فزاعة الإخوان والأثر المعاكس في الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية
في مشهد متوتر، مع اقتراب إغلاق صناديق الاقتراع يوم 27 أكتوبر الماضي وقف رئيس الحكومة الإسرائيلية حاملا هاتفا بيده يتضمن صورا لتزاحم الناخبين العرب أمام لجان الاقتراع فيما يعرف بالخط الأخضر (بلغت نسبة حضورهم 80%)، واصفا إياهم بأنهم داعمون للإخوان المسلمين، ثم اتهمهم لاحقا بسرقة الانتخابات بعد أن حققوا 19 مقعدا في نتيجة صادمة له ولأنصاره، وهي الاتهامات التي تكررت على لسان شريكيه في الحكم إيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموترش، واللذين دعيا إلى اعتقال أو التحقيق مع شخصيات عربية تنتمي للإخوان بزعمهم، ضخت أموالا للتأثير على الانتخابات.
وفي الولايات المتحدة ومع احتدام معركة التجديد للكونجرس بغرفتيه حضر اسم الإخوان بقوة أيضا، وتركزت الحملة المضادة للمرشح الديمقراطي من أصول مصرية عبد الرحمن السيد حول انتماءات سابقة له ولأسرته بالإخوان، ودعمه لحكومة الرئيس محمد مرسي عبر زيارة له إلى القاهرة وتوقيعه بيان تضامن مع سياسات مرسي، ودخل الرئيس ترامب بنفسه على خط هذه الاتهامات بهدف تشويه صورة (عبدول) في نظر الناخبين الأمريكيين وخاصة اليمينيين، وتخويفهم من خطر كبير ستتعرض له أمريكا حال فوز عبد الرحمن أو غيره من المرشحين ذوي الأصول الإسلامية.
استخدام فزاعة الإخوان في الانتخابات الإسرائيلية أو الأمريكية لا يعني اعترافا بقوتهم، وتأثيرهم الحقيقي على تلك الانتخابات، فحكومتا الدولتين تعرفان جيدا الوضع الحقيقي للإخوان ولغيرهم، لكنهما تستخدمان الاسم للتخويف، ولحشد قوى اليمين في مواجهة خصومهم الحقيقيين، سواء منافسي نتنياهو وهم يمينيون مثله أو مرشحي الحزب الديمقراطي في أمريكا.
مهد ترامب لهذه الفزاعة حين أصدر أمرا تنفيذيا في 24 نوفمبر 2025 الماضي بوضع جماعة الإخوان ضمن التصنيفات الإرهابية، وهو ما تحاول أوروبا تقليده الآن عبر صدور توصية من البرلمان الأوروبي في 8 أكتوبر 2026 لوضع استراتيجية مشتركة لمواجهة ما سماه التغلغل الإسلاموي وتأثير شبكة الإخوان المسلمين، قاد هذه الإجراءات في واشنطن وبروكسل التيارات اليمينية المتطرفة التي نمت خلال السنوات الماضية، وأصبح أحد أولوياتها مواجهة الحضور والمظاهر الإسلامية باعتبارها خطرا على الثقافة والحياة الاجتماعية الأوروبية، وهو ما كشف زيف الادعاءات الأوروبية باحترام حقوق الإنسان، فالمسلمون الذين يتعرضون للتمييز وفقا لهذه السياسات الجديدة هم مواطنون أوروبيون بعضهم من الجيل الثاني والثالث، ويفترض أنهم ينعمون بكل الحقوق مثل بقية المواطنين الكاثوليك والبروتستانت واليهود وغيرهم.
