الموقع الرسمي للإخوان المسلمون

حسن إسماعيل الهضيبي

المرشدون


الاسم: حسن إسماعيل الهضيبي

المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين

مواليد: 1891م.

وفاته: 11 نوفمبر 1973م

مواليد عرب الصوالحة بشبين القناطر القليوبية

مكان الدفن: عرب الصوالحة بشبين القناطر

المؤهل: ليسانس حقوق

جامعة الملك فؤاد (القاهرة حاليا)

العمل نائب رئيس محكمة النقض

الحالة الاجتماعية: متزوج من نعيمة خطاب

من أبنائه المستشار محمد المأمون الهضيبي

تمر السنون تلو السنون، والذكريات تمحوها الأيام، غير أن ذكرى المؤمنين تظل بلسمًا للعليل، وزادًا للسائرين على طريق رب العالمين.

نشأته

ولد الأستاذ حسن إسماعيل الهضيبي عام 1309ﻫ - 1891م في قرية عرب الصوالحة، مركز شبين القناطر، بمحافظة القليوبية بمصر، في أسرة كريمة معروفة في محيطها، حيث يقول عن والده: كان والدي يصلي ككل رجال جيله، وكان كريمًا كطابع أهل هذا العصر، بارًّا بالضعفاء والمساكين، وإن امتاز بشيء فقد يكون اتساع الأفق، كان لا يعيش في عصره، بل كان يسبق معاصريه بمائة عام على الأقل.

تعليمه الأولي

حفظ القرآن وهو صغير، وكان لوالده أثر في تربيته حيث يقوله عنه: وأذكر له رحمه الله حرصه الشديد على أن أتعلم وأتم تعليمي وأصبح ذا شأن، كان يتحدث بين رفاقِه القلائلِ الذين كان يزورهم ويزورونه فإذا هو متحدثٌ بارعٌ ساحرٌ برغم بساطة تعليمه وسذاجة ثقافته.

دخلتُ كتاب القرية لأحفظ القرآن، ولحسن طالعي لم يكن (سيدنا) بالرجل القاسي ذي العصا والفلقة، بل كان شيخًا طيبًا صالحًا لم يضرب واحدًا منا مرة واحدة، وساعدنا على حفظ كتاب الله. 

بين صفوف الطلبة

التحق بالأزهر ثم تركه والتحق بالمدارس المدنية، حيث حصل على الشهادة الابتدائية عام 1907م، ثم تخرج في المدرسة الخديوية الثانوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام 1911م، ثم التحق بكلية الحقوق -وكان شديد الحب لمصطفى كامل- وبعد تخرجه عام 1915م عمل محاميًا، وقضى فترة التمرين بالمحاماة في القاهرة، ثم عمل في حقل المحاماة في مركز "شبين القناطر" لفترة قصيرة، وظل كذلك حتى التحق بالسلك القضائي عام 1924م.

زواجه

تزوج ابنه الشيخ خطاب أحد العلماء الأجلاء حيث يقول: « وتخرجتُ في مدرسة الحقوق عام 1915م، والتحقتُ بمكتب الأستاذ حافظ رمضان، وقد كنت في ذلك الوقت أسكن بمنزل رجل عالم فاضل وكان له ابن اتخذتُ منه صديقي الوحيد في القاهرة، وكم تمنيت أن تكون لهذا العالم الفاضل ابنة اتخذها شريكة لحياتي، ولم يخيب الله أملي فرأيتها مصادفةً ذات يوم، وفي اليوم التالي لحصولي على ليسانس الحقوق ذهبت إلى والدها أطلب يدها.

وقال لي العالم الفاضل: أليس من الأفضل أن يتقدَّم والدك بهذا الطلب؟

قلت له في بساطة: لقد تقدَّم والدي يومًا عندما أراد أن يتزوَّج من والدتي، أما أنا فأتقدَّم لأني أنا الزوج لا والدي.

واقتنع الرجل الطيب، ودعوتُ أبي ليشهدَ عقد قراني، والتقيت به، وكنت الوحيد الذي أعلم أن هذا التصرف سيعجب أبي لأنه كما قلت كان لا يعيش في عصره، بل سقط من حسابه الكثير من التقاليد التي كانت تسجن هذا العصر وراء أسوارها الجامدة، وقال لي أبي وهو يصافحني: لقد تمنيتُ على الله دائمًا أن يحدث هذا منك فتريحني من أثقل مهمة على أب، وهي اختياره لابنه ورقة يانصيب رابحة.

