الموقع الرسمي للإخوان المسلمون

مقالات وآراء

باب للفكر والرأى والنقاشات الحرة. ينشر الآراء منسوبة لأصحابها...

وصف الإخوان بالتطرف وأثره على انتشار التكفير والإلحاد

وصف الإخوان بالتطرف وأثره على انتشار التكفير والإلحاد

رجب أبو مليح

أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة بماليزيا

عندما تعمد أمريكا، ومن يقف خلفها وأمامها، إلى أكثر الحركات الإسلامية المعاصرة اعتدالًا ووسطية، حتى إن خصومها يعيبون عليها هذا التوسط والاعتدال ويحسبونه تساهلًا وتفريطًا، ثم تصفها بالتطرف والإرهاب؛ لتفتح على الشباب أبواب شر: كطريق التكفير وما يصحبه من عنف وتدمير، وطريق الإلحاد وما يصحبه من دمار الفرد والأسرة والمجتمع، وغير ذلك.

فالتكفير والإلحاد وجهان لعملة واحدة، حتى لو ظن بعض الناس أنهما ضدان لا يجتمعان أبدًا؛ فهما يمثلان التفريط والإفراط، وقد جاءت الشريعة الغراء بالمنهج الوسط في كل شيء، وأعني بالتكفير الذي لا يُبنى على أسس وضوابط الشرع، وهو ما يسمى بالغلو في التكفير.

وليس معنى ذلك أننا نسوي بين الأمرين (الغلو في التكفير والإلحاد) في الحكم الشرعي؛ فقديمًا قال الإمام علي – رضي الله عنه – في شأن الخوارج: «إخواننا بغوا علينا»، وقال: «من الكفر نجوا»، ونفى عنهم النفاق قائلًا: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، وهم الذين استباحوا الدماء وانتهكوا الأعراض باسم الإسلام، وتلوثت أيديهم بدمائه الزكية، في سُبَّة تلاحقهم أبد الدهر، حتى يحكم الله بين الناس جميعًا، وهو أحكم الحاكمين.

لكنني أقصد أن كلا الفريقين ينطلق من منطلقات متقاربة، وينتهي إلى نهايات وآثار مدمرة كذلك؛ فالغلاة في التكفير ينطلقون من تضخم للذات، واستعلاء على الآخرين، واحتكار للحق يجعلهم يكفرون المجتمع، بل قد يكفر بعضهم بعضًا عند أول خلاف سياسي أو فكري أو دعوي، ونظل في انشطار وتشرذم لا ينتهي إلا بدمار المجتمع وخراب البلاد والعباد.

والملحد يصدر في الغالب، أول ما يصدر، عن غرور وصلف؛ يظن أنه أدرك ما لا يدركه الآخرون، وأن الدين والتدين أكذوبة كبرى اختُرعت للناس البسطاء، لكنه من العباقرة؛ فهو فكر وقدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم توصل إلى أنه ليس للكون إلهًا، وأنه لا يؤمن إلا بما تراه عيناه ويلمسه بيده.

ويمكننا أن نسوي بينهما – كذلك – في النتائج والآثار؛ فكلاهما يدمر المجتمع، ويحوله إلى ساحات للقتل والتقاتل؛ فيدمر ولا يعمر، ويفسد ولا يصلح، ويهدم ولا يبني.

ووجود جماعة الإخوان المسلمين، وقد صرح إمامها المؤسس ومن جاء بعده إلى يومنا هذا، في أكثر من موضع، أنهم ليس لديهم إسلام غير الإسلام الذي يعتمد القرآن الكريم والسنة المطهرة بفهم العلماء الثقات، ويعتمد فتاوى المؤسسات العلمية، كالأزهر ومجامع الفقه الدولية والمحلية والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وغيره، مرجعًا للنوازل المعاصرة.

كما أن هذه الجماعة تراعي مقاصد الشريعة الإسلامية التي تمثل – بجوار الأحكام العملية – الوقاية من كلتا الآفتين المهلكتين؛ حيث جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال، والتكفير والإلحاد يهدم كل منهما تلك المقاصد.