الحديث عن علاقة الإخوان المسلمين بالانتخابات الإسرائيلية يستلزم معرفة بدايات هذا الدور، ونتحدث هنا تحديدا عن عرب 48 الذين بقوا في أرضهم عقب قيام دولة إسرائيل والذين أصبحوا سواء برضاهم الذاتي أو رغم أنوفهم مواطنين إسرائيليين، وفرضت الدولة عليهم قوانينها، والأفظع أنها فرضت عليهم سياسات عنصرية رغم حملهم للجنسية الاسرائيلية، حدث نقاش وجدل مبكر بين عربـ1948 حول المشاركة في الانتخابات والمؤسسات الإسرائيلية، وظهر هذا الانقسام بشدة في الحركة الإسلامية (التي تمثل امتدادا للإخوان المسلمين) منذ منتصف التسعينيات، وكان السؤال هو: هل ينبغي المشاركة في مؤسسات الدولة الإسرائيلية، بما فيها الكنيست والحكومة، لتحقيق مكاسب سياسية ومدنية للفلسطينيين، أم أن هذه المشاركة تمنح شرعية لدولة ومؤسسات لا تعترف بالحقوق الوطنية الفلسطينية؟
رفض الجناح الشمالي للحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح المشاركة في انتخابات الكنيست، واعتبرها اعترافا بشرعية النظام السياسي الإسرائيلي، وتمسك بأولوية الهوية الوطنية الفلسطينية والمرجعية الإسلامية، ورفض الاندماج السياسي في مؤسسات الدولة، وقد حظرت الحكومة الإسرائيلية الحركة عام 2015، بموجب قرار استند إلى اتهامات أمنية إسرائيلية، واحتسابها أحد فروع جماعة الإخوان، ومع ذلك ظل هذا الجناح نشطا من خلال العديد من الجمعيات الأهلية والأنشطة العامة السياسية والاجتماعية.
أما الجناح الجنوبي للحركة فقد اختار المشاركة والعمل السياسي من داخل المؤسسات الإسرائيلية، ويقود هذا التيار اليوم منصور عباس، من خلال القائمة العربية الموحدة (راعم) التي حصلت على 7 مقاعد في الانتخابات الأخيرة، وقد شارك هذا الجناح في حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد عام 2021، وأصبح أول حزب عربي ذي مرجعية إسلامية يشارك في ائتلاف حكومي إسرائيلي بهذه الصورة، وقد انفصلت هذه القائمة في ديسمبر 2025 تنظيميا عن الحركة الإسلامية الجنوبية ومجلس شوراها.
أنتج فوز قائمتي عرب 48 (القائمة الموحدة بقيادة عباس والقائمة المشتركة بقيادة أحمد الطيبي) تكتلا برلمانيا قويا يضم 19 نائبا، وأربك فوزهم بهذا العدد المشهد الحزبي الإسرائيلي حيث تتعثر مساعي تشكيل الحكومة بسبب افتقاد أي تكتل لأغلبية حتى الآن، وتصاعدت صرخات نتنياهو وبقية رموز التطرف اليميني من كلا المعسكرين الرئيسين المتصدرين للنتائج (بزعامة نتنياهو وإيزنكوت) رفضا للتعاون مع النواب العرب الذين يصفون بعضهم بالانتماء للإخوان!
أما في الولايات المتحدة الأمريكية ورغم أن المعركة الانتخابية واسعة دارت حول 435 مقعدا هي كامل أعضاء مجلس النواب، وعلى 35 مقعدا هي ثلث مقاعد مجلس الشيوخ إلا أن معركة المرشح الديمقراطي المسلم ذي الأصل المصري عبد الرحمن السيد (عبدول) في ميتشجان حازت القسط الأكبر من الجدل والاهتمام، وتدخل الرئيس الأمريكي ترامب ونائبه جي دي فانس وكبار مساعدي ترامب لمواجهة عبدول، وتخويف الناخبين الأمريكان منه بزعم انتمائه للإخوان رغم نفيه المتكرر لهذا الوصف، وصل الأمر أن يحذر ترامب من وصول الإخوان إلى الكونجرس!!
في الحالتين الإسرائيلية والأمريكية، كان استخدام فزاعة الإخوان بهدف تمكين التيارات اليمينية من الفوز في الانتخابات، وحرمان القوى المناهضة لها من الفوز، لكن ما حدث هو العكس؛ فقد انقلب السحر على الساحر، وتسببت الفزاعة في قلب الرأي العام، إذ فاز عبد الرحمن السيد بعضوية مجلس الشيوخ، ليصبح أول مسلم يفوز بعضويته، وإلى جانبه فاز عدد من المسلمين بعضوية مجلس النواب. وفي إسرائيل، فاز العرب بـ19 مقعدًا لأول مرة في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية، وبينهم من اتهمهم نتنياهو واليمين الإسرائيلي بالانتماء إلى الإخوان. وهكذا، لو سلّمنا بصحة اتهامات اليمين، وهو ما لا نقبله، فإن نوابًا من الإخوان دخلوا الكنيست كما دخلوا الكونغرس بسبب التأثير السلبي لتلك الفزاعة.