما أحداثًا استثنائية أو أخطاء تنظيمية خيمت عليها ظلال العنف في عصور تاريخية غابرة (نتيجة صدامات قاسية مع السلطة)، إلا أن الإنصاف التاريخي والواقعي يقر بأن الجماعة طوال العقود الخمسة أو الستة الأخيرة كانت حركة جماهيرية، دعوية، سياسية، ونقابية عملت في النور، وشاركت في الانتخابات، وملأت البرلمانات والنقابات عبر صناديق الاقتراع السلمية، ولم تمارس عملًا أمنيًا منظمًا ضد الدولة المصرية.
إن ترويج فكرة «الجماعة الإرهابية» بالجملة لتبرير سجن جيل كامل وإقصاء أبناء وطن بأكمله هو تكتيك سياسي مغرض؛ فمن أخطأ أو تورط يُحاكم فردًا بقضاء عادل وشفاف، أما العقاب الجماعي فهو العدو الأول للاستقرار الحقيقي.
إن من حق أي مواطن أو جماعة أن يتبنى ما يشاء من أفكار سياسية أو دينية، ومن حقنا جميعًا أن نناقشها ونرفضها أو نقبلها بالحجة والدليل والسياسة العلنية، لا بالاستئصال والسجون، لأن الإقصاء الفكري هو «الاستبداد بعينه».
شهادات وتقديرات غربية.. الإخوان بين العمل المدني والتعسف السياسي
في هذا السياق، تؤكد العديد من الدراسات الأكاديمية والتقارير القانونية الغربية (الأمريكية والأوروبية) – بعيدًا عن البروباجندا السياسية الموجهة – أن التعامل مع جماعة الإخوان «ككتلة صلبة إرهابية» هو توصيف غير دقيق ومُسيَّس.
فقد أشارت تقارير لجان برلمانية أوروبية ومراكز أبحاث أمريكية مرارًا إلى أن الإخوان تأسسوا تاريخيًا كحركة إصلاح مجتمعي وتكافل أهلي، وأن فروعًا واسعة من الحركة طورت خطابًا سياسيًا علنيًا ومشاركًا في العملية الديمقراطية.
وقد حذرت هذه الدراسات الغربية مرارًا حكوماتها من تبني التعميمات المطلقة التي تطلقها الأنظمة السلطوية العربية لتجريم كل معارضة إسلامية منظمة، مؤكدة أن هذا التعسف لا يقضي على التطرف، بل يغلق الأبواب في وجه العمل السلمي ويدفع نحو اليأس والتشدد.
الكفاءات المهدرة.. ماذا تقدم الخبرات الإخوانية لمصر؟
بعيدًا عن الخلافات الأيديولوجية، تمتلك الكتل البشرية المرتبطة بالإخوان شبكة هائلة من الكفاءات العلمية، والإدارية، والطبية، والهندسية، والشبابية والتربوية التي تم تغييبها وإهدار طاقاتها في السجون والشتات والمنافي.
إن مصر اليوم، وهي تعاني من أزمات اقتصادية وهيكلية طاحنة، بحاجة ماسة إلى كل عقل وكل ساعد من أبنائها. إن دمج هذه الخبرات وإتاحة الفضاء المدني أمامها للإسهام في التنمية، والعمل النقابي، والمجتمعي – تحت سقف القانون والدستور العادل – ليس منّة من أحد، بل هو رافد أساسي لنهضة الوطن. الدول العظمى لا تبني مستقبلها بسجن أبنائها وإقصاء كفاءاتها، بل بسعة صدرها وقدرتها على استيعاب تنوعها.
ختامًا.. المصالحة الوطنية طوق نجاة للشعب المصري بأسره
ليست هذه السطور دفاعًا عن فكر الإخوان المسلمين، فالفكر يُناقش بالفكر، والخطأ يُصحح بالحوار والسياسة؛ بل هي دفاع عن حق مصر في الحياة، وعن حق كل مواطن مصري في أن يعيش آمنًا في وطنه دون خوف من بطش الاستبداد أو ثأر السياسة.
إن الآثار المدمرة للاستقطاب وانقسام المجتمع بين السلطة والإخوان لا تضر فصيلًا بعينه، بل تلحق أضرارًا فادحة وفادحة جدًا بالشعب المصري بأسره، في اقتصاده، وتعليمه، ونسيجه المجتمعي، ومستقبل أجياله.
لذلك، فإن المصالحة الوطنية الشاملة، وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين الذين لم تتورط أيديهم في الدماء، وطي صفحة الثأر السياسي إلى الأبد، ليست ترفًا سياسيًا، بل هي طوق النجاة الوحيد لمصر.
إن حرية الإخوان في العيش والمشاركة الطبيعية، مثلهم مثل أي مواطنين مصريين تحكمهم القوانين العادلة، هي في جوهرها الاختبار الحقيقي لمدى حرية مصر نفسها وقدرتها على الانطلاق نحو المستقبل.