في اليوم الدولي للديمقراطية: أيَّ ديمقراطية نريد؟
في عام 2007 قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاحتفال بيوم 15 سبتمبر يومًا دوليًا للديمقراطية بهدف تعزيز مبادئ الديمقراطية والتمسك بها، ودعت الدول الأعضاء والمنظمات الدولية إلى الاحتفال بهذه المناسبة بما يسهم في رفع الوعي العام بأهمية المشاركة السياسية واحترام الحقوق والحريات.
وفي عام 2025 أقام صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية فعالية بمناسبة اليوم الدولي للديمقراطية في مقر الأمم المتحدة، لإبراز الكيفية التي يمكن أن تتحول بها المشاركة الديمقراطية من الصوت إلى الفعل. وهذا يعكس إدراكًا متزايدًا للفجوة التي قد تنشأ بين المبادئ والشعارات من جهة، وبين واقع الممارسة السياسية وحقوق الإنسان من جهة أخرى.
ومن هنا، فإن الحديث عن الديمقراطية لا ينبغي أن ينفصل عن الحديث عن الإنسان وكرامته وحقوقه، وعن مسؤولية المجتمعات والدول والمؤسسات الدولية في حماية هذه الحقوق، وترسيخ العدل، وإتاحة المجال للمشاركة المسؤولة في الشأن العام.
الإسلام والشورى وكرامة الإنسان
وليس غريبًا أن ينطلق الصوت الإسلامي في مناسبة كهذه؛ فالإسلام يقرر جملة من المبادئ التي تتجلى في الممارسة السياسية الرشيدة، من الشورى، والعدل، والمسؤولية، وصيانة الحقوق، وإتاحة المجال للتعبير وتعدد الآراء، وحرية تكوين المؤسسات والأحزاب، والتنافس السلمي بينها، بما يحقق التداول السلمي للسلطة، ويُجنِّب المجتمعاتِ اللجوء إلى القوّة والسلاح لإحداث التغيير، وما قد يترتب على ذلك من إراقة الدماء والدمار.
وقد جعل القرآن الكريم الشورى مبدأً أصيلًا في حياة الجماعة المؤمنة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الشورى: 38]. كما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة، فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].
فكانت الشورى مبدأً إلهيًا، ومنهجًا في إدارة الشأن العام، ومسلكًا أخلاقيًا ومجتمعيًا. وشجَّع الرسولُ الكريمُ ﷺ على إبداء الرأي وتعدُّد وجهات النظر، وكان كثيرَ المشاورة لأصحابه، وأقرَّ اجتهاداتهم في بعض شؤون الحياة والسياسة، وإن خالفت رأيه. وقد عبّر الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المعنى العميق لكرامة الإنسان حين قال لعامله على مصر، انتصارًا لمواطن قبطي: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟».
وهكذا كان الحاكم في التصور الإسلامي مسؤولًا عن رعيته، مقيَّدًا بالعدل، خاضعًا للمساءلة أمام الله، كما أن الرعية مسؤولة عن القيام بحقوقها وواجباتها، في إطار من التوازن بين الحقوق والمسؤوليات.
وتضع الشريعة الإسلامية الحرية الإنسانية المسؤولة وحقوق الإنسان في صلب عنايتها، فتجعل الإنسان مستخلفًا في الأرض، مكلفًا بعمارتها وإقامة العدل فيها، قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. ومن أجل إقامة العمران على أساس العدل أرسل الله رسله وأنزل كتبه، وجعل إقامة القسط بين الناس مقصدًا من مقاصد الرسالات، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].
وجعل تكريم الإنسان أصلًا ثابتًا، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. وجعل من مقاصد الشريعة حفظ الضرورات التي تقوم عليها حياة الإنسان والمجتمع، وفي مقدمتها: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعِرض، والمال، مع إقامة النظم والأحكام التي تصون هذه الضرورات، وتحمي الإنسان من العدوان والظلم.
بين المبادئ والممارسة
وبالرغم من ذلك، فإن واقع بعض المجتمعات والدول الإسلامية اليوم لا يزال يشهد صورًا من التضييق على الحريات والمشاركة السياسية، ويكشف عن فجوة بين بعض المبادئ المعلنة والممارسة الفعلية. وهذه الفجوة تحتاج إلى معالجة جادَّة، من خلال ترسيخ قيم العدل والشورى، واحترام كرامة الإنسان، وتوسيع دائرة المشاركة، وبناء مؤسسات قادرة على حماية الحقوق وتحقيق الاستقرار.
وفي المقابل، فإن الممارسة الديمقراطية الحديثة نفسها تواجه في بعض البيئات تحديات واختبارات تكشف عن تباين بين المبادئ المعلنة والتطبيق العملي. ومن ذلك ما يتعلق بحقوق الإنسان، والحريات السياسية والاقتصادية، والعدالة في توزيع الفرص والثروات، واحترام إرادة الشعوب واستقلال قرارها.