وهكذا تزوجتُ، وبدأت أعمل في المحاماة، ولكن الأبواب كانت أضيق من أن تتسع للناشئين، وضاق بي الحال، وعزَّ العمل والأمل في القاهرة، وبيني وبين نفسي قررت الهجرة وراء الرزق».

العمل بالمحاماة

بعدما تخرج عمل فترة في المحاماة في مكتب حافظ رمضان ثم اختار أن ينتقل للعمل في سوهاج ويعمل في المحاماة وبالقعل انتقل برفقة زوجته وأولاده.

يقول: وسافرت إلى سوهاج وبحثت عن بيتٍ وعن مكتب وتم لي ما أردت، وأراد الله أن تكون سوهاج فاتحة خير في حياتي، فإن الله فتح عليَّ فتحًا لا يخطر ببال أحد، وفي أقل من عام كنت من المحامين المعدودين في سوهاج .

صفات قائد

يقول: اشتعلت الثورة المصرية الكبرى، ولأول مرة في حياتي وقفتُ لأخطب في الجموع المحتشدة، ويومها آمنتُ بالمظاهرات، وآمنتُ بالتكتل، وآمنتُ بمصر الثائرة العنيفة، وبمجرد انتهاء الثورة ظل إيماني بالتكتل وبمصر، ولكن ذهب إيماني بالمظاهرات فعدت إلى كراهيتي لها.

فوق منصة القضاء

استمر كذلك حتى جاءه التعيين في القضاء حيث تملكه العجب لكونه لم يتقدم لذلك وكان محبا للمحاماة إلا أنه اكتشف كيف تم ذلك حيث يصفه بقوله: وذات يوم وصلني فجأة خطاب من وزارة الحقانية يقول لي فيه الوزير أنه “قد تمَّ تعييني في القضاء بناءً على الطلب الذي قدمته”، ولا أذكر أني قدمتُ طلبًا وأنا المحامي الناجح الذي بدأ يرتفع اسمه وتعلو أسهمه.

ووصلني بعدها بأيام خطابٌ من صديق يهنئني فيه على هذا التعيين ويقول لي: “لقد سمعت أنك مجهد في المحاماة، لهذا قدمتُ الطلبَ ووقعته باسمك فأرجو ألا تعتذرَ حتى لا أُتَّهمَ بالتزوير”.

وأوقعني خطاب وزارة الحقانية في حيرة، هل أدخل القضاء أو أظل في المحاماة؟ ولا أدري لماذا اخترت القضاء، وإلى اليوم ما زلت أسائل نفسي: هل أصبت أو أخطأت؟ ولا أكاد أجد جوابًا شافيًا.

رحلة قاضي

انتقل إلى قنا 1933م وعمل كقاضي، وانتقل إلى "نجع حمادي" عام 1925م، ثم إلى "المنصورة" عام 1930م، ولقد تدرج في المناصب القضائية من مدير إدارة النيابات لرئيس التفتيش القضائي، فمستشار بمحكمة الاستئناف، ثم مستشار بمحكمة النقض، وظل بها حتى استقال عام 1951م عندما اختير مرشدًا عامًّا للإخوان.

كيف عرف الإخوان؟

في صيف 1944م تقابل مع عدد من شباب قريته وتحدث معهم حيث وجد فيهم الثقافة العالية فأعجب من هذا الجيل إلا أنه لم يطل به المقام حتى عرف أنهم أفراد في جماعة الإخوان المسلمين حيث يصف الحال بقوله: كنت في القرية واجتمعت بلفيف من شباب البلدة وأخذنا نتحدث في مختلف المشكلات العامة.. وهالني ما سمعت.. سمعت شبابًا محدودي الثقافة والتعليم يتكلمون في المسألة الوطنية كأحسن ما يتكلم المفكرون السياسيون.. ويتحدثون في المسائل الدينية كأحسن ما يتحدث العلماء المتمكنون.

وعجبتُ لهذا، فسألتهم عن مصدر هذا العلم، فقالوا إنهم ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين ، وأن مطبوعات الجمعية ومنشوراتها وتعاليمها تصلهم بانتظام.. وطلبت منهم أن يزودوني بهذه المطبوعات.

