عيدُ الفطر: فرحة بعد طاعة
الحمد لله وحده.. جعل الأعياد مواسم للفرحة. والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة المهداة سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]، إنها فرحةٌ لا تحُولُ دونها أسوار، ولا تحجبها أستار، فهي فرحةٌٌ بطاعة الله تعالى، وحلاوةُ المجاهدةِ في سبيل مرضاته، فكما أنَ للصائم فرحتين: فرحةً عند فطره وفرحةً عند لقاء ربه، فإنه يحقُّ للمسلمين الذين ذاقوا حلاوة القُرْبِ في شهر رمضان المبارك أن يفرحوا وأن يسعدوا وأن يستبشروا بفضلٍ من الله تعالى بما وفقهم فيه من الطاعات والقربات.
لقد ذاقوا حلاوةَ القُرْبِ بامتثالهم لأمر الله تعالى بالصيام والقيام والبرِّ وصلة الأرحام
وذاقوا حلاوة القُرْبِ بالتّضرُّع إلى الله تعالى بالدعاء في أوقات الإجابة وقت الإفطار وفي السحر. ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].
ذاقوا حلاوة القُرْبِ باجتماعهم وتقاربهم وزيادة تعارفهم في مساجدهم في الصلوات وفي القيام والتراويح في ظلال الآيات المباركات.
ذاقوا حلاوة القُرْبِ باجتماعهم على موائد الإفطار أرحاماً وأحباباً وجيراناً، اجتماعا يزيد تعارفهم ومودتهم وتآلفهم.
ذاقوا حلاوة القُرْبِ من دروس العلم ومجالس العلماء الصادقين تغشاها السكينة وتتنزل عليها الرحمة، مجالس فيها التدبر وفيها سِيَرُ الصالحين، وفيها أحوال أمتنا وكيف ملكنا هذه الدنيا قرونا لما كنَّا متمسكين بكتاب ربنا وبسنة نبينا عليه الصلاة والسلام.
ذاقوا حلاوة القُرْبِ بالبعد عن وسائل إعلام دأَبت على تكثيف برامج ومسلسلات الإلهاء والغفلة وتزييف حقائق التاريخ وتشويه رموز الدعوة.
ذاقوا حلاوة القُرْبِ من آيات الكتاب الحكيم يتلونها أو تُتلى عليهم ليل نهار فيها الشفاءُ والنور، والموعظةُ والتبصرة والتذكرة والهداية:
فيها " إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً "، فهي أمَّةٌ كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
فيها الحذر من الفرقة والحرص على الوحدة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [ال عمران: 103].
فيها الحذر من اتخاذ أولياء من غير المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 51].
وفيها إنذار طواغيت الأرض الذين أصابتهم قوتهم بالغرور؛ يعيثون في الأرض عدوانًا وفسادًا، بل وظنوا أنهم قادرون عليها ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور: 57].
ذاقوا حلاوة القُرْبِ لما أحسُّوا في كل يومٍ من أيام صيامهم أن الأجرَ يأتي بعد الصبر فيُردِّدون عند فطرهم " ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله "؛ ليتأكد لهم أنه كذلك يأتي النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرًا.. وعند الغروب وهم يفطرون بين الأهل والأبناء يتذكرون مَن حُرِمُوا مِن هذه النعمة من إخوةٍ كرامٍ غُيِّبُوا خلف الأسوار ظلما وزورًا، ومنهم من حُرموا من الزيارات الدورية المقررة، فضلا عن زيارة العيد الذي يمرُّ عليهم عاما بعد عام دون عبارة أو إشارة تطمئنهم على أهليهم وأبنائهم.. لكن حسبهم أن يكون الله تعالي وليَّهم، وأنهم أُوذوا في سبيله، نسأل الله تعالى أن ينزلَ السكينة في قلوبهم، ويخلفَهم في ذويهم وأحبابهم، ويعجِّلَ لهم بالفرج.. ليكون دعاؤهم حينها: ذهب الألم وظهر الحق وثبت الأجر إن شاء الله.
إن الفرحة عند المؤمنين لها شأن عجيب، فها هي غزة الجريحة فرحت وفرحت لها الأمةُ كلها بثباتها وصمودها، رغم ما كابدت وتحملت بتصديها بإيمان ويقين في وجه أعتى قوى البغي والطغيان، بل تعاطفَ مع غزة كافةُ الأحرار من كل مكان، ورأينا زغاريد أم الشهيد التي فرحت بابنها تاجًا على رأسها مستبشرًا بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم. وها هي مواكب سرد القرآن في غزة العزة من مئات الحفاظ من الفتيان والفتيات تبعث البهجة والفرحة والسرور في نفوس المؤمنين.
فهنيئا للمسلمين في كل مكان فرحتهم بعيد الفطر بعد طاعاتهم في شهر رمضان.. فرحة ٌتجدد الأمل ويصاحبها العزم على استثمار رصيد رمضان من قرب وزاد في مواصلة الطريق إلى رضوان الله تعالى، ففي الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الصَّلَواتُ الخَمسُ، والجُمعةُ إلى الجُمعةِ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ: مُكَفِّراتٌ ما بينَهنَّ إذا اجتَنَبَ الكَبائِرَ)) [رواه مسلم].
وتظل قلوب المؤمنين متطلعة إلى فرحة كبرى.. فرحة وحدة الأمة وامتلاك إرادتها وتحرير أراضيها واستثمار خيراتها، ولمثل هذا فليعمل العاملون ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: 28].
الإخوة والأخوات.. تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وتقبلنا وإياكم فيمن أعتقهم من النار، وبلغنا وإياكم رمضان أزمنة مديدة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد
والله أكبر ولله الحمد
الدكتور صلاح عبد الحق
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الأربعاء 28 رمضان 1447هـ؛ الموافق 18 مارس 2026م