فلا خصومة بين الإسلام والممارسة الديمقراطية التي تتيح تنظيم المشاركة السياسية من خلال مجتمع مدني فاعل، وتعددية سياسية، وحرية تكوين الأحزاب، والتداول السلمي للسلطة. ومع ذلك، تظل هذه الممارسة تجربة إنسانية قابلة للنقد والتقويم، وليست نموذجًا نهائيًّا مكتملًا.
وإذا كانت الديمقراطية تسعى إلى الحيلولة دون استبداد الأغلبية وإهدار حقوق الأقلية، فإن التجربة الإنسانية المعاصرة ما تزال تواجه تحديات كبيرة في تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وفي الحدِّ من الفوارق الهائلة بين الشعوب والمجتمعات، وفي ضمان وصول ثمار التنمية إلى مختلف الفئات.
كما أن النظام الدولي يواجه بدوره أسئلة متزايدة حول مدى عدالة تمثيل الدول والشعوب، وحول أثر امتلاك بعض القوى الكبرى أدوات واسعة للتأثير في القرارات الدولية، وما يترتب على ذلك من شعور لدى كثير من الشعوب بأن قدرتها على التأثير في مصيرها ليست دائمًا متناسبة مع حجمها أو إرادتها.
وحين تهدر الديمقراطية والتعددية السياسية والحريات في بعض الدول العربية والإسلامية، وحين تستمر معاناة الشعوب بسبب الحروب والصراعات والانتهاكات، وحين يستمر القتل والتدمير والانتهاكات الجسيمة في غزة منذ أكتوبر 2023، وتمتد آثار الحروب والصراعات والانقلابات إلى شعوب أخرى؛ فإن ذلك يضع المبادئ التي يرفعها المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها.
ولا يقتصر هذا التحدي على منطقة دون أخرى، وإنما يمتد إلى تجارب متعددة شهدت صراعات وانقلابات واضطرابات سياسية، وأثرت فيها مواقف القوى الإقليمية والدولية بدرجات متفاوتة.
حقوق الإنسان ومعيار العدالة
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ترسيخ حقوق الإنسان والحريات الأساسية وسيادة القانون بوصفها مبادئ ثابتة في عملية صنع القرار الدولي، تُطبَّق على الجميع دون تمييز، ولا تخضع لازدواجية المعايير أو لتقلُّب المصالح السياسية والاقتصادية؛ فلا تختلف معايير التعامل مع الانتهاكات باختلاف هوية الضحية، أو الجاني، أو الموقع الجغرافي، أو مصالح الدول.
ولا يمكن قبول أي تصور يجعل حقوق الإنسان امتيازًا لشعوب دون أخرى؛ فالحرية والكرامة والعدل، والحق في الأمن والتنمية، حقوقٌ أصيلة للإنسان بما هو إنسان، لا تختص بها أمة أو حضارة دون سواها.
وفي عالم تتزايد فيه الفوارق الاقتصادية، وتتسع فيه موجات النزوح والهجرة، وتبحث فيه شعوب كثيرة عن الأمن والحرية والعيش الكريم، يصبح من الضروري النظر إلى هذه القضايا باعتبارها مسؤولية إنسانية مشتركة، لا مجرد ملفات سياسية أو أمنية.
إن احترام حق الشعوب في اختيار مساراتها السياسية والاقتصادية، بعيدًا عن الإكراه وفرض الإرادات وازدواجية المعايير، يمثل أساسًا مهمًّا للاستقرار والسلام. كما أن المجتمعات تحتاج إلى مؤسسات قوية، وحكم رشيد، وتعددية مسؤولة، وقضاء عادل، وضمانات حقيقية للحقوق والحريات.
إن عالمنا يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة الثقة في أن القانون الدولي يحمي الضعيف كما يقيد القوي، وأن العدالة لا تتغير بتغير المصالح، وأن كرامة الإنسان لا جنسية لها.
وفي اليوم الدولي للديمقراطية، فإن الرسالة التي ينبغي أن نتذكرها جميعًا هي أن الديمقراطية ليست مجرد إجراءات انتخابية، كما أن الحرية ليست مجرد شعار؛ وإنما القيمة الحقيقية لأي نظام سياسي تُقاس بقدرته على صيانة كرامة الإنسان، وحماية حقوقه، وتحقيق العدل، وإتاحة المشاركة السلمية، وضمان انتقال السلطة وتداول المسؤولية دون عنف أو إقصاء.
فحيثما تحقق العدل، وصينت الكرامة، واحترمت إرادة الناس، وحُفظت الحقوق، واحتَكم الجميع إلى القانون، اقتربت المجتمعات من الغاية التي تتوخاها الإنسانية من كل تجربة سياسية رشيدة.
الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الاثنين 3 ربيع الاخر 1448هـ؛ الموافق 14 سبتمبر 2026م