ولم أنمْ هذه الليلة حتى الصباح، فقد ظللت أقرأ وأقرأ حتى الفجر، ثم صليت الفجر.. ولم تكد تطلع الشمس حتى اعتبرت نفسي جنديًّا في هذه الجماعة الكبرى ، وكان هذا أول لقاء لي بفكرة الإخوان.

ومن هذا اليوم أصبحت أعد نفسي أخًا لهم جميعًا، أتتبع نشاطهم وصحفهم وأنباءهم، واتصلت ببعضهم وأنا مستشار.

وذات يوم كان محددًا عقد اجتماع ضخم سيخطب فيه الإمام الشهيد حسن البنا ، وقيل لي إن دعوةً رسميةً ستصلني لحضور الاجتماع ولم تصل الدعوة .

وعلمت فيما بعد أنه كانت هناك أوامرُ لمصلحة البريد من وزارة الداخلية بتمزيق الدعوات الخاصة بالإخوان المسلمين، وقد مُزقت الدعوة التي وُجهت إليَّ.

وبرغم هذا فقد قرَّرت أن أحضر الاجتماع بأي ثمن ونزلت أنا وأربعة من زملائي المستشارين واتجهنا نحو الاجتماع وكان في الجيزة ، ودخلنا السرادق الكبير، فلم نجد موضعًا لإصبع ولا لقدم، وبرغم ذلك فقد شققنا طريقنا، وعرفنا بعض المحامين الأقباط الذين حضروا الاجتماع فقدموا لبعضنا مقاعدهم، ولكني أصررت على أن أجلس على الأرض لأستمع إلى حسن البنا .

وكم سمعتُ خطباء وكنت أتمنى في كل مرة أن يسرعوا إلى النهاية، وهذه المرة كنت أخاف أن يختم حسن البنا خطابه، كنت في قلقٍ مستمر من أن ينتهي قبل أن أشنف أذني وعقلي وقلبي من هذا السحر.

مائة دقيقة انقضت عليه وهو يجمع قلوب المسلمين في قبضة يده، فيهزها كما يشاء وكما يريد، وانتهت خطبته وردَّ إلى المستمعين قلوبهم إلا قلبي أنا فقد ظل في يده.

أول لقاء مع الشهيد البنا

وازددتُ اقترابًا من الإخوان .. بدأت أتصل بهم وأعرف بعضهم.. إلى أن جاءت ليلة.. كنت في مكتبي أراجع بعض القضايا.. ودق الجرس ولم يكن من عادتي أن أفتح الباب.. ولكن لا أدري لماذا قمت.. ولماذا ذهبت، ولماذا فتحت الباب؟

لأجد حسن البنا

وتعانقنا..

ودخل إلى بيتي.. وجلسنا نتحدث في شتى الشئون

وصلينا العشاء معًا.

وخرج المرشد.

وبدأت أضع عقلي بعد قلبي في خدمة الإخوان .

وكتب مقالا عن حسن البنا بقوله: "عرفته أول ما عرفته من غرس يده، كنت أدخل المدن والقرى فأجد إعلانات عن "الإخوان المسلمون" دعوة الحق والقوة والحرية، فخلت أنها إحدى الجمعيات التي تعنى بتحفيظ القرآن، والإحسان إلى الفقراء، ودفن الموتى، والحث على العبادات من صوم وصلاة.. إلخ، وأن هذا قصارها من معرفة الحق والقوة والحرية، فلم أحفل بها، فكثير هم الذين يقرءون القرآن دون أن يفقهوه، ودون أن يعملوا به، وأكثر منهم الذين يصلون، ويصومون، ويحجون، دون أن يكون لذلك أثر في نفوسهم، والإحسان إلى الفقراء كثيرًا ما يوضع في غير موضعه، ويكون مخالفًا للدين! لم أحاول كما هي العادة أن أعرف شيئًا عن دعوة الإخوان المسلمين.

كتب عنه الأستاذ حسن البنا

تحت عنوان التعارف الإسلامي كتب الإمام الشهيد حسن البنا في مجلة الشهاب قوله: "الأستاذ حسن الهضيبي مصري ولد في عرب الصوالحة عام 1309ﻫ، قبيلته عربية عريقة في عروبتها ودينها، درس في كلية الحقوق، وتخرج منها عام 1335ﻫ، واشتغل بالمحاماة، ثم في القضاء، وهو الآن مستشارًا في محكمة النقض والإبرام، وسعادته خير قدوة لرجال القانون، فقد عرف في جميع مراحل حياته بالكفاية وسمو الخلق والغيرة على الإسلام والدعوة...".

