الموقع الرسمي للإخوان المسلمون

رسالة الإخوان

رسالة فضيلة القائم بأعمال فضيلة المرشد العام

مواساة أهل الحق ونصرتهم.. في ذكرى الإسراء والمعراج

مواساة أهل الحق ونصرتهم.. في ذكرى الإسراء والمعراج

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد 

فتطل علينا ذكرى الإسراء والمعراج في كل عام بدروسها الزاخرة بالحكمة والدلالات الخالدة.فلا يخلو منها زمان، ولا يستغني عنها إنسان.. ونحن في أيامنا هذه أشد ما نكون إلى التوقف عندها، والإفادة منها، وكأن الآيات الكريمة التي نزلت فيها تتنزل علينا اليوم، فتأخذ بالأيدي الحائرة، وتهدي النفوس السادرة في غفلتها، وتثبِّت أهل الحق والمصابرة.

ولعل أولها وأولاها في مقامنا هذا: درس المواساة التي يحتاجها الدعاة إلى الله في كل زمان، عندما ضاقت الأرض برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يحمل رسالة العدل والنور "يخرج من شاء الله من عبادة الناس إلى عبادة الله، ومن جور الأديان الباطلة إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة". فكان أن هجر وطنه إلى الطائف، فآذاه أهلها، ورموه بالحجارة، وهو عزيز النفس حيي الخلال، ولم يستطع أن يعود إلى مكة إلا في جوار رجل من المشركين، فجأر إلى الله شاكيًا: "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟!"؛ فاهتزت السماء لدعواته، ولما نزل ملك الجبال متوعدًا أهل الشرك أبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمره بهلاكهم، " لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله"! هنا كانت المكافأة العظمى؛ أن اجتباه الله إليه، فرفعه إلى مقام كريم، لم يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل.. وأعطاه الصلاة لتكون معراجًا لكل مسلم، يلقى الله متبتلاً وقتما شاء، فأبواب الكريم لا توصد.

وفي طريق المعراج كان الإسراء إلى بيت المقدس، فطُرُق السماء تمر عبر المساجد، والأقصى هو قبلة المسلمين الأولى، وحوله كان مستقر الأنبياء في ردح من الزمن، وهناك صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا، فحاز وأمته ميراث التوحيد بلاغًا، وهداية، وجهادًا. فالمسجد بارك الله حوله، وفلسطين - تلكم الأرض المقدسة- بارك الله فيها للعالمين. كما قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام، ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 71].

فهل بعد ذلك يستيئِس الدعاة؟ وإنَّ ضائقتهم لصائرة إلى فرج، وإنَّ تراجعهم لإلى كرٍّ، وإنَّ هزيمتهم لتستحيل -عما قريب- إلى نصر وتمكين؟ وإنَّ أمضى سلاحهم هو الإيمان الحق، والتوكل الصميم كما قال الله تعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾[الإسراء:2].

والله تعالى يطيل الحديث في سورة الإسراء عن بني إسرائيل، وإفسادهم في الأرض، فمعاداتهم ليست من منطلق عنصري، بل لدرء فسادهم، ودفع جرائمهم وعدوانهم، ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:4]. وهم خلق من خلق الله، ﴿بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: 18].

 والله حين يأمر بقتال أهل الجوْر، فذلك لتسلم الأرض من شرهم.. والله حين أمر المظلومين بالدفع عن أنفسهم كان يأمر بمحض الخير لسلام الأرض والعالم، كما قال تعالى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:251].

ومن هنا كان واجب تحرير مسرى النبي صلى الله عليه وسلم هو مقتضى العدل الإلهي، كما أنه مقتضى القانون الدولي الذي أقرَّ لمن احتُلت أرضه أن يحررها، وأوجب مناصرته، وأدنى درجات العدل ألَّا يُوصَف تحريرُ الأرض بالعدوان، وألَّا يسوَّى بين سلاح أهل الأرض وسلاح عدوهم، وألَّا توصف النصرة لأهل الأرض بالإرهاب والعدوان!

لقد آن لعالمنا أن يستفيق. وإننا لنرى تباشير ذلك في جموع البشر التي خرجت من تلقاء أنفسها؛ رافضةً ما يتعرض له أهل غزة خاصة، وفلسطين كافة؛ من عدوان وظلم.. وإننا لنُدين في هذا المقام محاولة أمريكا -مدعومة بالصهيونية العالمية- تجريم نصرة المظلومين من أهلنا، ووضعهم على قوائم الإرهاب العالمي، ونؤكد أن هذه المحاولات - إن كتب لها النجاح - ستُردِي العالم في هوة من السقوط الأخلاقي، وستنتهي إلى الفشل الذريع؛ لأن الضمير العالمي الذي أفاق لن يعود إلى غفوته، ولأن الله تعالى الذي نحسن التوكل عليه قد قضى في كتابه أن العاقبة للمتقين ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف 128].

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الدكتور صلاح عبد الحق

القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين

الجمعة 27 رجب 1447هـ؛ الموافق 16 يناير 2026م