من "صبرا وشاتيلا" إلى غزة: المجازر سلوك ثابت في المشروع الصهيوني
إنَّ مراجعة التاريخ وأيامه وحوادثه، والاعتبار بدروسه وعبره، توجيه قرآني لا ينفصل عن رسالة الأنبياء: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]. وغايته أن يفيدنا في قراءة الواقع الذي نعيشه، ويمدنا بالقدرة على توقع تطورات المستقبل وفقا لتجارب الماضي. وحين نذكر الأحداث المؤلمة في التاريخ فإن ذلك لا يدعونا إلى التشاؤم، بل يدعونا لاستخلاص الدروس والعبر. قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111].
وقد ارتبط شهر سبتمبر/أيلول في الوعي العربي والإسلامي بمناسبات تستوجب التذكير والاعتبار؛ من أهمها مجزرة صبرا وشاتيلا (16-18 سبتمبر 1982)، التي نفذتها ميليشيا الكتائب اللبنانية وقوات متحالفة معها ضد الفلسطينيين الأبرياء. وقد دخل القتلة المخيميْن تحت إشراف القوات الإسرائيلية – بقيادة آرييل شارون –التي كانت تحتل بيروت الغربية وتسيطر عسكريًا على محيط المخيميْن. وعلى مدى ثلاثة أيام، قُتل آلاف المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين، بينهم نساء وأطفال ومسنون؛ وغادر القتلة تاركين وراءهم مشهدا مروعا تسبب في انهيار أطباء وصحفيين، وأصيب بعضهم بالجنون، أمام هول ما عاينوه من فظائع. وفي عام 1983، خلصت لجنة كاهان الإسرائيلية الرسمية إلى تحميل وزير الدفاع آنذاك شارون "مسؤولية شخصية" عن المذبحة، فيما أدان مجلس الأمن الدولي، في قراره رقم (521) الصادر في 19 سبتمبر/أيلول 1982م، ما وصفه بـ«المذبحة الإجرامية» للمدنيين الفلسطينيين في بيروت.
لقد كانت تلك المجزرة حلقة من المذابح الصهيونية ضد الفلسطينيين، بدأت مع دخول العصابات الصهيونية إلى أرض فلسطين عقب وعد بلفور المشؤوم – الذي أعطى من لا يملك لمن لا يستحق – وأشهرها مذابح دير ياسين وكفر قاسم وتل الزعتر، وصولا إلى الإبادة الجماعية في غزة التي لا تزال تنزف. كل هذه المذابح تؤكد نمطا ثابتا في طبيعة المشروع الصهيوني في الماضي والحاضر وفي المستقبل أيضا، وهذه أهم عبرة في هذا المجال: أن المجازر ركن ركين وسلوك ثابت في هذا المشروع الاحتلالي الاستيطاني.
إن مواجهة هذا الاحتلال وتلك المذابح بكل الوسائل الممكنة هي حق أصيل للشعب الفلسطيني، ومعه كل إخوانه من الشعوب العربية والإسلامية وكل أحرار العالم، وهذا حق كفله الإسلام ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: 39–40]. وكفله أيضا ميثاق الأمم المتحدة في مادته 51 فيما يعرف بحق الدفاع المشروع عن النفس، كما تؤكد المادة الأولى من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 حق الشعوب في تقرير المصير ضد السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي والأنظمة العنصرية.
لقد كانت القضية الفلسطينية وستظل هي قضية المسلمين المركزية، ولن يهدأ لشعوبنا بال حتى تتحرر فلسطين، وينعم الشعب الفلسطيني بدولة حرة مستقلة عاصمتها القدس، وإن الوصول إلى هذا الحق يكون عبر الإعداد ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، وقد اجتهدت المقاومة الفلسطينية في امتلاك القوة، ونجحت في امتلاك بعضها، وقاومت بهذه القوة قدر استطاعتها، لكن تخلّي الأشقاء عن نصرتها تركها ومعها أهل غزة تواجه المذابح وحدها، ويتركها الآن في مواجهة منفردة مع مؤامرة صهيونية دولية تستهدف نزع سلاحها، لكننا نثق أن هذه المقاومة العادلة لن تستسلم لتلك المؤامرة، وستصمد في غرف المفاوضات كما صمدت في الميدان، فهي تدرك أن العدو لا يسعى للإجهاز عليها فحسب، بل الإجهاز على القضية الفلسطينية نفسها، ولكن هيهات!
لقد استهدفت مذبحة صبرا وشاتيلا إخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان، وجاءت في سياق الاحتلال الإسرائيلي لبيروت، وهكذا ظن المحتل الغاصب أنه قد اختار لنفسه ما يحب، واختار للفلسطينيين ما يريد، مغرورا بقوته وسطوته، لكنّ ذلك لم يجعله آمنا، ولم يكسر إرادة المقاومة لدى الشعب الفلسطيني، فإذا هي تتفجر بعد سنوات قليلة في قلب فلسطين المحتلة، وتحتضنها شعوب الأمة جمعاء، وهذه هي إرادة الله التي يغفل عنها البغاة دائما، فهؤلاء المستضعفون يريد الله أن يمن عليهم، وأن يجعلهم أئمة وقادة؛ وأن يورثهم الأرض المباركة، وهذا وعدٌ لا يتخلف مهما طال الزمان: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5].
رحم الله الشهداء، وثبّت المجاهدين، ونصر المستضعفين في فلسطين
الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الخميس 6 ربيع الثاني 1448هـ؛ الموافق 17 سبتمبر 2026م