مواقف مجاهد

وأصبح فيما بعد مستشارًا خاصًّا للأستاذ حسن البنا، وكان لا يعرفه سوى خاصة الخاصة من الإخوان المسلمين؛ حيث كان منصبه في القضاء يحرم عليه العمل في السياسة، لكن لم يحرمه ذلك من دعم الجماعة ومساهمته في شراء دار المركز العام، كما أنه أوعز إلى عشيرته بإنشاء شعبة للإخوان المسلمين في قريتهم بعرب الصوالحة وما جاورها من القرى، وكان له في العناية بأسر المعتقلين جهودًا مضنية، وكان قلبه يحترق وهو يرى مدى العنت والاضطهاد الذي وقع على إخوانه -خاصة بعد حل الجماعة في ديسمبر 1948م- فعمد إلى الاعتناء بأسرهم.

ولقد دافع عن تطبيق الشريعة الإسلامية، فلقد سأله يومًا رئيس محكمة النقض والإبرام: يا حسن: ألست معي أن أكثر أحكام التشريع المدني الحديث تقابل أحكامًا مماثلة في الفقه الإسلامي؟ قال الأستاذ الهضيبي: بلى. قال الرئيس: فما هو إذًا الأساس الكبير والمطالبة الملحة من جانبك بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية، وتطبيق أحكامها؟ قال: هو أن الله -تعالى- قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49]، ولم يقل: أن احكم بمثل ما أنزل الله، وأن تحكيم شريعة الله في عقيدة المسلم عبادة تؤدى امتثالاً لأمر الله، وذلك هو مصدر بركتها، وسر قوتها في نفوس المؤمنين بها، وفي كيان الجماعة المؤمنة.

كما اعترض على مشروع تنقيح القانون المدني المصري عام 1945م وسجل مقولته: "لأن هذا المشروع لم يقم أساسًا على الكتاب والسنة".

وفي عام 1947م نشر الأستاذ الهضيبي -رحمه الله- مقالاً في جريدة "أخبار اليوم" المصرية، وذلك حين عرض عليه تعديل مشروع القانون المدني المصري قال فيه: "إن أحسن تعديل في نظري هو سن قانون من مادة واحدة، يقضي بتطبيق الشريعة الإسلامية في الأحوال الجنائية والمدنية"، وقال: "لقد أعلنت عن رأيي أمام لجنة تعديل القانون المدني في مجلس الشيوخ فقلت: يجب أن يكون قانوننا هو القرآن والسنة في جميع شئون حياتنا، وليس في الشئون التشريعية وحدها. إن الإسلام دين متماسك متكامل غير قابل للتجزئة، فيجب تطبيق جميع أحكامه في كل أمة تدين به.

هذا هو الرأي الذي جاهرت به، وأود أن أؤكد أنني قد انتهيت من مراجعة الشريعة ودراستها إلى أنه ليس في تشريعات الأجانب وقوانينهم ما لا يتضمنه القرآن الكريم، والحلال بيّن والحرام بيّن، وكلاهما واضح المعالم والحدود إلى يوم الدين.

وهذا ما قلته أمام اللجنة، وإنني على يقين أنهم لن يأخذوا به، ولكن لا حرج عليَّ في ذلك ما دمت مؤمنًا بما أقول، ولكن ظني أنه بعد فترة قد تمتد إلى عشرين أو ثلاثين سنة سيتجه الرأي إلى الأخذ بما أقول، كلما شرح الله صدور الناس بالقرآن قرب اليوم الذي يسود فيه هذا الرأي.

لقد رأينا أن جميع القوانين التي أخذناها عن الأجانب لم تصلح من حال بلادنا، ولم تحقق ما كان يرجى منها، فهذه السجون ملأى بالسجناء، والجرائم تزداد، والفقر ينتشر، والحالة الخلقية والاجتماعية تسوء كل يوم عن سابقه، ولن يصلح الحال إلا إذا نظمنا علاقتنا بالسنن الكونية التي تنزّل الوحي بجملة أسرارها، ومعالمها في القرآن، وإلا إذا عشنا في بيوتنا، وبين أهلينا، وأولادنا، ومع الناس أجمعين عيشة قرآنية".