الإلحاد يهدم المقاصد الكلية؛ حيث إنه يهدم الدين، وإذا هُدم الدين في حياة الإنسان فستهدم تبعًا له باقي مقاصد الشرع، فلا قيمة للنفس، أو العقل، أو النسل، أو المال في غياب الإيمان، الذي يحول غيابه الإنسان إلى أحط دركات البهيمية: ﴿... أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].

والتكفير بغير حق يسلب من الإنسان نعمة الدين، فإذا سُلبت أصبحت النفس والمال مهدرتين، ويتبعهما لا محالة العقل والنسل.

والذين قاموا بهذا التصنيف وشجعوا عليه، وأنفقوا كل نفيس ورخيص من أجل تمريره من الأبواب الخلفية للمؤسسات الدولية التي تتسم بشيء، ولو قليل، من الحيدة والموضوعية، لا يخلو حالهم من أحد أمرين:

إما أنهم من البلاهة والسذاجة بحيث يخربون بيوتهم بأيديهم، ويرتد السهم إلى نحورهم، وينقلب السحر على الساحر، فيكونون أول من يحترق بهذه النار، وهذا أمر مستبعد، وإن كان محتملًا وواردًا.

وإما أنهم فعلًا يعمدون إلى هذه الفوضى الخلاقة؛ فهم يصرحون أنهم يخشون الاعتدال، حيث إنه لا يمكنهم من فرض سطوتهم وتدمير المجتمعات وحرق الأخضر واليابس باسم محاربة التطرف والإرهاب.

ولا يفوتنا في هذا السياق أن نؤكد أن مقاومة الشعوب للمحتل ليست عنفًا ولا إرهابًا في منظور القانون الدولي والأعراف والشرائع السماوية كذلك؛ وبالتالي، كل من يعينها على تحررها، ويقف في وجه المحتل، ليس عنيفًا ولا إرهابيًا.

وكذلك مقاومة الظلم والاستبداد بكل الطرق المشروعة التي لا تؤدي إلى مفسدة أكبر، أمر كفلته الشريعة الإسلامية وحمته القوانين الوضعية.

وقد اقتربت هذه الجماعة المباركة، منذ تأسيسها، من مائة عام الآن، ولم يظفر أحد في أديباتها الرسمية، ولا كتب وبحوث مؤسسها ومن أتى بعده، على شيء يحث على العنف بالمعنى السلبي.

ومن باب الإنصاف، قد يمارس فرد أو بعض الأفراد العنف بالمفهوم السلبي، ولكن سرعان ما تعلن الجماعة موقفها من هذا التصرف، على الرغم من أن الطرف الآخر، ممثلًا في الحكومات، يدفع الناس دفعًا إلى التطرف والإرهاب بسبب ما يمارسه من ظلم واستبداد.

وقد تكلم الإمام المؤسس وناقش دعاة الوطنية والقومية، وناقش العلمانيين نقاشًا علميًا راقيًا، ووضع ضوابط وأسسًا وأصولًا لفهم الإسلام لاقت قبولًا وترحابًا من كل المنصفين، وكلها تحث على الاعتدال والوسطية، ولم يؤثر عنه أنه حث على العنف أو ممارسته تجاه مخالفيه.

وكان من ثمار هذه المدرسة اليانعة الشيخ سيد سابق، والشيخ الغزالي، والدكتور يوسف القرضاوي، وغيرهم الكثير من علماء الأزهر ودار العلوم، وكلهم يدافعون عن الوسطية والاعتدال ويحاربون الغلو والتطرف بكل ما يستطيعون.

وأخيرًا: هذا نداء للعقلاء من كل الديانات والمذاهب، ولكل الأحرار في العالم، ولكل الشرفاء من زعماء هذه الأمة، أن يقفوا في وجه هذا الجنون الجارف الذي يمارس العنف في أعتى صوره وأشكاله، ثم يرمي به كل من يخالفه الرأي. ولا يحملنكم الخلاف مع هذه الجماعة أو الخصومة السياسية على وصفها بأوصاف أنتم، قبل الناس، تعرفون أنها منها براء.

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].