وقد ذكر مصطفى أمين تحت عنوان "فكرة" قوله: "ولاحظت وأنا أتحدث إلى الهضيبي أنه رجل قليل الكلام تتوهم أنه صارم بينما هو رجل رقيق هادئ فيه طيبة ممتزجة بالذكاء الحاد. قوي الملاحظة....".

مرشدا للإخوان

بعد وفاة الإمام البنا ودخول الجماعة طور المحنة لم تستطع الجماعة حسم من يخلف الأستاذ حسن البنا، حتى أخذ المستشار منير الدلة وعدد من قادة الإخوان المأثرين بزمام الأمر واتفقوا على اختيار شخص يجتمع عليه جميع الإخوان وبالفعل اتفقوا على اختيار المستشار حسن الهضيبي وبعد سجالات تم اختياره مرشدًا عامًّا للإخوان المسلمين في 17 أكتوبر 1951م.

خاض بالجماعة كثير من الأحداث وكان له الكلمة العليا في ثورة يوليو 1952م كما كان حازما في أمر الجماعة أثناء المحن التي تعرضت لها في مواجهة العسكر، وكان من أقواله: "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم".

في وجه العسكر

لم يف العسكر بما تم الاتفاق عنه مع الإخوان أثناء مشاركتهم في الثورة، حيث يحاول من جاء بعدهم لتشويه هذا الموقف لصالح العسكر، لكن كان على أرض الواقع موقف المستشار الهضيبي الصلب سببا في تغيير كثير من الأحداث مما اضطر جمال عبد الناصر ورفاقه لاعتقال حسن الهضيبي أوائل عام 1954م غير أنهم اضطروا للإفراج عنه أمام الأعداد الهائلة التي خرجت للشارع لإعادة محمد نجيب والإفراج عن المستشار الهضيبي وبقية قادة الإخوان وبالفعل استجاب عبد الناصر تحت الضغط وأعاد نجيب لمنصب الرئيس وأفرج عن كل المعتقلين.

وبعدما أفرج عنه كتب للإخوان: "إن الله جعلكم جنودًا لقضية الحق والفضيلة والعزة في وطنكم وفي العالم الإسلامي كله، وإذا كان من واجب الجندي المخلص أن يكون مستعدًا دائمًا لما يؤدِّي بكم إلى النصر في الحياة، فطهِّروا قلوبَكم وحاربوا أهواءكم وشهواتكم قبل أن تحاربوا أعداءكم، فإن من انهزم بينه وبين نفسه في ميدان الإصلاح أعجزُ من أن ينتصرَ مع غيره في معركة السلاح".

كان الهضيبي يتمتع بروح القائد، وعلم الفقيه، وضمير القاضي، وثبات وصلابة المجاهد، وقبل ذلك إخلاص وورع الزاهد العابد، لذلك نصره الله وأيَّده وأرشده لأصوب القرارات في أصعب الأوقات.

جولته في الخارج ومعاهدة الجلاء

سافر المرشد العام في جولة دعوية للسعودية وسوريا ولبنان، وفي أثناء ذلك كانت المقاومة الجهادية التي يقوم بها الإخوان لازالت مستمرة، وقد تعبت بريطانيا من الإقامة في مصر ولما تقدمه من تكاليف، فاتفقت مع عبد الناصر على أن تجلو عن القناة مقابل شروط على رأسها:

(يحق لبريطانيا أن ترجع لاحتلال القناة إذا حصل اعتداء على مصر، أو على الدول العربية، أو تركيا).

عارض الإخوان هذا الشرط معارضة شديدة، وحصلت بين عبد الناصر وبين الأستاذ الهضيبي مكاتبات على صفحات الجرائد، وكانت كلمات الأستاذ الهضيبي شديدة وحادة، كما بعث المرشد العام بمذكرة للرئيس نجيب يعلن اعتراض الإخوان على بعض النصوص، واكفهر الجو وازداد شعور الإخوان بالخطر، فطلب عبد الحكيم عابدين من المرشد العام عدم الرجوع لمصر حتى تمر الأزمة، غير أنه رفض ذلك وقال: لأعودن لمصر؛ لكي أشارك إخواني محنتهم، وبقي عابدين وبعض الإخوة في الخارج.

حادثة المنشية

وفي 26/10/1954م في تمام الساعة الثامنة مساء وقع حادث المنشية كما زعم عبد الناصر واعتقل المرشد العام من الإسكندرية، وزج به في السجن الحربي حيث حكمت عليه محكمة الشعب بالإعدام شنقا قبل أن يخفف الحكم عنه إلى المؤبد. وعندما سئل بعد تخفيف الحكم عليه عن شعوره قال: "شعوري كرجل قام من حجرة الجلوس ليذهب إلى حجرة النوم".

ورغم كبر سنة وزيادة المرض ظل في السجن والإقامة الجبرية ما يقرب من عشرين عاما، بل اعتقل كل ابناءه وزوجته وبناته في محنة عام 1965م.

قالوا عنه

يقول عنه الأستاذ "أحمد حسين" زعيم مصر الفتاة -رحمه الله: "لقد ضمنا السجن الحربي في مارس 1954م، وأشهد أنه كان معي كريمًا، وبي عطوفًا، وأحسب أن أعظم تكريم له أنه في الإخوان المسلمين. ولقد سألني صحفي ما رأيك في الإخوان في معركة فلسطين؟ فأجبته بأنه كان أعظم الأدوار، حتى لقد كانوا هم الذين أنقذوا الجيش المصري من الوقوع في كارثة، عندما حموا مؤخرته وهو يتراجع، ويجب أن تعرف الدنيا كلها مني أنا أن من حارب المستشار، وحارب الإخوان بالحديد والنار، إنما كان يفعل ذلك لحساب الشيطان، ولا تظنوا يا أحبائي أنني أقول هذا الكلام الآن فقط، فقد غادرت مصر عام 1955م؛ احتجاجًا على ما حل بالإخوان، وكان آخر لقاء بيني وبين عبد الناصر يدور حول هذا الموضوع"، ثم يقول: "إن شهيدكم (يقصد المستشار الهضيبي)، وشهيد الإسلام إذ ينعم الآن بالحياة إلى جوار ربه، فسوف يسجل له التاريخ أنه كان كابن حنبل، رفض أن يساوم أو يتزحزح عما يتصوره حقًّا".

ويقول الأستاذ عمر التلمساني -يرحمه الله: "إذا كان حسن البنا قد مضى إلى ربه وترك النبتةَ يانعةً فتيَّةً، فقد كان حسن الهضيبي علاَّمة زمانه، ومشعل عصره، يوم حمل الراية حريصًا لم يُفرط، عزيزًا لم يَلن، كريمًا لم يَهُن، وادي الأمانة أمينًا في عزم، قويًّا في حزم، ثابت الخُطى في فهم، فأكد معالم الفهم السليم للإسلام الصحيح في القول وفي العمل، لم يُثنه حبل المشنقة، ولم يُرهبه سجن ولا تعذيب، بل زاده الأمر إصرارًا على إصرار، وصمودًا فوق الصمود".

وذات يوم غضب شمس بدران عندما جاءت رسالة من بلاد المغرب مكتوب عليها: فضيلة الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين، فسأله: أليست الإخوان محلولة؟! فأجابه: "إنها محلولة داخل مصر غير أني مرشد الإخوان في العالم".

الهضيبي وفكر التكفير

ظهر فكر التكفير داخل السجون فوقف الأستاذ الهضيبي الشامخ الواثق ضد هذا الفكر، وأخرج كتاب: "دعاة لا قضاة" يبين للناس بأن الإخوان لا يكفرون مسلمًا أقر بالشهادتين، وأن من يسير على منهج التكفير فليبحث عن لافتة أخرى غير الإخوان، فمع كل هذه المحن التي تعرض لها هو وإخوانه إلا أنه نهى إخوانه عن غيبة عبد الناصر، وظل في السجن حتى مات عبدالناصر وأفرج عنه في 15 أكتوبر 1971م.

مواقفه التربوية

انفرد الأستاذ الهضيبي أو كاد برتبةٍ عاليةٍ في الورع عمَّا تعارف عليه الناس على إباحته من توافه الأشياءِ التي تضعها الدوائر الحكومية والمؤسسات التجارية في خدمةِ موظفيها كالأوراق والأقلام وغيرها من المهملات إذ كان يُحرِّم على نفسه وذويه استعمال شيء منها في شأنٍ خاصٍّ، وكان يعود من المحكمة- وهو قاض أو محقق- وفي حقيبته أكداس من ورقة التسويد الرخيصة (الخرطوش) ليخطط عليها مشروعات القرارات والأحكام القضائية، فلا يسمح لنفسه قط باستعمال ورقة منها ولو كانت دون الأصبع في أمر يخصه أو يخص واحدًا من أهله، فإذا رآها واحد من أولاده في غرفته وطلب ورقة منها لبعض حاجته أنكر عليه أبوه وأعطاه قرشًا يشتري به ما يحتاج إليه من الورق ثم لقنه أمام إخوته الدرس الذي لم ينسوه بأن أوراق الحكومة ملك لها لا يحل لأحد أن يستخدمها في شأن خاص به.

مع خلطائه المسيحيين

وكانت باكورة ولايته القضاء في مدينة جرجا في صعيد مصر، حيث تعلو فيه الطبقة المثقفة نسبة المسيحيين، الذين تهيئ لهم مراكزهم وثقافتهم الاختلاط بقاضي المدينة، ونظرائه من كبار الموظفين، فلفت نظر هؤلاء الأخوة عزوف القاضي الجديد عن مشاركة أنداده غشيان مواطن اللهو المباح، فضلاً عن الحرام، وراعهم منه- خلافًا لأمثاله- لا يحلف ولا يعمد إلى تثبيت قوله ورأيه بيمين؛ استنادًا إلى أنَّ من لا يصدق بلسانه لا يصدق بيمينه، بالإضافةِ إلى إيثاره الجد في غير تزمت والبشاشة في غير تبذل، فإذا بهم يلتفون حوله، ويُحيطونه بفيض من مشاعر الحب والتقدير، ويعلنون أنهم يحسدون عليه إخوانهم المسلمين، ويتمنون لو كان في طائفتهم مثله ليقيموا له النصب والتماثيل.

الجبين المرفوع.. أمام الملك فؤاد

دثني "باشا" مصري من أعلام القضاء- كان يليه مباشرةً في ترتيب القضاة والمستشارين- أن الهضيبي كان أول مَن كسر تقاليد الانحناء بين يدي الملك، عند حلفه اليمين القانونية التي يؤديها أمامه قبل تولي مناصب المستشارين، إذ كانت دفعته حوالي عشرة، سبقه منهم خمسة لم يترددوا في الانحناء عند حلف اليمين رغم تهامسهم بالتذمر من هذا التقليد المهين، حتى إذا جاء دور الهضيبي، الواهن البنية الصامت اللسان، فاجأ الجميع بأن مدَّ يده لمصافحةِ الملك وأقسم اليمين منتصب القامة مرفوع الجبين، بصورةٍ أنعشت الإباء فيمن بعده- وأولهم محدثي الباشا (س. ر)- فأدى يمينه قائمًا عالي الرأس، وهو يقول لنفسه: "إذا شنقوا الهضيبي فليشنقوني معه"، وتبعهما سائر المستشارين فصافحوا الملك وأقسموا اليمين دون تخاضع أو انحناء.

وفاته

في 14شوال 1393ﻫ- 11 نوفمبر 1973 توفي الإمام المرشد حسن الهضيبي بعد حياة حافلة بالجهاد، ويذكر الأستاذ محمد الغزالي عن وصية الأستاذ الهضيبي "بأنه أوصى أن يدفن خفية لا إعلان ولا وموكب، ويوارى جثمانه في مقابر الصدقة".

المراجع

1-     جمعة أمين عبد العزيز: قالوا عن الإمام البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2003م.

2-     أسعد سيد أحمد: الإسلام والداعية الإمام المرشد حسن الهضيبي، دار الأنصار 1977، ج1.

3-     عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2002.

4-     عباس السيسي: حكايات عن الإخوان، دار التوزيع والنشر الإسلامية ، 1998، جـ1.

5-     أحمد أبو شادي: رحلتي مع الجماعة الصامدة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1998.

6-      محمد عبد الحليم حامد: مائة موقف من حياة المرشدين بجماعة الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية ، 1993م.

7-     المستشار عبد الله العقيل: من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، دار التوزيع والنشر الإسلامية.

8-     أحمد البس: الإخوان في ريف مصر، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1986م.

9

المرشدون

مرشدو جماعة الإخوان المسلمين هم رؤساء جماعة الإخوان المسلمين منذ أن أنشأها الإمام حسن البنا عام 1928 م إثر سقوط الخلافة الإسلامية وذلك لتجميع جهود المسلمين لاسترجاع الخلافة الإسلامية وعودة جماعة المسلمين إلى سابق عهدها وأستاذية العالم،